الثلاثاء، 26 أكتوبر، 2010

امرأة الجدران الأربعة






هاتفها ذات ليلة.. وكانت كزهرة بنفسج من القطيفة.. حزينة وناعمة.... وكان هو منتعشاً.. رائق البال كعصفور مكتمل الريش بهى الألوان.. صرحت عن مزاجها الأزرق.. فأبلغها أنه ربما يخرج مع أصحابه تلك الليلة.. وسيهاتفها لاحقاً.. أغلقت الهاتف ولم تنتظر مكالمته ..

رن التليفون.. لكن بعد أربع منتصفات ليالى متوالية..ظهر اسمه.. سمعت صوته يبلغها أنه سيمر عليها بعد الدوام..

فى منتصف الليلة الخامسة طرق باب شقتها.. توجه الى شرفتها المطلة على نيل القاهرة.. وأشعل سيجارة بعد الأخرى.. هى ليست مدخنة ولكنها تشاركه دخانه عندما ينفثه فى حياتها.. ينفثه فى فراغ شقتها الواسعة ربما كل عشر ليالى عندما يمر عليها بعد سابقة إنذار لا تتعدى بضعة ساعات.

الغريب حقاً أنه يجدها فى كل مرة حتى وإن لم تكن موجودة.. حتى فى شرودها تسمح له بالدخول الى حيزها الواسع.. شديد الضيق عليها..
هل تحبه؟

هى لا تعتقد أنها مازالت مغرمة به غرام السنوات الأولى عندما كانت صغيرة جداً وكان هو يكبرها ببعض الخطوات.. حينها كانت مولعة به.. تتذكر عندما كانت تدخل بيته الصغير كطفلة عاشقة للملاهى.. تمسك ألوانه وتبعثرها على جسدها.. تضم بفرشاته خصلات شعرها القصير.. تصلح له جهاز التلفاز.. ليجلسا أمام فيلم الكرتون كطفلين رفضا الواقع وإختارا سوياً حياة إفتراضية ليس لها أى صلة بالواقع.

بعد أن ملت عدم مسؤوليته.. إفترقا.. هربت من كونها مجرد ظل لرجل الألوان.. ملت إنتظارها أن تشاركه بهجة الحياة خارج جدرانه الأربع التى لها لون سن الفيل ..

هى هربت.. ورفضته.. وبقيت بقايا ألوانه عالقة بين أظافرها.... ب

عد مرور زمنى طويل.. إحترفت هى الألوان.. ووجدته بينما كانت تنقض عنها غبار رماد علق بألوانها الناعمة الحزينة.. فاقتربت منه كى تنفض عنه غباره لتكتشف أنه صار باهتاً غير ذى لمعة
.
أقترب لأنه يعشق الإستماع اليها.. يرنو لصحبتها التى دائماً ما يدعى أنها الصُحبة المفضلة لديه.. طالما قال لها أنها واحته الخضراء.. يأتى اليها كلما أراد ظلاً.. لكنها لا تريد الأخضر وحده.. ودائماً تسأل "ماذا عن باقى الألوان؟

هى كانت تبحث فيه عمن يصطحبها للقمر.. ويعود بها الى الأرض فى سفينة قوس قزح.. أرادت إحساس الألوان جميعها... هذه المرة هى لا تريد أن تترقى من امرأة جدرانه الأربع الى سيدة الجدران الأربع التى يأتى اليها كلما أراد جرعة ماء دون أن يشاركها مغامراته البرية..

ولكن الى متى كان الصبر؟ لقد أقصته من قبل لطفولته.. فهل من جديد؟!

فى حانة .. ذات ليلة.. وجدها وقد فرت من الجدران الأربع.. فهرب لأنه لم يعد يحتمل ألوانها الصاخبة.