الأربعاء، 18 فبراير، 2009

أهو دا اللى صار...



فى بيت "خالد فوزى" المودرن.. شديد الأناقة كصاحبه.. تجلس "سلمى" تتأمل تفاصيل المنزل الواسع الذى يقع فى أغلى منطقة فى التجمع الخامس. تنهض من المقعد الوثير وتسير بضع خطوات الى البلكونة تستكشف الكمبوند السكنى فائق الفخامة.
وتسأل بصوت عالى :أنت عايش فى البيت ده لوحدك يا خالد؟
لا يصله صوتها فتعود أدراجها الى داخل المنزل.. تتفحص اللوحات التشكيلية من حولها.. تقدر قيمتها بمئات الآلاف من الجنيهات.. لم تكن تتوقع أبدا حجم غناه.. وتعجبت أن صناعة السينما قد تحقق مثل هذا الثراء الفاحش...
تجلس على «الليزى بوى» فترى خالد فى المطبخ الأمريكى المفتوح على «الليفنج رووم» وهو يفتح زجاجة نبيذ أسبانى أبيض.. تمعن النظر فى ملامحه الشرقية الجذابة التى تستهويها ... تتنقل عيناها بين خالد وبين شاشة التليفزيون الضخمة التى تحتل نصف عرض الحائط.. تقوم من جلستها لتتفحص مكتبته من الكتب والأسطوانات التى يختص معظمها فى السينما.. تلمحه يخرج من المطبخ بخطوات هادئة حاملا فى يده كأسين كريستالينين من النبيذ.. وهو يقول:
- أنا مبسوط قوى إننا خلعنا بعد العرض الخاص وماروحناش الحفلة اللى عاملها المنتج.. أكيد كان هايبقى دمها تقيل قوى.
قال جملته وهو يرمقها بنظرة إعجاب تحمل جملاً مخفية بخبرة محنك.
جاوبته «سلمى» برقة شديدة لا تخلو من غنج أنثوى واضح:
-أنا كمان مبسوطة ..بس زى ما إتفقنا مش عايزة أتأخر.. خصوصا أنى سبت عربيتى مركونة فى حتة غريبة قوى .. أنا نفسى مش فاكرة هى فين.
-ما تقلقيش أنا هاوصلك لحد عربيتك ولحد بيتك كمان لو عايزة
يقول جملته وهو يدنو من وجهها وكأنه يقبل شفتيها الممتلئتين بعينيه ويرفعان كأسيهما ويشربان :Cheers
يضع خالد كأسه نصف الممتلئ على الطاولة الزجاجية وهو يقول:
- أمتى بقى هاتعملى معايا «أنترفيو» بخصوص الفيلم الجديد؟
تتململ سلمى فى جلستها بجواره وهى تحرك رأسها فى حركة جانبية وتزم شفتيها وترفع حاجبيها وترمقه بنظرة تدعى البراءة دون أن تجيبه...
- انت بتكتبى فى أهم صفحة فنية فى مصر ... لازم تكتبى عن فيلمى .. وبسرعة
- لا تعليق
- ليه بقى إن شاء الله
- يعنى أصلى مافيش حاجة فى دماغى أكتبها عن الفيلم
- آزاى يعنى مش لاقيه حاجة تكتبيها عن أحسن فيلم أتعمل فى بلدك فى العشر سنين الأخيرة؟
- مش قوى كده .. وبعدين احنا ماعندناش سينما جيدة فى العشر سنين الأخيرة
- أنت جاهلة (يقولها وهو يقوم من جوارها بعصبية)
- .... ....تزم شفتيها الجميلتين فى صمت
يحاول خالد أن يتمالك أعصابه فيسألها فى محاولة ادعاء اللطف:
- أنت مش عاجبك الفيلم ليه؟
- بص يا خالد أنت مخرج هايل جداً وبجد بحب كتير من شغلك جداً.. بس الفيلم اللى شفته النهاردة فيلم عادى مش مستاهل كل الضجة اللى انت عاملها دى
- أنت بتستهبلى ولا أيه؟!! .. أنت جاية تهزئينى فى بيتى؟!
يقول جملته متشنجاً ويضع الكأس الذى مازال يحمله على الطاولة الزجاجية بعصبية شديدة فيحدث شرخاً بعرض الطاولة..
- أنا قلت رأيى بعد إصرار منك أنك تسمعه .. وبعدين يهمك رأيى فى أيه إذا كنت بتقول عليا جاهلة؟ وطالما أنت واثق فى نفسك وفى شغلك يهمك رأيى فى أيه؟
يهب خالد مشوحا بيديه فى وجه سلمى:
- غصب عنك وعن اللى جابوكى أنا واثق فى نفسى يا حشرة
- دا انت اللى حشرة وحشرة وضيعة كمان.. بس أنا اللى غلطانة انى قبلت أنى آجى معاك بيتك.. أتاريك يا حرام مريض نفسى
وتضع الكأس من يدها وتسحب حقيبتها بعصبية لتهم بالنزول من بيته الذى بدأ يخنقها
يعترض طريقها ويمسكها من كتفيها ويهزها بعنف و يقول:
- أنا مريض نفسى يا بنت ال... أنت فاكرة نفسك مين يا روح أمك؟! أنت هاتنزلى كده بكل بساطة؟!
تنظر اليه سلمى وعينيها ثابتتين على وجهه الأسمر-الذى إعتادت أن تراه وسيما - وتقول بتحدى مستفز:
- لو ما نزلتش أيدك من عليا أنا هاصرخ وألم عليك الجيران وإعملك فضيحة بجلاجل فى وسط المكان
- جربى كده وأنا هاطلب البوليس وأقول أنك حرامية
- مش هاتلحق
وتبدأ سلمى فى الصراخ الحاد تطلب المساعدة من الجيران مدعية أنها تُغتَصب
يردعه صراخها الذى سيسبب له فضيحة فى الكومبوند ويقول:
- طيب خلاص خلاص .. أنا آسف يا ستى .. أهدى شوية وأنا هانزل أوصلك لغاية عربيتك.. أنت أزاى عايزة تنزلى لواحدك أنت ناسية أننا فى التجمع الخامس.. مش ممكن تلاقى تاكس لو نزلتى دلوقتى والساعة عدت واحدة بعد نص الليل.. أستنى ربع ساعة وهانزل أوصلك
يدخل هو غرفته.. وتجلس هى ساهمة .. تنظر الى منزله ..يجتاحها خوف لا حدود له من هذا السيكوباتى المختل.. وبعد فترة قصيرة يخرج من غرفته وقد بدل ملابسه ويقول:
- يلا علشان أوصلك
تخرج من المنزل ساهمة وهى تشغر بتغير كيمياء جسدها .. هل ما تشعر به يصنف خوف أم غضب أم هى لا تدرى ماذا قد يسمى مثل هذا الأحساس الذى يسبب سريان لما يشبه تيار كهربائى يسرى تحت جلدها.. تنزل السلالم جرى.. يتبعها الى الخارج .
يقابلهما سكون الكون.. لا يسمعان سوى صفير الهواء فى الخلاء.
تركب بجواره فى سيارته «الجراند شيروكى» الحمراء موديل هذا العام.. يتحرك بسرعة جنونية مبتعدا عن منزله.. يغلق السنتر لوك.. وما أن يصلا الى الطريق العمومى حتى يبدأ فى وصلته:
- يا ش....ة انت فاكرة نفسك بنى آدمه بصحيح.. أنت علشان صحفية جربوعة فى مجلة تعبانة زيك افتكرتى نفسك ليكى قيمة ؟!! أنت مش أكتر من حشرة حقيرة
تنكمش سلمى داخلها .. لا تصدمها كلماته.. ترى أقنعته المزيفة تسقط عن وجهه واحدا تلو الآخر ... وتراه بوضوح مجرد حالة متقدمة من البارانويا وعشق الذات.. وتتلتزم الصمت
ولكنها بداخلها تلعن نفسها ألف مرة أن أعجبت به ذات لحظة وأن أقدمت على هذه المغامرة غير محسوبة العواقب
تنظر الى الطريق المظلم أمامها والصحراء من حولها.. وتجد لحنا مبهما يتكون بداخلها تجرى وراء أكتشاف اللحن الذى يحاول التردد ربما تبعد ذهنها عن هذا المعتوه.. يهرب اللحن منها.. يعاودها مبهما مرة أخرى.. ليقطعه صوته الذى يعود اليها مكملا وصلة الردح.. ولكن صوته هذه المرة يبدو قادما من مسافة بعيدة جدا .. يعود اليها اللحن أكثر وضوحاً هذه المرة .. تقبض ذاكرتها على اللحن.. تنظر الي خالد تراه مازال يدلى بقمامته من فمه.. شفتاه تتحركان.. وملامحه تدل على دمامة خلقه.. لتشع قبحا متأصل فى روحه.. والشر لا يستر نفسه فى عينيه.. يعلو اللحن فى أذنيها فتبدأ بدندنة اللحن.. لا يصدق رد فعلها .. يستفزه تمتماتها وهدوئها.. يوقف محرك سيارته فى منتصف الطريق الخالى.. وتسمع صوت السنتر لوك وهو يفتح. يميل فى أتجاهها ويفتح لها الباب المجاور لها ويقول شيئا لا تسمعه ولكن لغة جسده تعنى أن تنزل من سيارته.. تأخذ حقيبتها وتهبط من السيارة العالية ويغادر هو مخلفا وراءه عادم كثيف.. أما هى فتقف على الدائرى تتطلع للصحراء البعيدة بعد الثانية صباحاً .. تسير خطوتين وتبدأ فى البكاء وهى تدندن لحنها المتمرد الذى أمسكت به بعناية هذه المرة وعلا صوتها جلياً مرددةً " أهو دا اللى صار وآدى اللى كان... مالكش حق.. ملكش حق تلوم عليا"

الاثنين، 16 فبراير، 2009

ممر أبيض كالح



فى الرواق الطويل تسير ندى بخطوات واسعة سريعة وعلى وجهها علامات فزع.. الممر أبيض كالح تقطعه جدرانه أبواب مغلقة .. رائحة نفاذة تملأ أنفها الأفطس.. ربما هى رائحة الفورمالين أو ديتول أو رائحة المرض.. وربما هى رائحة الموت...بذات الممر يسير العديد من البشر.. هذه ممرضة شابة حالمة تزين وجهها ابتسامة الحب الراضية.. وهذه أخرى يطل الحقد من ملامحها القاسية .. وهذا طفل يجرى بسرعة فائقة يسابق أحلامه.. وتشعر فجأة أن الرواق لا ينتهى وأن أمتداده سيلازمها مدى الحياة.. يزداد خوفها فتسرع خطواتها شيئا فشيئا الى أن تصبح عدواً.. وأخيرا تصل الى نهاية الممر أو بدايته فهى لا تجيد الإتجاهات.. وتتوجه الى موظفة الإستقبال فتدنو منها بخوف وتسألها بصوت بالكاد يخرج من حنجرتها:
-نتايج التحاليل فين بعد إذنك؟
دون أن تنظر اليها الموظفة تشير الى اليسار- فى أتجاه الممر ذاته- وهى تتمتم:
- آخر أوضة فى الممر ده على ايدك اليمين.
وتنظر اليها بلامبالاة وتقول:
- هو تحليل أيه بالظبط؟ وفين الإيصال؟
تناولها ندى الإيصال بيد مرتعشة وهى تجيت: - HIV
ترفع الموظفة رأسها علياً لتتفحص ملامح ندى التى ترتبك ويفرز جبينها ذرات عرق كثيفة وتزوغ عينيها بعض الشئ.. تستمر الموظفة فى البحلقة فى وجه ندى وتشير بيدها الى كراسى الأستقبال وتقول:
- أتفضلى هنا.. أنا هاجبلك النتيجة
وتسحب الموظفة الأيصال من بين أصابعها المرتعشة .. وتراها ندى من ظهرها فى الممر المقابل .. تعدل هندامها وهى تسير أمامها بخطوات متمهلة تستفز ندى التى تجلس مترقبة على أقرب كرسى ويداها ترتعشان .. وعرقها يزداد .. وعيناها تزوغان وكأنها ستفقد وعيها فى غضون لحظات.. تشغر ندى وكأن حجراً ثقيلاً يجثم على أنفاسها .. تغمض عينيها وتحاول التقاط أنفاسها الهاربة... ترى من بين جفونها المغلقة ضابط يقترب منها وفى يديه قيود حديدية ومن خلفه أسوار السجن.. أيكون هذا الضابط من أمن الدولة؟ تراهم ينتهكون جسدها بعنف .. تنتفض فى مكانها فتفتح عينيها لترى الممرضة مازالت تسير فى منتصف الممر المواجه لها..
تسترخى من جديد ولكن يعلو صوت معدنى قاسى فى أذنيها يبدو أنه صوتها يقول:
- هاعمل أيه لو طلعت عندى الأيدز؟ هاواجه أهلى ازاى؟ أقول ايه لأبويا وأمى وأخواتى؟ أنا حتى مش قادرة أعرف مين اللى ناقلى المرض.. أبويا ممكن يعمل فيا أيه؟ ممكن يقتلنى ولا هاصعب عليه؟ أخواتى مصيرهم أيه من بعد الفضيحة دى؟ دى حياتنا كلها هاتدمر..
تتنهد بعمق وهى تفول بصوت عالى: - حياة؟!!!!!!
وتضحك ضحكة عالية يتردد صداها فى داخلها وتقول: - هو ممكن يبقى فى حياة بعد كده
وتستمر فى نوبه الضحك وكأنها تشاهد فيلم كوميدى.. ومن بين ضبابيات أفكارها ترى الممرضة مازالت تمشى فى الممر المقابل لها ... تحاول التركيز قليلا فتقوم من مقعدها لتدور حول نفسها فى دوائر وهمية وتشعر بخيال يقترب منها من الخلف يزداد عرقها وسرعة نبضها وتنظر بنظرات مرتابة من فوق كتقها تحاول أن ترى ما خلفها دون أن تدير رأسها ويقترب الظل أكثر وأكثر وترى أمتداده أمامها ينشطر قلبها من الخوف فتنظر خلفها دفعة واحدة لترى الحائط الأبيض الكالح للمستشفى وأنها مازالت تجلس على كرسى الأنتظار وقد أختفت الموظفة من الممر.