20 يونيو، 2009

طوق نجاة


مخدر قوى.. يسلب العقل.. فيرتاح الجسد وتهدأ الروح.. هذا هو الحب الذى أحياه.. ,ولكنى أبداً لا أشجع الإدمان رغم تورطى.. أرفض أن تحركنى فكرة فأصبح عبدة لها. هل حقاً حبك ضار بصحتى؟! هل حقاً غرامك وهم يصنعه تأثيرك على؟ هل أنا فى مرحلة النكران التى تؤكد إدمانى لك؟ هل نشوة حبك فى جسدى هى رعشة إدمان هواك؟ إن لم تكن فى دمى كفعل المخدر لماذا اذا أعود اليك رغم الألام؟ لماذا أعود اليك فى كل مرة محملة بجراح فراقك؟

أريد أن أكتب كل ليلة عنك.. أستبدل دموعى بكلمات.. ربما تكون الكتابة فعل احلال للألم.. وربما لك.. أحيانا تكون الكتابة مؤلمة.. ولكنها ألم مثمر.. ربما أنا أعالج روحى بالكتابة!! طفت على الأطباء والمعالجين النفسيين والمرشدين الروحيين ولم تهدأ جراحى وذات ليلة أمسكت بالقلم ووجدته يريحنى.. يزيح عنى بعض نغزات جراحك الغائرة فى روحى.. استرحت قليلاً وكلما زادت كلماتى وامتلأت صفحاتى هدأ ألمى وكأن هذا الحبر شديد السواد خلق ليبيض الأرواح ويطهرها من الوجع.

أحيانا أكتبنى وأخرى أكتبك وكثيراً يشتبه على الأمرين. فأصير بلا ذاكرة فعليه للكتابة وأبدأ فى ترك حبال أفكارى لشياطين الخيال. هل أكذب أحياناً عندما أكتب ؟! ....نعم .... وربما لا.... ماذا تعنى الحقيقة عند مختلف البشر؟ لماذا أنا تائهة؟ أرجوكم أصفحوا عن شياطينى.. أحلونى من عهودى معكم.. أتركونى لأصبح سعيدة يوماً.. هل أنا أهذى؟... نعم أنا أهذى على دوام علاقتى به.. متى يحل عنى ويرحمنى ضعفى الحزين؟!.. هل هناك أمل فى النجاة؟!! وحدها الكتابة هل دوائى ووحده القلم هو طوق النجاة........ ووحدك أنت سر فنائى.

11 يونيو، 2009

رقص ع الطاير


أصنف رسميا من العبيد.. ولكنى نوع مودرن من العبيد.. فأنا عبدة لمدة ثمانى ساعات على الأقل يوميأ.. وقد تمتد ساعات عبوديتى الى ستة عشرة ساعة يوميا فى المواسم الوظيفية.. وباقى ساعات يومى أمارس فيها حريتى.. ولكن بعد إستقطاع ساعات النوم.. وفى كثير من الأحيان يندرج النوم تحت مساحة العبودية.. حيث لابد من أن أشحن جسدى وعقلى وروحى لعبودية اليوم التالى.. كى أكون عبدة كفء.. أما حريتى المزعومة فتأتى على حساب طاقتى الجسدية المحدودة.. أعيش أزمة حقيقية فى التوفيق بين عملى وحريتى.. فأنا أعشق الحياة.. أحب الإنطلاق.. أهوى الطيران.. أرفض الجاذبية الأرضية.. تطربنى الموسيقى.. أسعد بالغناء (بالرغم من أن غنايا كله نشاز) أما الرقص فهو لغتى الأم.. التى ورثتها عن أجدادى قبل إختراع الكلام.. أتذكر حين كنت طفلة صغيرة.. كنت أتحين الفرص كى ألبى طلبات أمى فى المساء من البقال أو اللبان أو خلافه.. كنت أعتقد أن الظلام يحجبنى عن عيون التاس.. فكنت عند نزولى الى الشارع ومبجرد الإبتعاد لأمتار قليلة عن المنزل.. أفرد ذراعى فى الهواء.. وأجرى .. أجرى .. وأنا لا أسمع سوى صوت موسيقاى الداخلية التى أنتشى لها وبها وفى قليل من المرات قررت الإستمتاع بالطيران عن آخره.. فأغلقت عيونى.. وطرت فى سمائى الخاصة.. وجدير بالذكر أن نتائج الطيران كانت فى هذه المرات القليلة هى الكثير من الخدوش الناجمة عن أصطدامات مؤكدة ببعض الأشياء أو الأشخاص الذين لم تسنح لى الفرص الملائمة للتعرف على هوياتهم.. وكان السقوط على وجهى هو النهاية المحتومة للطيران الليلى.. أما فى النهار - أعنى بالطبع فى المدرسة - كثيرا ما كانت صديقاتى وأساتذتى يعتقدون أن جروحى ناجمة عن علقات ساخنة .. ولكنى أبدا لم أهتم بهذه التفاهات.. فقد كان الرقص أو الطيران هما حلمى.. وماعدا هذا ن الحلمان لم يعنينى ابدا.. وذات مرة فى احدى نوبات الطيران الراقص أو الرقص على الطاير.. استوقفتنى يد حازمة أمسكت بكتفى على غفلة.. فنظرت متأففة لمن فرمل حركتى.. وكانت احدى صديقات أمى.. سألتنى وعلامات الصدمة ترتسم على ملامحها المقلبظة : أنتى بتعملى أيه يا بنت؟ كانت تنظر الى شذرا فلم أدرى بما أجيبها فنظرت اليها بسخط وقلة حيلة وجريت على البيت.. لم يكن سخطى عليها بل على الليل الذى ضللنى وأوهمنى أنى بينى وبين الناس حجاب سيعوق الرؤية..
الآن وبعد مضى أكثر من عقدين على انتهاء طفولتى مازلت أحتفظ بعشقى لليل والطيران ولكن عشقى صار عبء ومازالت أثار اليد التى أمسكت بى لتفرمل حركتى قائمة على كتفى الى الآن متمثلة فى الواجب والمفروض لعبدة مودرن.

27 مايو، 2009

التهمة... أنثى!!



توقف التاكسى أمام العمارة التى أسكن بها، نزلت منه وأنا أُمنى نفسى بوجبة دسمة بعد يوم عمل طويل. فقد تعدت الساعة الثامنة مساءاً وأنا مازلت على لحم بطنى منذ الصباح الباكر. مشيت بخطواتى الواسعة فى الممر الطويل وشعرت بظل يتبعنى. دخلت مدخل العمارة وقفت فى إنتظار المصعد، تبعنى الظل وكان لفتى فى أوائل العشيرنات لم أراه من قبل، أستنتجت انه ربما يكون عامل توصيل طلبات أو صبى مكوجى أو عامل فى أى من المحلات المحيطة بنا. دخلت المصعد ودخل خلفى. كان شاب مصرى عادى جداً وقف أمامى - مواجهاً لى - فى المصعد الضيق وشعرت أن عينيه تتفحص فتحة القميص لتخترق صدرى. فطالبته أن نتبادل الأماكن لأنى سأنزل فى الدور الرابع وهو أول الأدوار التى يقف عندها المصعد.

أوليته ظهرى وأنا أحمد الله أن سأحظى بحمام ساخن فى خلال بضع دقائق ليزيح عنى إرهاق يومى. توقف المصعد فى الدور الرابع وكنت أستعد لفتح الباب الخشبى فاذا بيد الشاب تقتحم مؤخرتى وانا أخطو أول خطواتى خارج المصعد. إستدرت له وشرر يتطاير من عينى ويداى مشلولتان ومشغولتان بحقيبة الكمبيوتر الشخصى وحقيبة يدى... صرخت فى وجهه بكل ما أُستطاع لى من قوى فى هذه اللحظة. أخذت أسبه والعنه وأتوعده وأهدده. رميت حقائبى من يدى وأمسكت به من قميصه وصرخت أستنجد بجيرانى.

تشبثت بتلابيب الشاب وفى ذهنى أن أصطحبه الى قسم الشرطة ولكنى بحاجة الى شهود وأحد من جيرانى لم يفتح بيته وكان معى Self Defence ولكنى أعلم أن أستخدامه غير قانونى. وللأسف لم يسعفنى أحد من جيرانى الأعزاء ولم يكن لدى الوقت الكافى لإخراج ال Self Defence من حقيبة يدى وفلفص الشاب من بين يدى الضعيفتين. وكان يبدو عليه عدم تصديق رد فعلى. ربما قام بنفس الفعل مع الكثيرات من قبلى ولكنهن تقبلنه من باب الضعف أو الخجل أو قله الحيلة. خلع الشاب شبشبه ووضعه تحت أبطه وأخذ السلالم جرياً. منعتنى سرعته الرهيبة و ارهاقى وذهولى والكعب العالى الذى أرتديه من أن أتبعه، ناديت على محمد البواب كى يسعفنى أو يلحق به وجاوبنى صدى صوتى المفزوع.

جمعت حقائبى التى تمزقت و تبعثرث محتواياتها على الدرجات ودخلت منزلى فى حالة ذهول. ألهذه الدرجة وصل بنا الحال فى مصر ؟!هل أخترق التحرش البيوت التى يُحكى -فى الأساطير- أنها كانت آمنه ذات يوم؟!!.. ما آلمنى عن حق هو رد فعل جيرانى فلم يفتح أحد منهم بابه!! أين هى تلك الشهامة والرجولة المزعومة و التى باتت من فعل الخيال!!!. دخلت غرفة نومى وكأنى مخدرة خلعت ملابسى عنى ووقفت عارية أمام المرآة أنظر الى جسدى.. الى تهمتى ومصيبتى... فلمجرد انى أنثى فأنا مباحة للتحرش. ما حدث معى فى المصعد وما يحدث مع كثيرات غيرى فى الشارع والمدرسة والعمل والمترو والأتوبيس والحرم الجامعى وفى كل مكان حتى فى دور العبادة ليس مجرد تحرش فالتحرش يكون لفظى أما عندما يتطور للمس فى مناطق حساسة فى جسد الأنثى فهذا هتك عرض.. لقد تم هتك عرضى فى داخل بيتى ماذا لو كان هذا الشاب الذى تحرش بى يحمل سلاح أبيض ؟!هل تكون هذه هى نهاية حياتى!! هل حياة الفرد منا تافهة وهينة الى مثل هذه الدرجة!!

لم أغطى جسدى أو جريمتى وخرجت عارية -ربما كانت حيلة نفسية فى اللاوعى لأثبت لنفسى أن جسدى ليس جريمة أعاقب عليها - الى غرفة المعيشة وجلست أمام التليفزيون - كما المنومة مغناطيسياً - أنظر اليه تاره والى الطعام تارة. أستعيد ما حدث لى. . ذلك اليوم كنت أرتدى بنطلون جينز وقميص بأكمام طويلة والحقيقة أنه لا يهم ما كنت أرتديه. فالأنثى فى بلدنا الحبيب مدانة مهما كان غطاء جسدها.. كنت قد تابعت على الأنترنت قضية تحرش تقدمت بها فتاة منقبة الى قسم الشرطة وصدمت الفتاة عندما قال لها الظابط المسؤول: وأيه يعنى لما تتعاكسى.. الشباب بيرفع من معنوياتك!!!

الأنثى بجسدها فى ثقافة الشارع المصرى الحديثة أصبحت صديقة للشيطان. ان كانت جميلة فمصيبتها مصيبة فالأجيال الجديدة -للأسف - تربت على القبح. ان كانت الفتاة غير محجبة فهى فى نظر كثير من الشباب تطلب منهم بشكل مباشر أن يتفحصوا جسدها فلما لا وهى التى أباحت نفسها لهم!!
وان كانت محجبة فدائما ما يعلق الشباب: والنبى ده حجاب برده؟ بص دا ملزق على كل حتة فى جتتها ازاى!!
وان كانت منقبة يكون التحرش جبر خاطر وغالبا ما يقول الشباب: دا تلاقيه راجل ومتنكر!!! أو تلاقيها بتشتغل فى الدعارة ومتداريه فى النقاب!!

مرت على الساعات وأنا فى نفس المكان غير قادرة على الحركة غارقة فى دموعى التى تؤكد ضعفى وقلة حيلتى وأضطهادى فى بلدى. هاجمتنى فكرة أنى ضعيفة ورفضت أن أستسلم لها فنهضت مسرعة وأرتديت ملابسى ونزلت الى الشارع كى أبحث عن ذلك الشاب فى كل الشوارع والمحلات المحيطة بنا وأن أصطحبه الى قسم الشرطة. ليس فقط من أجل أن انتقم لضعفى بل كى لا يتمادى فى هتك عرض غيرى من الفتايات. قابلت محمد البواب الذى سألنى:
- هو حضرتك كنتى بتصرخى من ساعة كده؟
- يعنى أنت سمعتنى بأصرخ وما كلفتش نفسك تطلع تعرف فى أيه؟!
- لا والله يا أستاذه أنا كنت باجيب طلبات للسكان ساعتها
- أمال عرفت منين انى كنت باصرخ؟
- الحاجة سناء جارتك سمعتك بس خافت تفتح لأحسن يكون حرامى ولا حاجة
- قول للحاجة سناء شكراً على أصول الجيرة .. وقولها دا الرسول اللى هى حجت له وصى على سابع جار. وأنا باقولك إن لو أى مصيبة حصلت فى العمارة دى انت أول واحد هاتتساءل عليها ..أحنا بندفعلك فلوسك علشان تحرسنا وتحرس بيوتنا

بحثت عن ذلك الفتى وكأنى أبحث عن أبره فى كومة قش...عدت بعد نصف ساعة منهكة القوى الى بيتى الذى لم يعد آمن بعد ذلك الحين وأغلقت على بابى ورفضت السماح لإحساس الضعف أن يتسلل الى روحى. فلابد أن تتسلح جميع نساء هذا الوطن بالشجاعة لمكافحة العنصرية التى يعانين منها. أليست العنصرية هى تعصب لجماعة أو ضدها على أساس العرق أو الدين أو النوع أو اللون واضطهادها.. أعلن أنى مضطهده فى وطنى لأنى ... أنثى..

12 مايو، 2009

حلم...



صعدت السلالم الخشبية، رافعة كعب حذائى العالى قليلاً الى أعلى، كى لا أحدث صريرا بدرجات السلم المتآكلة. كان المكان غارقا فى الصمت...خشيت ألا أجده... دخلت غرفته بهدوء، ورأيته غارقاً فى رمادية مكتبه، يجلس بهدوءه المعتاد، يتحدث فى التليفون. بُهت من شعيراته البيضاء التى أتسعت سطوتها على رأسه.. وهالتنى نحافته. أغلق الهاتف دون استئذان, ونظر فى عينى بحب صامت.. بادلته النظرة بأخرى فرحة برؤياه. أغلق الهاتف، وسألنى إن كان نائماً... جاوبته نفياً، وأقتربت من خده أقبله، فناولنى الآخر فى لهفه, ورفع عينيه الكحيلتين الدابلتين وقال:
- أنا ما نستكيش ولا لحظة
ضممته الى صدرى، وتحسست عظامه الناتئة ... غصت فى رائحته العتيقة - التى أتعرفها على بعد مئات الأمتار ككلب بوليسى مدرب - هى سنوات عمره وعطره الكلاسيكى وعرق حميد محبب الى ممتزجين فى عبق الروم الذى يهواه. جمعت قواى كى لا أتوه ثانية فى متاهاته التى لا أول لها ولا آخر، وسألته عن الفترة التى لم أراه فيها منذ فراقنا. فجاوبنى بأن أوجاع الدهر لا تختصر فى سؤال عابر. أغمضت عيونى وأرتميت فى أحضان حلمى الذى فقدته منذ أمد.

وسمعت صوت ابنتى ينادينى॥ فتحت عيونى وأنا تائهة وحزينة وجدتنى فى سريرى وذراع زوجى الضخمة تطوقنى وشخيره يصم أذنى ورائحته تحاصر أنفى وصراخ ابنتى -التى هجرت حبى منذ سنوات كى انجبها- يعلو تدريجيا.. نهضت من سريرى دون أن أدرى أيهما كان حلماً... وأيهما مازال كابوس।

30 أبريل، 2009

فى عشق الصفيحة



فى الصف الدراسى الثالث الأبتدائى عرف لنا أستاذ إبراهيم أستاذ اللغة العربية والمواد الأجتماعية الوطن بأنه مكان إقامة الأنسان ومقره، ولد به أم لم يولد.. واستنتجت حينها أن مصر هى وطنى. وعشت فى طفولتى ومراهقتى أردد «مصر هى أمى نيلها جوا دمى، شمسها فى سمارى شكلها فى ملامحى، حتى لونى قمحى، لون خيرك يا مصر، مصر.. مصر» ولكن بانتهاء دراستى الجامعية تلاشت أوهامى وصدمت بواقعنا الفج، لم أجد مصر هى الأرض التى أستطيع العيش بها أو عليها. فتطلعت لوطن آخر يحضن أحلامى البكر, أرض تحقق لى سعادتى المرجوة، وكانت أمريكا هى أرض الأحلام فى ذلك الحين. وصرحت للجميع بأنى خلقت لأكون أمريكية، فلا يوجد فى أرضى الحالية من يستطيع تفهم عقليتى الفذة، وأطلقت على مصر اسم «الصفيحة». آشارة الى صفيحة الزبالة. فهي مستنقع الشكاوى حيث الفساد بفروعه المتنوعة والفقر والقهر والبطالة وتدهور الأخلاق العامة لصالح الماديات، نعم نحن أصحاب حضارة عريقة ولكنا للأسف لا نملك مستقبل مشرق ولا مال ولا بشر. وحدهم المصريين يشيرون الى مصر بأم الدنيا. ولكنى أبداً لم تربطنى بأمى «التى هى من لحم ودم» علاقة حميمة. فحدثتنى نفسى: اذا كانت أمى اللى هى أمى بجد مش واخدة بالها منى.. فما بالك بأم من حجر.. وكان الرحيل الى أرض الأحلام

رحيلاً رحيلاًًًً بغير هوادة
رحيلاً فإن الرحيل سعادة
عبادة
إرادة
سيادة
ولادة

فى أمريكا عشت فى غاية السعادة والأنطلاق. ففى أرض الأحلام كانت تكمن مفردا ت سعادتى.. حيث العمل الجاد والمال والحرية والديموقراطية والأصدقاء وراحة البال... عشت مأخوذة من النظام والنظافة والحياة السريعة الصاخبة والدولارات وكافة أشكال الأنطلاق تماما كما حلمت بها.. ونهلت من مصدر سعادتى لأشهر طوال. كنت أستيقظ فى الخامسة صباحا أستقل الأتوبيس الى مقر عملى.. الذى يبعد بساعتين عن سكنى. أعود فى الثامنة مساءا منهكة القوى.. أهاتف أصدقائى يومياً للخروج والتنزه والمشاركة فى الحياة الثقافية فى قلب عاصمة المال والحرية. ولكن بعد عده أشهر تبدل حالى فلم أعد أقوى على الخروج حتى فى الأجازة الأسبوعية. فقدت متعة السهر.. وأصبحت أمل الأماكن خصوصا الصاخبة منها. حتى الأعمال الفنية وجدتها فاترة شديدة البعد عن ذوقى، بمرور الوقت أصبحت أرى الحياة مملة وروتينية.. كل شئ متشابه.. طعم الحياة ماسخ.. الوجوه متشابهة، الطعام بلا مذاق، والعمل مرهق، ولا رحمة فى أرض الأحلام، وعلى أى فرد أن يكون متيقظ طوال الوقت. فقدت عزيمتى التى هى كل رأس مالى. أصبحت متجهمة دائما وأبدا.. أشتقت لأمى -برغم قسوتها- أشتقت لأخوتى ، بدأ الحنين يأكل قلبى. تكاسلت عن كل شئ. الا عن العمل. ولكنى كنت أؤديه بفتور واضح. أصبحت أعود من العمل أستلقى على الأريكة أمام التليفزيون حتى يغلبنى النعاس.. لأستيقظ فى الصباح التالى - بعد ليالى يملأها الأرق - لأؤدى عملى بلا همة.
قلت أنشطتى الأجتماعية تدريجياً الى أن أنعدمت. فنصحنى أحد الأصدقاء بعد أن أصبحت منعزلة تماما بداخلى بزيارة طبيب أمراض نفسية للحديث معه. واستجبت بلا حماس. وبعد جلسات معدودة نصحنى الطبيب بالعودة الى بلادى لأنى أعانى من حالة متقدمة من الإكتئاب سببها الحنين الى الوطن. ضحكت مستنكرة وأخبرته أنى أبدا لم أشعر بالإنتماء الى بلدى وأنى أطلق عليها اسم الصفيحة فأخبرنى أن البشر فى كثير من الأحيان لا يعرفون قيمة الأشياء و الأشخاص والأماكن الا عند فقدها أو الإبتعاد عنها ونصحنى بالعودة فى أجازة قصيرة الى الصفيحة وبعدها أتبع أحساسى أينما يقودنى.

زرت مصر فى أجازة قصيرة وبدون أي مقدمات وبلا أى سبب يذكر عادت الى طبيعتى التى تاهت منى فى شوارع نيويورك. عادت الى ضحكتى التى فارقتنى وأنا غافلة عنها. وجدت سعادتى المفقودة. مازالت كل الأشياء التى عانيت منها فى مصر على سابق عهدى بها. ولكن أحساس الألفة بالأشياء والوشوش أعاد لى طمأنينة لا وجود لها على أرض الأحلام. أصبحت أنام ملئ جفونى دون أن أخشى شئ. عادت روح الفكاهة الى كلماتى. شعرت وكأن روحى المسلوبة قد ردت الى بعد موات طال وسخف. أيقنت حينها أن أمريكا هى حقاً أرض الأحلام ولكنها أحلام مستنسخة.مرتبطة داذما بالأشياء أما الإنسان ففقد قيمته الحقيقية وأصبح مجرد ترس فى ماكينة الرأسمالية الأمريكية التى تعزز «دولة الرفاهية» المدارة بالقروض الميسرة والتى تسهل شراء كل شى, حتى الأجازات تقضى بالقروض. ثم يربط الفرد فى ساقية السداد الى نهاية العمر .. دائرة لا نهاية لها. وبمجرد دخولها يصبح الفرد مجرد ترس فى ماكينة عظمى و لا يملك حق التوقف متى شاء.

فعدت نهائياً الى الصفيحة وكلى حنين وحب.. كقطة شريدة وجدت قوتها ومأواها فى الصفيحة


احبها وهي مالكه الأرض شرق وغرب
وباحبها وهي مرمية جريحة حرب
باحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء
واكرها والعن أبوها بعشق زى الداء

ومرت سنوات عديدة وظهرت فى الأقق العالمى محطة جديدة للأحلام.. عاصمة جديدة لرأس المال, ولكنها هذه المرة عاصمة عربية.. دبى.. فهاجر طيور البيزنس الى عش جديد وطرت مع سرب الحالمين أصحاب السترات الأنيقة وأربطة العنق باهظة الثمن. دون أن يغلبنى الحنين, هذه المرة أنا فى أرض أحلام شقيقة، على الأقل سأنعم بالحديث بلغتى الأم. و بعد ثلاثة أشهر -رغم المال الوفير الذى كنت أتقاضاه- ويصرف بأكمله على الحياة باهظة التكاليف. كنت أسير فى الشارع - رغم حرارة الجو الخانقة - وأنا أصرخ:
- عايزة اشوف تراب.. عايزة أشوف مبانى قديمة.. عايزة أشوف زبالة علشان أتأكد أنى عايشة.. هو احنا عايشين فى«فيديو جيم»..؟! هى الحياة دى حقيقية؟!.. كل حاجة حواليا بلاستيك.. مافيش روح ؟!!

كنت أشعر كأنى أعيش داخل فيلم «ماتريكس» كل شئ غير حقيقى.. وكدت أجن من البشر المسحوبين فى دوامة الماديات حيث كل شئ له ثمنه.. أحلام البشر لا تتعدى الحلم ببيت وسيارة وأجهزة اليكترونية حديثة ويخوت وسهرات.... وفقط
أفتقدت كل أصحابى.. أفتقدت شوارع القاهرة العتيقة.. وبالأخص شوارع وسط البلد... الكنائس.. الجوامع.. كلاب الشوارع الضالة التى تؤنسنى وأنا عائدة الى بيتى.. قطط العمارة التى تعيش على صفائح القمامة .. وجوه المصريين المميزة والملفوحة بلون الشقاء... أشتقت للأسكندرية ومرسى علم وسيناء.. أشتقت لتفاصيل طبيعة بلادى التى هجرتها لأعيش فى مبانى مكيفة على مدار أربع وعشرين ساعة
فهجرت -دبى- هذه المدينة المستنسخة التى يتباهى قادتها بتكديسها ب «أفعل التفضيل» فى العالم دائما. فبها «أعلى» ناطحة سحاب فى العالم و «أكبر» مجمع تجارى و «أضخم» مدينة ملاهى و «أمهر» الأقتصاديين و «أوسع» صالات المؤتمرات و «أضخم» الفنادق فى العالم ... إلخ من الأعظم والأفضل فى العالم. وهربت قبل أن تدهسنى عجلاتها الى مصر -وطنى- وأنا مليئة بيقين الحب والإنتماء هذه المرة.. فمازلنا -نحن المصريين - بشر لنا طابعنا الخاص وهويتنا الفريدة.. قاطعت المطاعم والمنتجات الأمريكية.. وكرهت العولمة والرأسمالية التى مسخت معالم الشعوب.. لتقربها من الحلم الأمريكى الذى أكتشفت أنه ليس سوى كابوس دائرى يصعب الفكاك منه

الآن أفخر عن أيمان بأن مصر هى وطنى. ولكن للوطن تعريف خاص فى تجربتى الشخصية فهو الأمان والألفة وأنتماء الأفكار وأنتعاش الروح وليس هو مقر أقامة الفرد كما علمنى أستاذ إبراهيم مستندا الى تعريف المعجم الوجيز التابع لمجمع اللغة العربية فى طبعتة الخاصة بوزارة التربية التعليم

الآن عن يقين أسلم مع العظيم «صلاح جاهين» بأن:

شبكة رادار قلبي جوه ضلوعي مظبوطة
على اسم مصر

23 أبريل، 2009

مفتاح الحياة



دخلت القطار الإسبانى المتجه الى الأسكندرية وأنا أبحث بعينى عن مقعد خالى. ولكن القطار كان كامل العدد كما أبلغنى موظف شباك التذاكر. فآثرت التوجه الى البوفية مباشرة قبل أن يصبح كامل العدد هو الآخر. ولكنى أكتشفت أنه لا توجد به كراسى, فالبوفية المذكور ليس سوى عربة تخصص للثلاجات وسخانات المياه ولعمال البوفية وللتدخين. وبمجرد دخولى هذه العربة وصلت لأذناى معاكسة لطيفة غير مستفزة من عامل البوفيه الخمسينى وآخر فى أوائل العشرينات. نظرت الى الفتاة الجميلة التى تجلس على طاولة معدنية بجوار النافذة العريضة وقالت باسمة: بيعاكسوكى ..الحقى!!!
كنت اتخبط فى الممر الضيق لباب العربة بحقيبتى الكبيرة وأشيائى الكثيرة التى أحملها وجاوبتها بأنى لم اتبين المعاكسة جيدا ووقفت أعدل حالى فقال العامل الكبير: - أصلنا بنحب القطط قوى
ابتسمت للطفه ولم تزعجنى معاكسته بل أطرت على مما شجعنى أن أسأله:
- أنا بادور على مكان أقعد فيه
وقبل أن أكمل جملتى أجابتنى الفتاة التى يبدوا أنها تعمل فى محطة السكة الحديد: نعمل مكان للقطط تقعد فيه
وجاء العامل الخمسينى بصندوق معدنى ووضعه بجوار الطاولة التى تجلس عليها الفتاة أمام النافذة.. سأطلق على الفتاة اسم برلنتى.. لأنها كثيرة الشبه ببرلنتى عبدالحميد.. بيضاء.. ملفوفة القوام.. ممتلئة بعض الشئ.. غائرة العينين لها خدود وافرة وشعر بنى قصير ناعم.. ترتدى تنورة سوداء قصيرة الى الركبة وقميص حرير أحمر قانى لامع ومن فوقه بلوفر أسود صوف.. تضغ قليل من المكياج وتبدو شخصيتها القوية المرحة واضحة فى طريقة كلامها
جلست على الصندوق المعدنى بعد أن وضعت عليه البالطو الأسود كى يحمينى من برودة الحديد.. وأخرجت رواية «تغريدة البجعة» لمكاوى سعيد من حقيبة يدى وكان بين صفحاتها « Book Marker» أو محدد لصفحات الكتاب من النحاس على شكل «مفتاح الحياة» فتحت الكتاب وأمسكت بمفتاح الحياة الذى ترددت كثيرا فى شرائه.. فقد رأيته أول مرة فى مكتبة ديوان بالزمالك . أمام الكاشيير وأنا أحاسب على مجموعة من الكتب.. استوقفتنى رقة صنعه.. فقد كان مصنوع من النحاس الأصفر والأبيض متداخلين يربط بينهما سلك نحاسر رفيع.. أغرمت به ونظرت الى ثمنه، وكان ستون جنيهاً.. ترددت فى شرائه وحسمت أمرى فى أن أتركه لصاحب نصيبه بعد أن راجعت ميزانيتى التى أخربتها لهذا الشهر.. وزار «مفتاح الحياة» خيالى فى كل مرة أستخدم المحددات الورقية لتعليم صفحات الكتب التى أقف عندها.. وظل يظهر لى فى كل مرة أدخل بها مكتبة «الديوان» الى أن قررت شرائه بالرغم من الستين جنيهاً.
رفعت رأسى لأجد شابين إيطاليين يدخلان العربة.. فهما زميلان لا مكان لهما فى القطار.. قابلهما العامل الكبير الذى سأطلق عليه «عم محمد» بود شديد وأخذ يؤكد للعامل الصغير الذى سأطلق عليه «ملاك» بأنهما صديقاه.. وأنهما يسافران معه فى كل أسبوع فى نفس الميعاد .. بدأت برلنتى التى تفرض قوتها على الجميع تتحدث الىهما بود.. طلبت شاى بالنعناع من عم محمد.. وبدأ ملاك يجهز العربة المتحركة التى سيجول بها فى القطار كى يلبى طلبات الركاب.. ودخل شاب صغير يبدو أنه فى السنوات الأولى العسكرية.. نحيف.. طويل جداً.. يرتدى زى الكلية الحربية.. حليق الرأس والذقن.. يحمل فى يده كيساً بلاسيتكية من الحجم الكبير مليئ عن آخره بالشيبسى والبسكويت والكاراتيه والمولتو فبادرته برلنتى التى تثبت انطلاقها وقوتها وسط هذا الحشد من الرجال:
- انت رايح حضانة ولا أيه!! قالت مازحة
فرد عليها بسخافة واضحة وهو يتصنع وجه طفل غتيت وقال:
- أيوا رايح الحضانة
صدمتها سماجته ولكنها آثرت عدم الرد عليه ودخلت فى حوار مع عم محمد لاحظ ملاك الموقف فسارع بالتوجه الى «الظبوط الصغير» وقال:
- حضرتك تشرب أيه يا كابتن؟!
- أنا مش هاشرب حاجه وأنا مش كابتن
تدخل عم محمد وقال: - طيب اتفضل يا أستاذ امشى من البوفيه لو مش هاتشرب حاجة
رد «الظبوط الصغير» متبجحاً: - يا سلام .. هو الناس اللى واقفين هنا دول كلهم بيشربوا حاجات؟
قال عم محمد:- حضرتك بتاكل فى مكان المفروض انه بيقدم أكل. أنت ينفع تدخل مطعم ومعاك شنطة أكل؟! دا يا أستاذ مطعم
فرد «الظبوط الصغير» بسفالة وتحدى: لأ مش هاطلع.
تدخلت برلنتى وقالت: - تعرف انك قليل الأدب وأنا بقى اللى هاخرجك من البوفيه لو مالمتشى نفسك
صرخ بها الظبوط الصغير بصوت خرج مشروخ متقطع:
- انت ازاى بتكلمينى كده وهو يشوح بيديه فى وجهها
تدخل الجميع وعلت الأصوات وتشابكت بعض الأيدى.. لتمنع ملاك من الوصول الى الظبوط الصغير الى أن أرسلت السماء ظابط «بحق وحقيقى» يزدحم كتفيه بالنجوم والدبابير والنسور الى آخره من العلامات الذهبية التى لا أفهم دلالتها ودخل العربة وسحب الظبوط الصغير بهدوء الى خارجها بعد أن استمع الى رواية عم محمد.. وبعدها علت الأصوات فى العربة لإناس لا أرى معظمهم من مكانى:
- يا لهوى أمال دا لما يتخرج ده هايعمل ايه فى البشر؟!
- هما بيعلموهم فى كليتهم أنهم أحسن من باقى البشر
- اللى له ضهر ما يتضربش على قفاه!!
- أنا -والله العظيم تلاتة- الواد أخويا الصغير بيجى لغاية النهاردة يلبسنى الجزمة .. أخويا ده رائد دلوقتى

عدت الى «تغريدة البجعة»: المشحونة لدرجة الضجيج بهلاوس مصطفى - بطل الرواية والراوى - وهلاوس المجتمع، بشيزوفرانيا مصطفى ومجتمعه، حتى ليتساءل مصطفى ـ وأنا معه ـ من هو المصاب بالشيزوفرانيا حقيقة، نحن أم المجتمع الذي اندعك كسيارة خارجة لتوها من حادث مأساوي ـ كما يقولون ـ فلم يعد بالإمكان فصل السيارة عن راكبيها، ولم يعد أحدنا يعرف حقيقة ما إذا كانت هذه البقع التي ترسم لوحتها العبثية على السيارة هي تقيحات من طلاء قديم للسيارة أم من تجلط الدم على الأنسجة الهشة لراكبيها...
لامست يدى «مفتاح الحياة» وقبضت عليه فى يدى.. وكأنى أؤكد لنفسى أنى أمتلكه الآن عن حق.. لأنه كان قد هرب منى بعد شرائه مباشرة.. فبعد خروجى من «الديوان» فابلت نوارة صديقتى فى «سيلنترو» شربنا القهوة سويا ودردشنا فى حكايتات البنات وأوصلتنى بعدها الى منزلى بسيارتها ونسيت بداخل سيارتها الحقيبة الورقية التى بها الكتب الجديدة ومفتاح الحياة .. ظننت أنه يهرب منى.. أو كأنى ليس مكتوب على أن أملكه

عدت الى تغريدة البجعة وغصت بعيدا جداً فى عالمها:
« تخليت مؤخراً عن عمل توازونات بين الشر والخير، فكل ما أريده خيراً ينقلب على شراً محضاً.. أحس أن ملاك اليمين عندى عاطل عن العمل.. أنا من أنصار المدرسة القديمة فى الدراما.. أن يكون هناك جانب خَيّر وجانب شرير، وأن يحدث بينهما صراع ينتصر فيه أحدهما على الآخر، وأعتقد أن الدنيا كلها بنيت على هذا الصراع، وأنه بلا وجود للشر لا وجود للدنيا من أساسها.. بقاؤنا يعتمد على الصراع. وصراعنا من أجل البقاء.. وهكذا ندور فى حلقة مفرغة..»
وشعرت بمفتاح الحياة يسقط من يدى لمحته وهو يقع بين الصندوق المعدنى الذى أجلس عليه وبين حائط العربة تحت النافذة الزجاجية الكبيرة .. كنت منغمسة فى أحداث الرواية .. فحدثتنى نفسى أن ألتقط مفتاح الحياة لاحقاً قبل نزولى من القطار وعدت للرواية
وقاطعنى صوت عم محمد:
- القطط تشرب حاجة تانى؟
- نسكافيه بعد إذنك..
ورفعت رأسى لأجد حولى أناس كثر يدخنون ويتحدثون.. الشابان الأيطاليان يتحدثان الى «الظبوط الصغير» -الذى يقف بسلام فى العربة» بأنجليزية ركيكة وبرلنتى وملاك يمرحان بالكلام.. الآن أرى ملاك عن قرب.. ممتلئ بالحياة وبالدهون أيضاً.. خفيف الدم له ضحكة طفولية ذات رنين حاد.. يخبر برلنتى أن لديه أحدث الأفلام السينمائية على «الهارد ديسك» تتحايل عليه أن يعطيها نسخة من الأفلام.. تطلب منه أن يصورها بهاتفها المحمول كى تضغ الصور على «الفيس بوك» لا يملان من الضحك.. يمسك بهاتفها لآرى صليب موشوم على معصمه.

هممت بالتقاط «مفتاح الحياة» فى نفس اللحظة التى أتى فيها عم محمد بالنسكافيه ووضعه أمامى .. تذكرت حين قررت وأنا فى عامى الأول الجامعى أن أشترى سلسلة على شكل مفتاح الحياة.. وكنت أرتديها طوال الوقت حول رقبتى.. وكانت أمى توبخنى عليها كثيراُ وكانت ترفض أن أرتديها لأنها تشبه الصليب.. وهكذا سيظن الناس أنى مسيحية... مما سيوقف حالى

حاولت جاهدة أن أتذكر كيف تخليت عن مفتاح الحياة ومتى فارق رقبتى ولكن لم تسعفنى ذاكرتى.. كل ما أذكره أنى كنت أرفض أن أتخلى عنه مهما كان الثمن.. أين هذه السلسلة الآن وكيف ضاعت؟ لا أدرى

سمعت ضجة من حولى.. ورأيت الركاب يحملون حقائبهم استعدادا للنزول فى محطة سيدى جابر التى قاربت فسألت عم محمد ان كانت وجهتى أقرب لسيدى جابر أم محطة مصر فـأخبرنى أنى على أن أهم بالنزول فى المحطة القادمة
ما كنت قد دفعت حسابى بعد فأسرعت بإخراج النقود من حقيبتى ولملمة أشيائى وأخذت البالطو وحملت حقيبة سفرى الضخمة وتناولت باقى حسابى من عم محمد وهو يودعنى:
- أحلى سلام للقطط
وقفت فى الصف الطويل أنتظر النزول من القطار.. وصلت محطتى النهائية وسرت أبحث عن سلالم الخروج وما أن تحرك القطار حتى تذكرت أنى نسيت أن ألتقط «مفتاح الحياة» الذى سقط منى تحت نافذة القطار.

19 أبريل، 2009

الحجيجة

آه ما أقسى الجدار
عندما ينهض في وجه الشروق

سمعت هذا البيت من قصيدة حكاية المدينة الفضية لأمل دنقل، وأنا أسير فى الممر المؤدى الى غرفتى فى المدينة الجامعية. كان الصوت خارجا من غرفة رقم 12، التى تسكنها بعض الزميلات. دخلت الغرفة على الفور دون أستئذان، فقد كان -ومايزال- الشعر نقطة ضعفى. وجدت فتاة صعيدية واثقة فى نفسها تلقى الشعر على شلة من الفتايات. وبعد الشعر طال حديثها عن حلمها بالصحافة. وحكت أنها تعمل فى إحدى الصحف الأسبوعية. ولم تكن أعمارنا تتعدى السادسة عشر فى ذلك الوقت.

أستوقفتنى هذه الصحفية الصعيدية الجميلة بقوة شخصيتها وأصبحنا صديقتين. كنت فيما بعد أتحين الفرص بعد العشاء والتمام المسائى وأذهب الى حجرتها فى المبنى الرئيسى، وهو نفس المبنى الذى أسكن به. أغرمت بحكاياتها عن الصعيد وأهله وعن أخيها الطبيب والشاعر الذى إختصته بمعظم الحكايات.. روت له وعنه أشعاراً.. أحببته من ذكريات طفولتها ومراهقتها معه. حفرت هذه الحكاية -على لسانها- ملامحه الأنسانية فى خيالى:
فى يوم رجعت من المدرسة فى غاية السعادة.. بتنطط من الفرحة.. سألنى أحمد أخويا عن السبب فحكيت له:
-النهاردة مدرس الرياضيات حط مسألة صعبة قوى على السبورة وقام ولد يحلها وما عرفشى... راح المدرس مشاور لى وقال لى قومى انت حليها.. وحلتها صح فقال الأستاذ للولد:
-مش عيب عليك وقفتك دى.. بص دا البنت حلت المسألة!!!
وسألنى أحمد وأنت مبسوطة أنه قال كده؟
-طبعاً
-يا حبيبتى الجملة دى معناها: شوف دا حتى الكائن اللى أقل منك حلها.. وأنت مش أقل ذكاء ولا مقدرة من الولد علشان تفرحى بالجملة دى.. أنت زيك زى الولد وأحسن كمان.. أوعى تخلى حد فى يوم من الأيام يحسسك انك أقل منه علشان انت بنت.

أيدنى أحمد -دون سابق معرفة شخصية- فى رفضى للمعاملة التى أتلقاها كفتاة فى بيئتى الريفية التقليدية التى تفرق بين الولد والبنت. أيدنى -فى كافة حكايات أخته عنه- فى معان وقيم أخرى طالما حلمت بها فى الحياة. فأحببت -دون تردد- هذا، الطبيب، اليسارى، الصعيدى،المثقف، الذى يعيش حياته بالطب والناس والأدب

وفى يوم قالت لى صديقتى: أحمد مسافر بكره ليبيا وهايعيش هناك.. وهو هنا النهادرة فى القاهرة لآخر يوم.. تعالى أعرفك عليه.
تزينت لأقابل فارسى أحلامى.. الذى أعرف عنه الكثير, وهو لا يعرف عنى شئ. وذهبت معى صديقتى الى قهوة فى وسط البلد، وهناك شاهدته.. كان أسمر بلون الجنوب.. مديد القامة بكبرياء.. له ملامح حادة.. توحى ببعض القسوة ولكن نظرة عينيه بها سر ضعفه وحنينه.. لمحت فى عينيه الهموم.. هموم خاصة.. هموم أسرية.. هموم وطن بأكمله، و ألم مستتر خلف نظرة عينيه المنطلقة.

تعارفنا ببساطة وبعد فترة وجيزة، حان موعد أغلاق بوابة المدينة الجامعية وأسرعت أخته تستعجلنى. وأحمد سيسافر غداً الى ليبيا ولا خطة لرجوعه فى بحور السنوات القادمة.. اذا هى فرصتى الوحيدة لأعرفه اليوم ربما لن أراه حتى مماتى.. فقررت البقاء مع أحمد ولتذهب قوانين المدينة الجامعية الى الجحيم.. وطلبت من صديقتى أن تمضى بالنيابة عنى فى دفتر التمام المسائى حتى لا يفتضح أمرى. وسأهيم على وجهى حتى الصباح الباكر مع حلمى الخاص فى شوارع القاهرة.

ذهبنا الى بار «على بابا» وكانت أول مرة أدخل بار. جلست أمام أحمد بجثته الضخمة,كتلميذة ترقب أستاذها عن قرب. كان يشرب البيرة دون أن تمر على لسانه. يرسلها فى جرعات الى حلقه. سألته ببراءة:
- أنت بتحب طعم البيرة؟
-الحجيجة «الحقيقة» لأ.. مرارة البيرة بتنسينى مرارة الحياة وجسوتها «قسوتها»

أستمعت الى حكاياته عن أمه.. أبيه.. أخوته البنات.. دراسته فى كلية الطب.. أحلامه فى عالم مليئ بالحب.. جنونه.. لم يخجل فى فتح قلبه لعابرة سبيل فى دنيا الهوى. كلانا يعلم أنها ليلة واحدة.. حكى عن كل شئ.. حكى عن خطيبته.. عن حلمه فى الحياة.. تقاربنا.. كنت أعرفه جيداً. لم يكن غريباً عنى. كنت أكمل عنه حكاياته وكأنى شاهدتها أو عاصرتها من قبل. فتح قلبه وباح بأوجاعه. كانت مصر هى الوجع الأكثر صخباً فى صدره. تؤرق حاله. وهو عاجز عن التغيير وحده. فقرر الهرب الى ليبيا من أجل مصلحة أسرته المادية.

تركنا بار «على بابا» وجلسنا فى ميدان التحرير. قرأ لى من ذاكرته قصصه القصيرة. كان يقرأها وكأنه يعبر بعينيه صفحات مكتوبة. أسمعنى بعض قصائده التى أختتمها بقصيدة «الأرض الشراقى»
-عارفة أيه هى الأرض الشراقى؟ الأرض اللى ما بتوصلهاش مياه النيل.. وأن إرتوت جادت.
كنت أسيرة لكنته الصعيدية.. يتحدث وكأنى أمام مبعوث من أهل الجنوب يعلمنى معانى الحياة. جوبنا شوارع وسط البلد حتى الصباح الباكر والكلام لا ينتهى، والدهشة لا تزول، والبرد لا وجود له فى قاموسينا. كنت مشدوهة بهذا العملاق الإنسانى الذى أنهل من كلماته، وعذوبته، وقسوته حتى على نفسه.
سألنى من ضمن ما سأل:
- حبيتى جبل «قبل» كده؟
- الحئيأة «الحقيقة» .. لأ
-عارفة يا جمر «قمر» فيه كلمات لما بتتنطج «بتتنطق» غلط بيروح معناها عنها.. يعنى انتى بتقولى «الحئيأة» بس هى اسمها «الحجيجة».. جربى تنطجيها.. الحجيجة.. هاتحسى أن معناها إختلف.. يعنى مثلا أنا أبقى رجل جلنف لو قولت لك أنت بنت رجيجة «رقيقة».. مخارج ألفاظى جاسية «قاسية». الصح أنى أقولك أنت بنت رئيأة.. والحقيقة أقسى وأوقع من رقة بنت جميلة زيك

بقيت كلمات أحمد محفورة بداخلى. وصدى صوته مازال يرن فى ذاكرتى. لم تكن ليلتنا سوياً هى ليلة رجل وامرأة متجاذبان فى شوارع القاهرة, بل كانت ليلة إنسانية لروحين .. تعارفا منذ قديم الأزل .. ربما منذ عهد آدم وحواء... وتاها فى صحراء لا أول لها ولا آخر.. وتقابلا صدفة فى واحة خضراء، فوقفا يستظلان من جدب الحياة الدائم.. وأفترقا دون وعود ولا آمال. إفترقا لأن الحياة تقف بينهما كجدار يحجب الأمل فى لقاء ثان.

تابعت أخبار أحمد على مدار السنين..وكان يبعث بسلامه لى فى مكاتباته لأخته. كنت أستمع لأخباره منها.. وكأنها حقى.. تابعت زواجه، وإنجابه، أسأل باستمرار عن أبنائه.. علمت أنه بدأ مشروع لمحو أميه القبيلة التى يعيش وسطها فى ليبيا.. لم أتعجب فهذا هو أحمد الذى عرفته جيداً، هذا هو الإنسان كما ينبغى له أن يكون

قابلت أحمد بعد عشر سنوات، ليلة زفاف أخته , وتحدثنا عل أستحياء عن ليلتنا الوحيدة فى شوارع القاهرة. وكان كما هو وأن زاد العمر ملامحه ليناً. أما أنا فكنت كما الأرض الشراقى عطشى للحب الذى لا يصلنى فى زمن الجدب العاطفى. وأنطلق لسانى -دون إذن منى- يودعه بنفس القصيدة التى عرفت بها أخته:

آه ما أقسى الجدار
عندما ينهض في وجه الشروق
ربما ننفق كل العمر .. كي نثقب ثغرة
ليمر النور للأجيال .. مرة !
ربما لو لم يكن هذا الجدار
ما عرفنا قيمة الضوء الطليق !!

18 فبراير، 2009

أهو دا اللى صار...



فى بيت "خالد فوزى" المودرن.. شديد الأناقة كصاحبه.. تجلس "سلمى" تتأمل تفاصيل المنزل الواسع الذى يقع فى أغلى منطقة فى التجمع الخامس. تنهض من المقعد الوثير وتسير بضع خطوات الى البلكونة تستكشف الكمبوند السكنى فائق الفخامة.
وتسأل بصوت عالى :أنت عايش فى البيت ده لوحدك يا خالد؟
لا يصله صوتها فتعود أدراجها الى داخل المنزل.. تتفحص اللوحات التشكيلية من حولها.. تقدر قيمتها بمئات الآلاف من الجنيهات.. لم تكن تتوقع أبدا حجم غناه.. وتعجبت أن صناعة السينما قد تحقق مثل هذا الثراء الفاحش...
تجلس على «الليزى بوى» فترى خالد فى المطبخ الأمريكى المفتوح على «الليفنج رووم» وهو يفتح زجاجة نبيذ أسبانى أبيض.. تمعن النظر فى ملامحه الشرقية الجذابة التى تستهويها ... تتنقل عيناها بين خالد وبين شاشة التليفزيون الضخمة التى تحتل نصف عرض الحائط.. تقوم من جلستها لتتفحص مكتبته من الكتب والأسطوانات التى يختص معظمها فى السينما.. تلمحه يخرج من المطبخ بخطوات هادئة حاملا فى يده كأسين كريستالينين من النبيذ.. وهو يقول:
- أنا مبسوط قوى إننا خلعنا بعد العرض الخاص وماروحناش الحفلة اللى عاملها المنتج.. أكيد كان هايبقى دمها تقيل قوى.
قال جملته وهو يرمقها بنظرة إعجاب تحمل جملاً مخفية بخبرة محنك.
جاوبته «سلمى» برقة شديدة لا تخلو من غنج أنثوى واضح:
-أنا كمان مبسوطة ..بس زى ما إتفقنا مش عايزة أتأخر.. خصوصا أنى سبت عربيتى مركونة فى حتة غريبة قوى .. أنا نفسى مش فاكرة هى فين.
-ما تقلقيش أنا هاوصلك لحد عربيتك ولحد بيتك كمان لو عايزة
يقول جملته وهو يدنو من وجهها وكأنه يقبل شفتيها الممتلئتين بعينيه ويرفعان كأسيهما ويشربان :Cheers
يضع خالد كأسه نصف الممتلئ على الطاولة الزجاجية وهو يقول:
- أمتى بقى هاتعملى معايا «أنترفيو» بخصوص الفيلم الجديد؟
تتململ سلمى فى جلستها بجواره وهى تحرك رأسها فى حركة جانبية وتزم شفتيها وترفع حاجبيها وترمقه بنظرة تدعى البراءة دون أن تجيبه...
- انت بتكتبى فى أهم صفحة فنية فى مصر ... لازم تكتبى عن فيلمى .. وبسرعة
- لا تعليق
- ليه بقى إن شاء الله
- يعنى أصلى مافيش حاجة فى دماغى أكتبها عن الفيلم
- آزاى يعنى مش لاقيه حاجة تكتبيها عن أحسن فيلم أتعمل فى بلدك فى العشر سنين الأخيرة؟
- مش قوى كده .. وبعدين احنا ماعندناش سينما جيدة فى العشر سنين الأخيرة
- أنت جاهلة (يقولها وهو يقوم من جوارها بعصبية)
- .... ....تزم شفتيها الجميلتين فى صمت
يحاول خالد أن يتمالك أعصابه فيسألها فى محاولة ادعاء اللطف:
- أنت مش عاجبك الفيلم ليه؟
- بص يا خالد أنت مخرج هايل جداً وبجد بحب كتير من شغلك جداً.. بس الفيلم اللى شفته النهاردة فيلم عادى مش مستاهل كل الضجة اللى انت عاملها دى
- أنت بتستهبلى ولا أيه؟!! .. أنت جاية تهزئينى فى بيتى؟!
يقول جملته متشنجاً ويضع الكأس الذى مازال يحمله على الطاولة الزجاجية بعصبية شديدة فيحدث شرخاً بعرض الطاولة..
- أنا قلت رأيى بعد إصرار منك أنك تسمعه .. وبعدين يهمك رأيى فى أيه إذا كنت بتقول عليا جاهلة؟ وطالما أنت واثق فى نفسك وفى شغلك يهمك رأيى فى أيه؟
يهب خالد مشوحا بيديه فى وجه سلمى:
- غصب عنك وعن اللى جابوكى أنا واثق فى نفسى يا حشرة
- دا انت اللى حشرة وحشرة وضيعة كمان.. بس أنا اللى غلطانة انى قبلت أنى آجى معاك بيتك.. أتاريك يا حرام مريض نفسى
وتضع الكأس من يدها وتسحب حقيبتها بعصبية لتهم بالنزول من بيته الذى بدأ يخنقها
يعترض طريقها ويمسكها من كتفيها ويهزها بعنف و يقول:
- أنا مريض نفسى يا بنت ال... أنت فاكرة نفسك مين يا روح أمك؟! أنت هاتنزلى كده بكل بساطة؟!
تنظر اليه سلمى وعينيها ثابتتين على وجهه الأسمر-الذى إعتادت أن تراه وسيما - وتقول بتحدى مستفز:
- لو ما نزلتش أيدك من عليا أنا هاصرخ وألم عليك الجيران وإعملك فضيحة بجلاجل فى وسط المكان
- جربى كده وأنا هاطلب البوليس وأقول أنك حرامية
- مش هاتلحق
وتبدأ سلمى فى الصراخ الحاد تطلب المساعدة من الجيران مدعية أنها تُغتَصب
يردعه صراخها الذى سيسبب له فضيحة فى الكومبوند ويقول:
- طيب خلاص خلاص .. أنا آسف يا ستى .. أهدى شوية وأنا هانزل أوصلك لغاية عربيتك.. أنت أزاى عايزة تنزلى لواحدك أنت ناسية أننا فى التجمع الخامس.. مش ممكن تلاقى تاكس لو نزلتى دلوقتى والساعة عدت واحدة بعد نص الليل.. أستنى ربع ساعة وهانزل أوصلك
يدخل هو غرفته.. وتجلس هى ساهمة .. تنظر الى منزله ..يجتاحها خوف لا حدود له من هذا السيكوباتى المختل.. وبعد فترة قصيرة يخرج من غرفته وقد بدل ملابسه ويقول:
- يلا علشان أوصلك
تخرج من المنزل ساهمة وهى تشغر بتغير كيمياء جسدها .. هل ما تشعر به يصنف خوف أم غضب أم هى لا تدرى ماذا قد يسمى مثل هذا الأحساس الذى يسبب سريان لما يشبه تيار كهربائى يسرى تحت جلدها.. تنزل السلالم جرى.. يتبعها الى الخارج .
يقابلهما سكون الكون.. لا يسمعان سوى صفير الهواء فى الخلاء.
تركب بجواره فى سيارته «الجراند شيروكى» الحمراء موديل هذا العام.. يتحرك بسرعة جنونية مبتعدا عن منزله.. يغلق السنتر لوك.. وما أن يصلا الى الطريق العمومى حتى يبدأ فى وصلته:
- يا ش....ة انت فاكرة نفسك بنى آدمه بصحيح.. أنت علشان صحفية جربوعة فى مجلة تعبانة زيك افتكرتى نفسك ليكى قيمة ؟!! أنت مش أكتر من حشرة حقيرة
تنكمش سلمى داخلها .. لا تصدمها كلماته.. ترى أقنعته المزيفة تسقط عن وجهه واحدا تلو الآخر ... وتراه بوضوح مجرد حالة متقدمة من البارانويا وعشق الذات.. وتتلتزم الصمت
ولكنها بداخلها تلعن نفسها ألف مرة أن أعجبت به ذات لحظة وأن أقدمت على هذه المغامرة غير محسوبة العواقب
تنظر الى الطريق المظلم أمامها والصحراء من حولها.. وتجد لحنا مبهما يتكون بداخلها تجرى وراء أكتشاف اللحن الذى يحاول التردد ربما تبعد ذهنها عن هذا المعتوه.. يهرب اللحن منها.. يعاودها مبهما مرة أخرى.. ليقطعه صوته الذى يعود اليها مكملا وصلة الردح.. ولكن صوته هذه المرة يبدو قادما من مسافة بعيدة جدا .. يعود اليها اللحن أكثر وضوحاً هذه المرة .. تقبض ذاكرتها على اللحن.. تنظر الي خالد تراه مازال يدلى بقمامته من فمه.. شفتاه تتحركان.. وملامحه تدل على دمامة خلقه.. لتشع قبحا متأصل فى روحه.. والشر لا يستر نفسه فى عينيه.. يعلو اللحن فى أذنيها فتبدأ بدندنة اللحن.. لا يصدق رد فعلها .. يستفزه تمتماتها وهدوئها.. يوقف محرك سيارته فى منتصف الطريق الخالى.. وتسمع صوت السنتر لوك وهو يفتح. يميل فى أتجاهها ويفتح لها الباب المجاور لها ويقول شيئا لا تسمعه ولكن لغة جسده تعنى أن تنزل من سيارته.. تأخذ حقيبتها وتهبط من السيارة العالية ويغادر هو مخلفا وراءه عادم كثيف.. أما هى فتقف على الدائرى تتطلع للصحراء البعيدة بعد الثانية صباحاً .. تسير خطوتين وتبدأ فى البكاء وهى تدندن لحنها المتمرد الذى أمسكت به بعناية هذه المرة وعلا صوتها جلياً مرددةً " أهو دا اللى صار وآدى اللى كان... مالكش حق.. ملكش حق تلوم عليا"

16 فبراير، 2009

ممر أبيض كالح



فى الرواق الطويل تسير ندى بخطوات واسعة سريعة وعلى وجهها علامات فزع.. الممر أبيض كالح تقطعه جدرانه أبواب مغلقة .. رائحة نفاذة تملأ أنفها الأفطس.. ربما هى رائحة الفورمالين أو ديتول أو رائحة المرض.. وربما هى رائحة الموت...بذات الممر يسير العديد من البشر.. هذه ممرضة شابة حالمة تزين وجهها ابتسامة الحب الراضية.. وهذه أخرى يطل الحقد من ملامحها القاسية .. وهذا طفل يجرى بسرعة فائقة يسابق أحلامه.. وتشعر فجأة أن الرواق لا ينتهى وأن أمتداده سيلازمها مدى الحياة.. يزداد خوفها فتسرع خطواتها شيئا فشيئا الى أن تصبح عدواً.. وأخيرا تصل الى نهاية الممر أو بدايته فهى لا تجيد الإتجاهات.. وتتوجه الى موظفة الإستقبال فتدنو منها بخوف وتسألها بصوت بالكاد يخرج من حنجرتها:
-نتايج التحاليل فين بعد إذنك؟
دون أن تنظر اليها الموظفة تشير الى اليسار- فى أتجاه الممر ذاته- وهى تتمتم:
- آخر أوضة فى الممر ده على ايدك اليمين.
وتنظر اليها بلامبالاة وتقول:
- هو تحليل أيه بالظبط؟ وفين الإيصال؟
تناولها ندى الإيصال بيد مرتعشة وهى تجيت: - HIV
ترفع الموظفة رأسها علياً لتتفحص ملامح ندى التى ترتبك ويفرز جبينها ذرات عرق كثيفة وتزوغ عينيها بعض الشئ.. تستمر الموظفة فى البحلقة فى وجه ندى وتشير بيدها الى كراسى الأستقبال وتقول:
- أتفضلى هنا.. أنا هاجبلك النتيجة
وتسحب الموظفة الأيصال من بين أصابعها المرتعشة .. وتراها ندى من ظهرها فى الممر المقابل .. تعدل هندامها وهى تسير أمامها بخطوات متمهلة تستفز ندى التى تجلس مترقبة على أقرب كرسى ويداها ترتعشان .. وعرقها يزداد .. وعيناها تزوغان وكأنها ستفقد وعيها فى غضون لحظات.. تشغر ندى وكأن حجراً ثقيلاً يجثم على أنفاسها .. تغمض عينيها وتحاول التقاط أنفاسها الهاربة... ترى من بين جفونها المغلقة ضابط يقترب منها وفى يديه قيود حديدية ومن خلفه أسوار السجن.. أيكون هذا الضابط من أمن الدولة؟ تراهم ينتهكون جسدها بعنف .. تنتفض فى مكانها فتفتح عينيها لترى الممرضة مازالت تسير فى منتصف الممر المواجه لها..
تسترخى من جديد ولكن يعلو صوت معدنى قاسى فى أذنيها يبدو أنه صوتها يقول:
- هاعمل أيه لو طلعت عندى الأيدز؟ هاواجه أهلى ازاى؟ أقول ايه لأبويا وأمى وأخواتى؟ أنا حتى مش قادرة أعرف مين اللى ناقلى المرض.. أبويا ممكن يعمل فيا أيه؟ ممكن يقتلنى ولا هاصعب عليه؟ أخواتى مصيرهم أيه من بعد الفضيحة دى؟ دى حياتنا كلها هاتدمر..
تتنهد بعمق وهى تفول بصوت عالى: - حياة؟!!!!!!
وتضحك ضحكة عالية يتردد صداها فى داخلها وتقول: - هو ممكن يبقى فى حياة بعد كده
وتستمر فى نوبه الضحك وكأنها تشاهد فيلم كوميدى.. ومن بين ضبابيات أفكارها ترى الممرضة مازالت تمشى فى الممر المقابل لها ... تحاول التركيز قليلا فتقوم من مقعدها لتدور حول نفسها فى دوائر وهمية وتشعر بخيال يقترب منها من الخلف يزداد عرقها وسرعة نبضها وتنظر بنظرات مرتابة من فوق كتقها تحاول أن ترى ما خلفها دون أن تدير رأسها ويقترب الظل أكثر وأكثر وترى أمتداده أمامها ينشطر قلبها من الخوف فتنظر خلفها دفعة واحدة لترى الحائط الأبيض الكالح للمستشفى وأنها مازالت تجلس على كرسى الأنتظار وقد أختفت الموظفة من الممر.

17 يناير، 2009

حصة دين



دخلت أبلة عطيات مدرسة اللغة العربية والتربية الدينية بقامتها القصيرة الممتلئة الى فصلنا الدراسى للسنة الثانية الإبتدائية. راجعت ورقة صفراء مكتوبة بخط اليد فى قلب كشكولها وقالت: المسيحين يطلعوا على الحوش.. دى حصة دين.. قامت «ليليان صديقتى وزميلة التختة وتبعها فادى وخرجا سويا وهما مبتسمان.. فنظرا لعدم وجود مدرس متخصص لتدريس الدين المسيحى - لقلة عدد المسيجين - فى المدرسة تقوم أبلة ماجدة مرقص مدرسة التربية الزراعية بتدريس مادة التربية المسيحية.. و أبلة ماجدة قامت بوضع طفلتها الثالثة فى الأسبوع الماضى فهذا يعنى أن ليليان وفادى سيجلسان فى الحوش الخلفى للمدرسة حتى انتهاءنا من درس الدين...

أبلة عطيات -فى الغالب- لا تشرح شئ حتى فى دروس اللغة العربية : فهى فقط تلقى أو بمعنى أدق «تطرش» فى آذاننا بعض الجمل وتطلب منا تكررارها فى بعض الأحيان.وفى أحيان أخرى لا يعنيها تكرارنا خلفها من عدمه.

تدخل أبلة عطيات تجرر جسدها المترهل ، تفتح كشكولها الأزرق المخطط لتدون الحصص، وتجلس على الكرسى الخشبى القديم أمام منضدة المدرس.. التى تضع عليها حقيبتها القماشية أو الجلدية الكبيرة «دائماً».. تلك الحقيبة التى دائما ما كانت تحرك فضولى وكنت أسرح فى جولة إفتراضية عن محتواياتها.. ماذا قد تحمل أبلة عطيات فى مثل هذه الحقيبة المنتفخة؟ كنت أجول فى خيالى بين كافولة وبزازة وكيس بامية مطلوب تقميعه ونصف كيلو كوسة ومقورة وإبرتين كورشية وبكرة صوف..

تشير «أبلة عطيات» الى إحدى الفتايات غالبا ما تكون «غزالة» وهى فتاة من عزبة تابعة لقرية تابعة لمركز قويسنا.. وأختيار غزالة لأنها هادئة ومطيعة دائما وطوييييلة جداً.. - بالنسبة لقاماتنا التى لم تكن تتعدى المتر فى ذلك الحين -هل تنبأ أهلها وهى كتلة حمراء وليدة يوم أو يومين بطولها المبالغ فيه؟ هل كانت طويلة جداً وهى وليدة؟

تخرج غزالة الى السبورة.. تكتب التاريخ الميلادى والهجرى.. وتملى عليها أبلة عطيات عنوان الدرس وهو اليوم « أحاديث نبوية» ثم أنتبهت الينا وقالت:
طلعوا كراسة الدين.. أكتبوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المرء على دين خليله» صدق رسول الله وعلى غير عادة أبلة عطيات فى التدريس بدأت فى شرح الحديث وقالت: يعنى لابد للمسلم أن يصادق المسلم ويبتعد عن غير المسلم لأن الله سبحانه وتعالى سيحاسبنا فى الآخرة على إختيارتنا لأصدقاءنا.. فيحشر كل واحد مع صديقه.. علشان كده صادقوا المسلمين علشان تدخلوا الجنة...
تلعثمت وأنا أسأل أبلة عطيات بحزن:
- بس يا أبلة أنا مسلمة وليليان مسيحية يعنى مين فينا اللى هايدخل الجنة؟
- المسلم طبعاً.. وعلشان كده لأزم تصاحبى المسلمين اللى زيك علشان تدخلى معاهم الجنة
- يعنى أنا هادخل النار علشان أنا صاحبة ليليان؟
-أيوا.. المسلمين بس هما اللى هايدخلوا الجنة... واللى يصاحب المسيحى هايحشر معاه
-مين اللى قالك انى هادخل النار
-ربنا اللى قال ان المسيحين هايدخلوا النار
-ليه؟
- علشان هما مش مسلمين
- بس أنا سألت بابا قيل كده ان كنت هادخل الجنة ولا لأ وقالى أنى طول ما بحب ربنا هادخل الجنة.. وأنا سألت ليليان ساعتها وقالت لى انها بتحب ربنا قوى هى كمان.. يبقى ليه بقى يدخلها النار؟
- علشان وزارة التربية والتعليم عايزة كده
- هو ربنا اللى عايز ولا وزارة التعميل؟!

ضاقت أبلة عطيات من منافشتى التى لم ترى لها أى مخرج فطردتنى من الفصل على سبيل التأديب.. وقالت:
-تانى مرة هاتسألى الأسئلة دى هابعتك لأبلة الناظرة تشوف لها صرفة معاكى
خرجت من الحصة جرى أبحث عن ليليان وفادى ووجدتها فى الحوش الخلفى للمدرسة يلعبان «الأولى» وبعد عشر دقائق رن جرس الفسحة فأخرجت لى «ليليان» من حقيبتها سندوتشاتى التى تصنعها لى أمها خصيصا بعد علمت من ليليان أنى أشاركها طعامها كل يوم نظرا لأن أمى امرأة عاملة لا وقت لديها لعمل السندوتشات كل صباح.

صدفة



دخلت «ورد» حفل الكريسماس لتجد حشوداً من الأجانب، معظمهم من الفنانين أو خبراء الشركات العالمية المقيمين فى مصر. ومجموعة لا بأس بها من رجال الأعمال المصرين، الجميع -نساء ورجال- متأنقين. كل بطريقته.. فالتأنق مدارس. ولكل منهجه وسلوكه. فمعظم الرجال فى بدل داكنة والنساء يتألقن فى فساتين السهرة. ما بين التنورات القصيرة و»السواريهات» الكاشفة لمفاتن الصدور والسيقان والأرداف.. وهناك مجموعة من الغير تقليدين يرتدون الجينز ولكن بشكل لائق لحفلة مسائية.. كل يتألق بطريقته.. آما «نورا الأمورة» الراقصة الأرجنتينية ،صاحبة الحفل فهى كالمعتاد تبالغ فى أظهار أنوثها.. فهى الليلة ترتدى فستان أسود شفاف مطرز من أعلاه الى أسفله.. تستطيع عبر التكوينات الخرزية أن ترى حدود «الجى سترنج» والسوتيان الأسودان اللذان ترتديهما.. تضغ أقراطا ماسية يجذب ثقلهما حلمتى أذنيها بقسوة.. لتُشهد الحضور ثراءها وأنوثها فى كل ما ترتدى.

مرت «ورد» بين الجموع فى شقة نورا الواقعة فى الدور الثلاثين فى أحد أبراج كورنيش المعادى.. كانت تشعر وانها انتقلت الى أرض أخرى غير أرض مصر.. تتهكم بداخلها قائلة: هما الأجانب إحتلوا البلد أمتى؟ تبتسم وتتبادل أطراف الحديث مع هذا تاره وهذه لبضع دقائق.. فهى لا ترى سوى عدد قليل جدا من المصريين.. أما النساء المصريات فلا وجود لهن فى بيت الراقصة الأجنبية... ف "ورد"هى الصديقة المصرية الوحيدة لنورا منذ انتقالها للعيش بمصر منذ أكثر من عشر سنوات.

تجول ورد بين الحضور كفراشة رقيقة.. وتتبعها العيون.. فهى جميلة دون شك.. وأجمل ما فى جمالها هو الطابع الشرقى الخاص جداً الذى تلمح تقديره فى عيون الناظرين... لطالما عاشت على أنها متوسطة الجمال.. لم تكن أبدا نموذج للجمال بين أبناء وطنها.. أما الآن وهى بين جموع الأجانب تعلم أنها جميلة جداً.. فشعرها المتموج الذى طالما أشارت له العيون فى طفولتها بالأشعث.. الآن فقط هو مصدر جمالها.. ليس كل جمالها بل بعضه.. فسمرتها النيلية فى هذا المجتمع البديل ما هى سوى محض جمال أستثنائى.. جمال من نوع خاص جداً.. ولقوامها الممتلئ بعض الشئ وأستدارته الوضحة بصمة خاصة بين الأجساد النحيلة للباقى نساء الحفل.. أخذت تطوف بين هنا وهناك..تشع جمالا تلحظه العيون.. تشارك فى حوارات عبثية لإناس لا تعرفهم عن قرب.. جابت عينيها البيت الذى تحفظه ذاكرتها.. لم تكن تتفقد البيت.. بل كانت تبحث عنه.. عن «عُلَّى».. تعلم أنه سيحضر..

فلهذا البيت وهذه الحفلة وهذا التاريخ من كل عام ذكريات مشتركة بينهما.. شهد هذا البيت لقائهما الأول..وحبهما المستتر عن العيون.. وانتهاء حبهما بعد مرور السنين.. وحتى بعد الفراق .. دائما ما كانا يتقابلان فى صدف مدبرة.. فلعلاقتهما تاريخ حافل من الخناقات ..شهد هذا البيت معظمها.. ربما كان يتصنعان الخلاف .. كى يتصالحا بعده .. فللسانها الحلو فعل السحر على عقله مسلوب الإرادة فى حضرتها.. تقابلا صدفة فى هذا البيت.. هو أستاذ جامعى.. وهى موظفة فى شركة كبرى.. تقابلا بلا موعد.. صدفة.. وأفترقا تدبيراً.. كان يخشى أن يسرق هو سنوات عمرها.. عشقها بشكل استثنائى لسنوات عمره الأربعين.. وهى أحبته بكل شبابها النضر.. خشى عليها من فعل العمر.. ومن تقلباته المزاجية الحادة.. التى قد ترسله بعيداً عنها ذات يوم فى مستقبل بعيد أو قريب.. فهو ابداً لا يدرى شيئا عن نفسه.. ولكن واثق من شئ واحد أنه لا يريد تكرار تجربة الزواج التى تركت له فى عنقه مسؤلية مطلقته وابنته التى مازال يشعر بالذنب فى عدم قدرته على توفير حياة طبيعية لكليهما بعد غدره بهما كما تتهمه مطلقته... أما ورد فبداخلها شراسة تجاه كل ما يستعصى عليها.. وكأن الحياة فى تجربتها القاسية «تُؤخذ بالذراع» .. ولكنهما لم يقاوما دوامات الهوى التى سحبتهما بداخلها.. فدارا متعانقين الى أن سحبهما الدوار ليسقطا فى قاع الهوى السحيق.

وكان الفراق واجب لابد من أدائه.. فلا هو يستطيع أن يؤمن نفسه لها ضد آدميته ولا هى تستطيع الإستغناء عن حلم الأمومة.. وإفترقا بمرارة من جانبه وعنف ومرارة أكبر منها.. لم يغفر لها رعونتها ولم تسامحه يوما على دموعها التى ما تزال تروى خدودها الخمرية فى كل مرة تتأكد أنها مازالت تقف فى محطته وكأن جميع الحافلات لا تتجه الى مسارها.. رحل هو.. وأصرت هى أن تفوته.. فطريقهما أبداً لم يكن واحداً.. هى تريد الذهاب الى الجنة كما تحلم.. أو كما علموها أن تحلم.. وهو لم يعد يؤمن بالجنة على الأرض.. وله مشاوير سابقة تعلم منها أن الجنة «حلم» لابد أن يبقى فى الأذهان.. كى يتحمل البشر وعورة الطرق.. صدمها عندما أبلغها أن الجنة وهم.. وأن الجواز يقتل الحب بروتينيتة التى لا فرار منها وبكت بحرقة شديدة وقالت له:
-سيبنى أتأكد بنفسى.. ليه تحكم على تجربتى بالنقصان.. عقلى بيقول لى ان الجنة حلم .. بس جوايا اللى بتسميه انت «بخبرتك» سذاجة الحالمون.. باحلم انى أحقق اللى ماحدش قدر يحلم بيه
كانت ترى فى عيون كل المحيطين بها من المطلقين والمتزوجين بقايا أحلامهم «بالجنة» التى تكسرت فى مطبات الحياة وعلى أبواب الزواج.. ولكن تجربتها الذاتية أبداً لم تكتمل.. قالوا لنا جميعا ونحن صغار أن النار تحرق.. من منا لم بقربها؟! من منا لم يحلم يوما أنه ربما يكون «إبراهيم» آخر لا ينكوى بالنار؟! من منكم لم يجرب بنفسه؟

قتل «عُلَّى» حلمها فى الحب.. فجرحته «ورد» وهربت قبل أن يتحقق ما قالته له عن كرهها له.. كل امرآة تقول لرجل أكرهك.. عليه أن يعلم أنها متيمة عشقاً.. فالمرآة عزيزى الرجل تفتقر الى التمييز بعض الشئ خصوصا فى المشاعر.. تلتبس عندها المعانى ..ولكنه إلتباس حميد.. أساسه عمق الإحساس

جالت ورد بعينيها فى المكان تبحث عنه.. وعندما وجدته تلعثمت وأضطربت كأنها أبداً لم تتوقع رؤيته.. يالا عجب النساء!! ألم ترتدى هذا الثوب تحديدا لأنها تعلم أنها ستقابله!! تعلم أنه يهوى النظر الى صدرها الفتى فارتدت هذا الديكولتيه الصارخ كى تأسر عيونه.. ألم تأتى الى هذا الحفل لتقابله!! ألم تتزين لأنها تريد أن يراها جميلة ومثيرة كعادتها معه!!

أرتبكت ورد عندما شاهدته فى البلكونه المطلة على النيل وتوترت حركتها بعض الشئ.. وسحبت نفسها الى الحمام وهى مازالت تحمل فى يدها كأس النبيذ الأحمر.. هربت الى الحمام .. تأكدت من إغلاق الباب خلفها.. ونظرت الى انعكاس صورتها فى المرآه على ضوء الشموع التى اهتزت اضاءتها بفعل تيار الهواء الذى صنعته حركة الباب عند أغلاقه.. وأرتشفت جرعة كبيرة وسريعة من النبيذ وسحبت شهيقها بعمق من لم يتنفس فى الثوانى السابقة وربما التالية.. كتمت نفسها فى صدرها لبضع ثوان وأطلقته من فمها فى بطء مريح بعض الشئ.. كانت كمن يدرب أنفاسه كى لا تتأثر بأفعالها القادمة.. وخرجت لتواجه الحفل .. أتى اليها .. اقترب منها بتحفظ الوجل.. وأرسل سلامه فى أشارة يد بعيدة .. كان وسيما كعادته.. وكانت أنثى ككل لحظاتها.. لم يكن لديه شجاعتها .. فقررت الأقتحام وطالبته أن يتحدثا على أنفراد.. لمسته.. لتوقظ حبها المخبأ بين ثناياه وهى تقول:
- أحبك لا لشئ يفهمه العقل... أحبك ولطالما تشاجرت معك.. أحبك لأنك فتحت طاقات خفية فى روحى لم أكن أعلم عنها يوماً شئً.. أحبك بالرغم من كل شئ... أحبك لأنى أحبك وفقط
انه الحب أيها السادة.. عفوا فلا سادة فى وجود الحب.. فالجميع عبيد والحب هو السيد الوحيد.. فان اردت السيادة على عقلك فكبل القلب بعيدا عن الحب.. جاوبها بعناد الخصوم فى بداية الأمر ولكن سرعان ما لان من فعل أناملها التى مازالت تلمس يده منذ السلام الأول.. وأحترقت أنفاسه وخرجت لهيبا وهو يقول:
-أحبك يا نورى.. بلا خجل.. وبلا تردد.. ولكن بالكثير من الشجن.. فأنا نايك الحزين.. ماأنا يا عمرى الا قطعة «بوص» وأنت الوحيدة صاحبة موهبة العزف عليها .. وبدونك لا أكتمل..

مالت عليه فى الحال تقبله والتهم شفتيها برقته المعهودة ونسىا الجميع.. لم يكن ذلك من طبعه فهو يخجل أن يعبر عن إحساسه أمام الناس.. كيف له وهو الأستاذ الجامعى ان يراه أحد -حتى وأن كان لا يعرفه- فى موقف ضعف.. أعنى فى لحظة حب..
لم يكترثا كثيرا بالحفل ولا بناسه ولا طعامه الآرجنتينى الذى تجيد نورا الأمورة طهيه ولا برقص نورا أو أى من جميلات الحفل.. اللاتى لم ينسى أن تمر عيناه عليهن مقدراً جمال عيون هذه ورقة تلك.. ولكن لعيونه أن تفعل ما تشاء أما قلبه فهو بيتها الذى لا تملك مفاتيحه سواها

كم تعشق هى «على» بمكره.. وصعلكته.. ورقته.. ووسامته.. ورقيه ..هى فقط تحبه.. ولم يعد يعنيها الأمل فى حبه.. كل ما تريده هو أن تبثه مشاعرها فى هذه الليلة فقط.. إلتقطها بين ذراعيه النحيلتين وضمها الى صدره ورقصا متعانقين حتى أنصراف الجميع.. وتنبها الى الهدوء من حولهما.. ونظرا حولهما لم يجدا سوى «نورا» تنظر أليهما بشغف مليئ بالغبطة.قررت ورد الأنصراف.. وطالبها «على» بمهاتفته ذات يوم ربما ... فاض نهر حنان من قلبها ولمسه حتى لانت أفكاره وهى تقول:

-سأقابلك صدفة دون مواعيد مسبقة.. أعلم أن الكون سيرسلك لى فى مكان آخر.. لن أهاتفك.. لن أسعى للقائك .. ولكنى أعلم عن يقين أنه آت.. فلا تفزع عندما ترانى صدفة فى يوم ما

ضحكا وتعانقا وقبلا الخدود والشفايف.. كانت لحظات من نور.. وأفترقا ليتقابلا صدفة من جديد.. كلاهما يملأه اليقين بأهميته عند الآخر.. وكلاهما يشكان فى إمكانية أن يكون الحب بمثل هذه الرحابة.. ومجردا من أى غاية

10 يناير، 2009

القاهرة ليل داخلى (٥)

خرجت من «أفتر أيت» وأنا شبه مخمورة.. فقد انصرفنا جميعا ماعدا أيهاب فى حوالى الثالثة والنصف صباحاً... ربما يريد مزيداً من السكر كى ينسى ردى علىه الليلة.. وربما قرر المضى قدماً فى ليل القاهرة حتى العثور على مبتغاه.. جلست فى المقعد الأمامى لسيارة دعاء .. وجلس أسماعيل فى المقعد الخلفى.. دارت دعاء فى شوارع القاهرة بلا هدف .. لا تريد أن تذهب وحيدة بدون أسماعيل ولكنهما بالرغم من خطوبتهما وبالرغم من عدم وجد حواجز نفسية لمبيتهما معاً الا أنه توجد حواجز مجتمعية لا يستطيعان تخطيها.. فهما لم يجدا بعد المكان المناسب لفعل الحب.. فدعاء تعيش مع أخيها وإسماعيل يعيش مع صديقه فى شقة صغيرة فى احدى حوارى السيدة زينب.. بعد اللف فى الشوارع بلا هدف سوى البقاء مع أسماعيل دقائق أضافيه أوصلناه لميدان السيدة وأتجهنا الى المنيل.. ودعتنى بحميميتها المعهودة وتواعدنا على لقاء قريب .. صعدت الدرج متمهلة على غير عادتى .. لا أريد أن أصل الى داخل المنزل .. لا أريد أن أبقى وحيدة كما أنا دائماً ... فبعد طلاقى من معتز وأنا وحيدة .. لا أنا وحيدة منذ وفاة جدتى ومن بعد انتهاء علاقتى بخالد... يااااااه .. خالد هو الحب الأول وربما هو الأخير ولكنه ماضى أليم... لا أريد استرجاعه الآن.. يكفى أنه كان سبب زواجى من معتز... فبعد وفاة جدتى.. تركنى خالد دون أسباب وعلمت بخطوبته من زميلة له.. وكان رد فعلى الطبيعى «المعاكس للأتجاه والمساوى فى المقدار» أن تزوجت أنا الأخرى.. تزوجت من معتز دون أى ضعط من أى كائن على سطح الأرض .. وسافرت معه الى كندا لإنهاء رسالة الدكتوراة ... ودام زواجى أربعة أشهر... أمضى معتز ثلاتة منهم فى المستشفى لأجراء عملية فى الأمعاء.. مرضته لأنه ابن عمى لا لأنه زوجى.. كانت علاقتنا الحميمية غربية جداً.. لا أتذكر منها الكثير.. ربما التقينا فى الفراش مرتين أو ثلاثة .. لا أتذكر.. لم يمسسنى لمدة أسبوع بعد الزواج... كنت غير عذراء فهو كان يعلم بقصة حبى لخالد ولم يسألنى عن شئ ولم يعترض على أى شى.. وبعد خروجه من المستشفى وفى أول لقاء حميمى بيننا وبعد أن تجردنا من ملابسنا توقفنا فجأة وعلمنا أننا لابد أن نكف عن هذه التمثيلية الهزلية.. أنا أعلم أنه مثلى وهو يعلم بحبى لخالد.. هو تزوجنى ستار وأنا تزوجته كنوع من الهروب.

وبعد الطلاق عدت الى القاهرة .. الى منزل جدتى.. رفضت العيش فى بيت ابى بعد زواجه... ومنذ ذلك الحين وأنا أتخبط فى الحياة وفى العلاقات.. فتحت باب الشقة وأرتميت على الكرسى المجاور للباب .. وأنا أتساءل لماذا لم أقبل دعوة إيهاب الليلة؟ .. ألم أجده شخصا لطيفاً؟.. حتى وإن لم يكن.. أليست الصحبة خير من صدى صوتى؟ قمت واتجهت الى غرفة التوم وخلعت ملابسى وألقيتها على الآرض الخشبية وأستدرت أتفحص جسدى الخمرى المتناسق فى المرآة.. نظرت أمامى وقلت وكأنى أحدث حشوداً من المراقبين:

- نعم أيها البشر!!!! .. أيها البشر اللذين لم يصبحوا بشرا منذ أمد!!! أمد بعيد!!1 .. نعم أريد رجلا.. أريد زوجا.. وما العيب فى ذلك؟.. أريد حضنا يحتوينى كل ليلة .. أريد رجلا يهتم بفرحى.. بألمى .. بوجعى .. بسعادتى.. بفشلى .. باحباطاتى .. بدموعى .. بضحكاتى .. رجلا يهتم بتفاصيلى بأكملها..أريد جسدا فتيا يشبع جسدى الثلاثينى الذى يزداد جوعه يوما بعد يوم...
ولكن زمن الرجال انتهى .. حتى فى الفراش .. الجميع عجزة ولكن بدرجات متفاوتة.. يريد الرجال أجساد يفرغون فيها رغباتهم.. ولكن دون أية مسؤلية .. حتى مسؤلية إشباع الجسد بإنتظام .. والحجج تزداد تنوعا يوما بعد يوم .. بازدياد الرجال لباقة

وأنهمرت دموعى وعلا نشيجى.. وأرتميت على الأرض .. أنعى هلوساتى الحزينة.. فان عاد الوقت الى الخلف وعرض على أيهاب عرضه مرة ثانية سأوافيه بالرد ذاته.. فأنا لا أسعى للجنس.. أنا أريد حبيبا .. لا رجل .. أتذكر علاقتى الأخيرة -منذ عام ونصف تقريباً - كان الطرف الآخر شبه عاجز جنسيا .. ولكنه كان يحضننى وهو نائم .. كان يمسك بيدى فى عز نومه .. وكأنه يخشى أن يفتح عينيه فلا يجدنى .. كان كثيرا ما يطبطب على ظهرى دون سبب وكأنه يواسى حزنى الغير معلن .. أتذكر ذلك اليوم الذى سقطت من على الدرج واصبت بجرح ما زال يترك أثاره على ظهرى حتى الآن .. كان يغير لى على الجرح ودموع محبوسة فى عينيه مع كل أهة تصدر عنى .. فى هذا اليوم كنت على أتم الاستعداد للزواج منه ... كم كان حريصا فى هذا اليوم ألا يؤلمنى حضنه .. ألا تثير ذراعيه الملفوفين حول جسدى الواهن جراحى .. وددت لو طلبنى للزواج .. بالرغم من عجزه الجنسى .. فقط من أجل حضن دافئ تستطتع الأنثى أن تفعل أى شئ .. أيا كان حتى اهمال انوثتها .. وكى أكون واضحة فقد كانت له من الحيل ما يشبع بها جسدى .. كى يعوضنى عن عدم مقدرته .. ولكن فى كثير من الأحيان كنت أنظر اليه وهو يجاهد كى يحافظ على بقائه بداخلى بالرغم من عدم انتصابه الصريح وأتمنى رجلا حقيقى .. عفى .. لا بقايا رجل .. والمضحك فى هذا الشأن أنه كان يظن نفسه مارد .. جبار .. لا مثيل له .. والأكثر كوميدية من هذا كله .. انه فى بعض الأحيان كان يمنحنى متعة جسدية كما لم أحياها من قبل .. ربما كان حضنه هو السبب ..

ولكنه يوما لم يسألنى الزواج بشكل جدى .. وبمرور الوقت فررت من عجزه الذى سبب لى «الديسك» من كثرة محاولاته الفاشلة المستمرة .. التى يبدُ انه لا يعلم عن فشلها شيئا .. خصوصا بعد أن أصبح الحضن منسيا فى معاركه التى لا حيله له فى كسبها .. فقدت حضن أحتوانى وأدفأنى .. ولم أحزن كثيرا عليه فالحسرة تملأنى ولا مكان لحزن جديد ..

أنه «أحمد سالم» «الأمبراطور» كما يطلقون عليه.. النجم السينمائى الأول فى مصر والوطن العربى .. وزير النساء اللامع .. وعندما تناقلت الأشاعات عن مغامراته الجديدة مع المطربة اللبنانية «الصاروخ» سقطت فى نوبة ضحك هيستيرية ... هم يضحك وهم يبكى .. فليسعد سعيد بسعيدة ... فالجميع عجزة ...

وأنا أولهم .. فأنا عاجزة عن ايجاد حضن رجل غير عاجز عن الحلم .. أريد رجلا .. أريد من يحمينى من وحدتى ... أريد من يحمينى من نفسى .. أريد من يحمينى من حزنى .. أريد من يحمينى من ليل القاهرة الموحش.

30 ديسمبر، 2008

من كَلكَامش الى فاطمة!!




أول أمس قلقت فى نومى، تقلبت فى سريرى طويلاً، ولكن وخزة فى صدرى رفضت أن تنام هى الأخرى، وتسلطت على كحجر ثقيل يرقد ممداً على رئتى ليقاوم عملية تنفسى... فإستيقظت قُبيل الفجر ، وأنا عكرة المزاج... تصفحت الجرائد وصندوق بريدى الإلكترونى، الذى وجدت به خبر وفاة والد إحدى معارفى.. فزاد ثقل الحجر الرابض على صدرى.. ولكنى رفضت الإستسلام لكآبة صباحية قد تؤدى بيومى بأكمله.. وذهبت للجرى.. عَلِى أزيح عن يومى تلك السحابة الرمادية.. ونجحت بعض الشئ فى تحسين حالتى المزاجية اللاإرادية وذهبت الى عملى لأجد مديرى متغيب عن العمل لوفاة والدته.. فعادت الى الوخزة اياها وغلفت عقلى كثافة قاتمة غير محددة المعالم.. وتحايلت على عقلى بتجاهل كل ما يزيد عكرتى الصباحية.. ومرت ساعاتى الأولى بطيئة مملة خالية من أى بهجة.. وفى منتصف اليوم هاتفت أبى وأمى - كعادتى فى مثل هذا التوقيت - ولم يجيبنى أحدهما سواء على هاتف المنزل أو المحمول.. فزادت حدة الوخز فى صدرى.. ورفضت أن أستسلم لأى إفتراضات داخلية عن غيابهما فأتصلت بأختى فى عملها لأستفسر عن غياب والدينا فقالت:
- فى البلد... بيعزوا
سألتها فى هدوء: فى مين؟
-مش هاتصدقى
فرددت عليها ساخرة: - هاحاول!!
-فى فاطمة بنت خالك أحمد أبو شادى
عند هذه اللحظة فقط أتضح لى سبب إنقباض صدرى.. انه الموت.. يحاصرنى من قبيل الأستيقاظ.. يحوم حول بشر محيطين بى.. وكأن الكون يدعونى لضرورة التأمل فى فكرة الموت... الغريب أن هدأ الألم فى صدرى.. وكأنه أنتهى من أداء الدور المحدد له ولزمت كعادتى الصمت فى مواجهة الموت.. وتفتحت تلافيف ذاكرتى عن فاطمة.. يااااااه... فاطمة ابنة خالى أحمد «ابن عم أمى» وطنط راوية... وحملتنى ذكرى فاطمة الى طفولتى فى قرية جدتى...
حيث كنا - أنا وفاطمة - صديقتين... كانت تصغرنى بأربع سنوات.. كانت هى الفتاة المؤدبة.. اللطيفة.. الهادئة، وأنا العفريتة التى لا تكف عن اللعب والتخريب.. كانت هى الجميلة.. البيضاء ..واسعة العينين... ناعمة الشعر الطويل الحالك السواد.. وأنا أم دم خفيف «كانت حيلة من أهل قريتنا كى لا يجرحون مشاعرى أنا السمراء شعثاء الشعر أمام جمال فاطمة الأخاذ»... كنا صديقتين موسميتين.. نتقابل فى الإجازة الصيفية عندما يأتى خالى أحمد هو وأسرته من الخليج وأنا أهرب من مدينتنا الصغيرة لأعسكر عند جدتى طوال فترة الإجازة.. وخلال هذا الشهر من كل عام نتقابل كل يوم صباحاً فى دوار جدى إبراهيم -جدى وجدها- وعمدة القرية لنشاهد التليفزيون ونبقى أمامه كل يوم حتى نتابع مسلسل الساعة الثانية عشر ظهراً بعد نشرة الأخبار.. بعدها يحين موعد الغداء الذى نتناوله فى أى دار من دور القرية فجميعها مفتوحة لنا.. وفى العصرية نجلس مع «ستى خُطرية» زوجة «جدى إبراهيم العمدة» نستأنس بحواديتها ونتنافس على القرب منها.. فلبدانتها المفرطة التى تمنعها من الحركة سحر خاص كان يجذبنا للأستلقاء على حجرها الرحب.. وفى «مقعد» ستى خطرية كانت تتوافد جموع النساء كل بحكاية وشكوى من نوع خاص.. وكنت أتدخل فى الحوارات الدائرة -على عكس فاطمة- فتصيبنى نظرة تأنيب من ستى خطرية كفيلة بأسكاتى لبعض الوقت.. كنا معروفتان ب» اللمضة والهادئة» .. نجوب حوارى القرية ركضاً تلاحقتنا جلجلة ضحكاتنا.. نفترق عند صلاة المغرب ونعود لنتقابل بعد العشاء على المصطبة المجاورة لغرفة الغفر.. تحكى لى فاطمة عن حياتها فى مدينتها الخليجية بكل تفاصيلها.. المبانى.. الناس .. المدرسة.. أصدقائها.. وأحكى لها عن شقاواتى اليومية فى البيت والمدرسة ومع صديقاتى وبالطبع عن مغامراتى «الخيالية طبعاً» .. يآآآه .. أتذكر الآن آخر المغامرات التى فقستها فاطمة عندما شطحت بخيالى ورويت لها «حادثة إختطافى» التى وقعت فى ذات العام:
- كنت خارجة من المدرسة تعبااانة من كتر الحصص.. وهناك ع الباب كان فى واحد راجل راكب على حمارة.. أول ماشفنى جه ناحيتى وقال لى أنت بنت فلان الفلانى .. قلت له: أيوا.. فقالى تعالى لما أوصلك عند بيت أهلك.. وراح هو راكب على الحمارة .. ومسكنى فى ديل الحمارة وركب هو فوقها .. وفضل يجرى .. يجرى .. يجرى.. ولما لقيته بعد عن المدرسة .. ومشى فى طريق تانى خالص.. عرفت بقى انه بيخطفنى.. رحت مسهياه وسيبت ديل الحمارة وطلعت أجرى .. وفضلت أجرى .. أجرى لغاية ما وصلت البيت...»
- طب ليه ما سيبتيش ديل الحمارة من الأول؟ هكذا سألت فاطمة وجاوبها الصمت
بالطبع فضحت فاطمة «فشرى» وأختلاقى للحكايات وجرستنى عند جميع أفراد العائلة .. وعُيرت لفترة ليست بالوجيزة بهذه الحكاية التى كانت آخر مغامراتى المزعومة فى الطفولة...
كنا فى الليالى القمرية نصعد الى سطح منزل جدتى ونتبادل الأحلام.. حكيت باستفاضة عن أحلامى التى كانت تدور حول إحتراف الرقص.. وروت لى مراراً عن رغبتها فى أن تصبح طبيبة وأن تتزوج من فارس الأحلام.. وروَت ورويت وجمعنا تاريخ جميل من الحكايات والأحلام.. وبعد انقضاء فترة الطفولة باعدت بينا الحياة.. وأصبحنا نتلاقى فقط فى المناسبات العائلية التى أصبحت بمرور الوقت نادرة.. صادفت فاطمة - لآخر مرة- منذ بضعة سنوات كانت قد التحقت لتوها بكلية الطب وكنت قد انتهيت من دراستى الجامعية.. كانت الأيام قد بنت حائطاً سميكا بيننا فلم نتبادل سوى كلمات تحية وجلة وكأننا نخشى أن نخسر صداقة الطفولة اذا ما اكتشفنا عمق الهوة بيننا فى ذلك الوقت.. و صدمت عندما لم أجدها طفلة صغيرة كما إعتدت عليه . فلم أعلم من قبل أنى لم أصبح طفلة الا عندما قابلت فاطمة وكانت عروسة يافع
وبعدها عدت الى منزلى ونظرت لنفسى فى المرآة أبحث عن علامات العمر فى ملامحى.. فأدركت أن الزمن الشخصى ندركه -فقط- فى وجوه المحيطين بنا..
وماتت فاطمة أول أمس.. عندما كان زوجها يوقظها من النوم فلم تستجيب له.. كانت قد فارقت الحياة بهدوئها المعتاد دون صخب .
فجر موت فاطمة فى صدرى أسئلة لا نهائية عن جدوى الحياة.. ومعنى الموت.. وعبثية القدر.. وفائدة الأحلام..
هل حققت فاطمة أحلامها؟ هل فارقت الكون الصاخب راضية مرضية.؟. أم كان لديها قائمة مؤجلة من الأحلام؟ أنا لا أبغى الخلود ولكنى ضد عبثية الموت.. من حق كل انسان أن يأخذ وجبته كاملة من الحياة.. فالموت والمرض هما عدوا الحياة .. المرض عثرة اليمة ولكنه ليس النهاية وأحيانا يكون نداء الصحوة لبعض الغافلين.. أما الموت.. فهو الحقيقة المؤكدة فى تاريخ البشرية.. فعندما يولد طفل جديد لا أحد يستطيع أن يتكهن بمصيره ولكن ما من أحد لا يعرف مثواه الأخير.. انه الحقيقة الوحيدة المطلقة فى حياتنا..

عدت الى منزلى واهنة مهزومة و»ملحمة كَلكَامش» ملك الوركاء تملأ عليّ حواسى .. وسكنتنى سخرية عميقة عندما تذكرت أنها أقدم حكاية فى تاريخ الأنسانية واسترجعت فى عقلى الجزء الخاص ببكاء كلكامش على صاحبه وأخيه الاصغر انكيدو الذي أدركه الموت”مصير البشر“ وأخذت أردد فى خيبة:

انه”انكيدو“ صاحبي وخلي الذي أحببته حبا جما
لقد انتهى الى ما يصير اليه البشر جميعا
فبكيته في المساء وفي النهار
ندبته ستة ايام وسبع ليال
معللاً نفسي بأنه سيقوم من كثرة بكائي ونواحي
وامتنعت عن تسليمه الى القبر
أبقيته ستة ايام وسبع ليال حتى تجمع الدود على وجهه
فأفزعني الموت حتى همت على وجهي في الصحاري
إن النازلة التي حلت بصاحبي تقض مضجعي
آه ! لقد غدا صاحبي الذي أحببت تراباً
وأنا، سأضطجع مثله فلا اقوم ابد الآبدين
فيا صاحبة الحانة، وأنا أنظر الى وجهك
أيكون في وسعي الا أرى الموت الذي اخشاه وأرهبه؟

ابتهجت بعض الشء عندما أتسرجعت رد صاحبة الحانة على كَلكَامش -وأنا أُسحب فى دوامة نوم ثقيل- قائلة:
الى اين تسعى يا كَلكَامش ؟
ان الحياة التي تبغي لن تجد
حينما خلقت الالهة العظام، البشر
قدرت الموت على البشرية
واستأثرت هي بالحياة
اأما انت يا كَلكَامش فليكن كرشك مليئاً على الدوام
وكن فرحاً مبتهجاً نهار مساء
وأقم الافراح في كل يوم من ايامك
وأرقص وألعب مساء نهار
واجعل ثيابك نظيفة زاهية
واغسل رأسك واستحم في الماء
ودلل الصغير الذي يمسك بيدك
وافرح الزوجة التي بين أحضانك
وهذا هو نصيب البشرية.


24 ديسمبر، 2008

رسائل - الجزء السادس






إبتزاز مودرن
روما- منتصف يونيه 2008
صديقى الصدوق فؤاد...

لا أدرى من أين أبدأ ولا أين سأنتهى.. أفتقدك بشدة فى أيامى الصاخبة... التى تدور فى دوامة الحياة بلا توقف.. بلا متع حقيقية وبلا ألم يذكر أيضاً... فلم يعد هناك أية متعة فى لهاثى خلف أشياء أصبحت عديمة الأهمية بالنسبة لى كرسالة الدكتوراة على سبيل المثال لا الحصر .. ربما أريد أن أؤمن حياتى عن طريق يافطة الدكتوراة العريضة والتدريس مستقبلا فى المعهد.. أنها الساقية التى يبدأها الثور وينهيها صاحبه ولا حيلة للثور فى دورانة .. ولكن على صعيد العمل الحقيقى لى - والذى لا يدر على أي دخل - فقد أنتهيت لتوى من فيلمى التسجيلى الثانى وأقوم بعرضه الآن فى مهرجان روما للسينما المستقلة ولهذا السبب أنا هنا الآن فى أيطاليا.

الحقيقة أنى أراسلك لأنى فى محنة ولا أستطيع طلب معونة أحد سواك.. ربما لأن محنتى سببها شخص تعرفت اليه فى منزلك.. وأعلم أيضا أنه أحد أبناءك فى الحياة.. فأنت - المعتزل للحياة الثقافية فى مصر - حضن لأجيال سبقتنى وأجيال أخرى تلينى... سأحكى من البداية آمله طول بالك وصبرك:

منذ عدة أيام وقبل مجيئى الى إيطاليا مباشرة هاتفنى العربى الشحات وطلب ضرورة رؤيتى لأمر هام - علما بأنى لم أقابله قط خارج جدران منزلك أو كما أحب أن أسميه "قهوة الحيارى"- وأصر على أن تكون المقابلة خارج بيتك لأنه يريد أن يخبرنى عن شئ لا يمكن مناقشته فى حضورك.. ظننت أنه سيفاتحنى فى رسالته التى أرسلها لى منذ شهرين فى شكل قصة قصيرة كتبها ولكنها كانت دعوة مستترة لممارسة الجنس معى.. ولكنى تجاهلت الرسالة المخبأة بسذاجة فى قصته القصيرة الملفقة.. وأدعيت الجهل وعدم الفهم كى لا أصطدم معه.. أو لأكون أكثر صدقا لأنى أفتقد القدرة على المواجهة برغم من جرأتى فى شتى مناحى الحياة.. الا فيما يختص بأنوثتى..

وربما كانت الأنثى بداخلى يسعدها مثل هذا الأطراء حتى وأن كان من العربى الشحات .. فأنا برغم من كل نجاحاتى وكل البريق المحيط بى الا أنى وحيدة يا أبى وبالرغم من الإطراء الموجه لى من الناس جميعا الا أنى أفتقد الرجل.. ربما لم أردعه قطعياً لمثل هذا السبب.. ربما أعجبتنى فكرة المعجب الولهان.. ربما هى أنعكاسات فى اللاوعى لحالة الوحدة التى أحياها... ولكن دعك من كل هذه المهاترات الفكرية فأنا بالفعل أنفر منه كرجل.. ولكنى كنت –فقط - أعتز به كزميل فى "قهوى الحيارى" .. فمنذ أن قابلته عندك من بضعة أشهر وأنا أجده شخص ثرى بالحكايات.. ولكنه يعشق الكلام وغالبا ما يصفصط بلا أى معنى.. ولكنه أيضاً روائى موهوب..

المهم عندما طلب مقابتى لم أستطع التملص.. فأقترحت قهوة البستان فاعترض لأن عليها يجلس الكثيرون من معارفه وهو يريد أن يحادثنى دون مقاطعة من أحد فقبلت طلبه مردده لنفسى:
• خلينا ورا الكداب لحد باب الدار لأنه لو فتح موضوع رغبته فى مضاجعتى سأنتهزها فرصة مواتية "للشبشبة" وأيضا للتخلص من خجلى وتلعثمى .. وأيضاً لأغلق هذا الموضوع الى الأبد بدلا من أسلوب "على المدارى" الذى أتبعه

دخلت "أستوريل" فى وسط البلد وجدته فى أنتظارى.. متلعثما لا يستطيع الأمساك ببداية كلامية بعينها.. تقافزت الكلمات المبعثرة على لسانه لأكثر من عشر دقائق.. دون جملة واحدة مفيدة ذات معنى فقاطعته قائله:
• باقوللك أيه يا عربى .. أنا مش فاهمة حاجة خالص.. قول اللى عندك على طول..
وبعد مشقة فى متابعة جملة المقتضبة فهمت انه شاهد فيلم لى فقلت:
• وأيه المشكله يعنى؟
فقال:
• لاااا دا فيديو ليكى وأنت فى أوضاع مخلة
غلى الدم فى عروقى وتصاعد ثائراً الى رأسى... كيف؟ ومن؟ ومتى؟ ولماذا؟ تشقلبت كافة علامات الاستفهام داخل رأسى واستطرد هو جمله الغير مكتملة وفهمت أن الفيديو لفتاتين سحاقيتن – أنا (كما يفترض هو) وأخرى روسية- يصورهما شاب فى مدينة ساحليه... وأخذ يذكر أسمائهم وأشكالهم على أتعرف عليهم فى ذاكرتى... فقاطعته:
• باقولك أيه!! مش أنا اللى بتحكى عنها دى
فنظر الى بعينين فيهما من الوقاحة ما يكفى لأرباكى وقال بتصميم:
- لأ انتى.. أنا متأكد
- أنت تتأكد على راحتك... باقولك مش أنا اللى فى الفيديو اللى بتحكى عليه... وكمان قول ممكن ازاى يكون فيلم ليه زى اللى بتحكى عليه يكون وصل لك؟!! وحتى لو أنا البنت نفسها اللى فى الفيديو جاى تقول لى الكلام دا ليه؟
- جابهولى أخويا .. أصله عنده مكتبة جنسية هايلة.. كان جايب لى الهارد ديسك بتاعه وعليه مجموعة من الأفلام وبالمصادفة العجيبة - اللى مش ممكن تحصل ولا فى الخيال - لقيتك فى واحد من الأفلام أنت وواحدة روسية وكان معاكوا واحد مصرى تانى بيصوركوا وقررت أقول لك علشان لو ما كنتيش تعرفى ان الشخص الحيوان اللى صورك نزله على الأنترنت... وكمان علشان ما يحاولش يبتزك

لم يكن لكلامه أى منطق ولا أى رجع صدى لدى ولكن ربما لجمتنى المفاجأة والأتجاه غير المتوقع لحديثه فكنت شاردة توترنى نظرة عينيه الغائرتين فى عظام جمجمته الصغيرة.. وسرحت فى أمكانية تلفيقه لفيديو عن طريق صوره لى حصل عليها من على الفيس بوك أو أى داهية الكترونية أخرى.. وبعد دقائق شرود وهو جالس أمامى يشرب قهوته .. كان مازال يلوك الكلام فى فمه ليخرج ساذجاً من بين أسنانه الضخمة المصفرة من فعل أدمانه للمكيفات من القهوة والنيكوتين فتراكمت عليها طبقات بنية تميل الى السواد... ومازال يتحدث وأنا شاردة .. وقليى منقبض ولا أسمع شئ مما يقول وقررت أن أحسم كل هذا العبث فقاطعته قائلة:
• بص بقى علشان الموضوع ده يتقفل.. أكيد .. أكيد اللى فى الفيديو اللى بتحكى عليه دى مش أنا... بنسبة 90% أنت عندك مشكلة فى نظرك أو فى دماغك فشايف واحدة غيرى أنها أنا.. بس هى مش أنا.. و 10% ممكن حد يكون ملفق فيديو على صورتى مثلاً.. بس دا أحتمال مستبعد .. وفى كل الأحوال اللى بتحكى عليها دى مش أنا... بالأضافة أن كلامك كله غير منطقى
• لا والله العظيم أنت .. أنا قاعد بشوف الفيلم ده بقالى أكتر من شهر.. ومتاكد انه أنت.. . حتى لو تحبى ممكن أجيبهولك علشان تتأكدى بنفسك

زعزعتنى ثقته فوافقته فى بادئ الأمر أن يحضر لى الفيلم كى أراه ولو من باب الفضول على تلك التى تشبهنى لهذه الدرجة.. ولكنى راجعت نفسى .. فيما أشك؟ أأشك فى نفسى؟! كيف اذا أطلب منه ان يصدق رفضى لأدعائه؟ كيف أهتز أمام ثقته العمياء؟!!!!! فتراجعت فى الحال ضاربة بفضولى عرض الحائط مؤكدةً له أنى لست فتاة الفيديو وأنى لا أرغب فى التأكد من أوهامه الشخصية
.
وأستأذنته بعد أن دفعت ثمن النسكافيه لأنه كان لابد على الأسراع للمرور عليك .. فأبلغنى أنه ذاهب اليك هو الآخر.. فاتجهنا سوياً الى "قهوة الحيارى" وهناك كالمعتاد كان يوجد عشرات الأصدقاء فجلست معكم فترة وجيزة ثم أستأذنت بالأنصراف بعد أن أطمأنيت عليك.. وبعد دقائق هاتفنى مذعورا من انصرافى المفاجئ وقال:
• أنا كده أتأكدت انك متوترة لأنك انت اللى فى الفيديو.. بس ولا يهمك أنا هاكون جانبك لو أى حد حاول يبتزك بالفيديو ده .. وما تقلقيش أنا مأمن نفسى كويس قوى لأى شخص
وعند هذا الحد خسرت أخر ذرة فى صبرى فانفتحت به كما الطالوقة وصرخت:
• أنت ما بتفهمشى يا بنى آدم؟! قلت لك ميت مرة بالأدب انه مش أنا... مش أنا... مش أنااااااااااااااااااااا
وأغلقت الهاتف فى وجهه .. وأصابتنى حالة دوار من صراخى الهيستيري.. وغامت الرؤية فى عينى..وكنت على وشك الأصطدام بميكروباص فركنت سيارتى على جانب الطريق كى أستعيد هدوئى ولكنه نجح فى تحطيم أعصابى .. فتركت السيارة على الطريق وأستقليت تاكسى حتى منزلى...

وفى اليوم التالى شعرت بأنى منهكه من ليله أمس وأعتذرت عن كافة مواعيدى .. ولكى أستعد لسفرى الى روما فى غدى... هاتفنى عشرات المرات فى ذات اليوم فلم أجبه.. وكانت الطامة الكبرى عندما أرسل لى الرسالة التالية على الموبايل:

"أنا عارف انك بتقفلى السكة فى وشى علشان انت معاه دلوقتى "يقصد الشخص الذى صور الفيديو" .. أنا أؤكد لك انى جاهز للرد على أبتزازه ليكى.. وأنى مأمن نفسى كويس قوى.. ما تخافيش يا زينة.. أنا بحبك وهاحميكى... ما تخافيش.. وياريت تعرفى مصلحتك.. وتعرفى انه هو مش هايعملك حاجة طول ما أنا جانبك وياريت ما تفقديش توازنك وتقعى فى حباله.....الخ الخ الخ"

تعدت رسائله على الموبايل العشر رسائل فى يوم واحد.. كلها تحمل نفس المعنى.. ونفس التوتر..و نفس الدلالات القوية على أنه مختل عقلياً.. لا حدود فاصلة فى عقله بين الواقع والخيال.. فهو أخترع حكاية وأخذ يكملها دون توقف.. والغريب أنى عندما تأملت سلوكه لم أجده سوى "إبتزار مودرن" تسلح فيه بضعف الإناث فى هذا المجتمع ابن ال....... الذى يعطى للرجل سلطاته حتى على من تمنعن عليه.. دائما هى لعبة الصياد والفريسة ودائما الفرسية هى الضعيفة حتى بالرغم من كونها بريئة من أطماع الصياد ... ولكن طرق الصيد أو الأبتزاز أصبحت مبتكرة لتواكب عصرنا الألكترونى الحديث.

أرسل اليك رسالتى لأخبرك بهذه الواقعة التى مر عليها أكثر من أسبوع لأن الكيل قد فاض بى وطفح من رسائله التى لا تنقطع عن أنتظاره لى فى قهوة البستان فى كل يوم و معه نسخه من الفيلم ليثبت لى صدقه... ومدى مسانتده وح.............. الخ

أسفه يا فؤاد على إزعاجك بكل هذه التفاصيل ولكنى أطلب تدخلك فربما يهابك.. فأنا لا أريده أن يوترنى بعد الآن.. ولانى أيضا تعرفت اليه فى منزلك ولان لا أب لى سواك من بعد تيتمى فى الحياة... سأصل غدا الى القاهرة .. أشتاق الى حضنك .. ولكنى لا أستطيع زيارتك فالعربى شبه مقيم عندك وانا لا أرغب فى معرفته بعد الآن .. فأمى رحمها الله كانت تقول بصعيدتها " اللى يلاجى عوصة.. يلم هدومه" ........... سأراسلك من الساحل الشمالى حيث سأذهب بمجرد وصولى لأرض الوطن.. مع أنى مش عارفة يعنى أيه وطن!!!!!!!!

قبلاتى من بلاد المكرونة وال باتشنو ودافنشى
صغيرتك

زينة الحياة عبد الله

أصدقائى..

الرسائل لم تنتهى بعد، كما خمن معظمكم... فمازال هناك المزيد...

13 ديسمبر، 2008

رسائل - الجزء الخامس






عتاب
الجيزة فى الأول من يوليو 2008








كتبتُ إليكِ من عَتَبِ...رسالةَ عاشقٍ تَعِبِ.
رسائلهُ... منازلهُ... يُعَمِّرها بلا سببِ.
يعود إليك عند الليل... حين تأوه القَصَبِ.
يسائلُ كيف حال الدار !!..كيف مطارح اللعب!!.
و يمسح دمعةً سبقتك... رُغْمَ تمنع الهُدُبِ.
أنا أعطيت هذا الليل... أسمائي و هاجر بي.
جعلت نجومه كتباً ... رسمتك نجمة الكتبِ.

صغيرتى زينة...

قبل أن أبدأ هجومى عليكِ أهديكى أغنية فيروز «نجمة الكتب» لأذكرك بغلاوتك التى لا تقل فى أى حال من الأحوال عن غلاة أبراهيم ولدى، ولكنى فى ذات الوقت لا أعتبرك ابنتى .. لأن ما بينى وبينك هو صداقة وندية لا مقام فيها لسلطة أب، أو صغر عمر ابنته.. وبالرغم من رعونتك المعهودة، الا أنى فى أحيانٍ كثيرة أشعر بأنك الأكبر سناً... وأنى أنا الأبن لا أنت.

يا صغيرتى أنا أشفق علي حالك الوَتّرِ... كما أشفق على جيلك بأسره.. ما أنتم يا غاليتى الا ضحايا هذا الزمن العويل .. فأنا أشهد أحوالكم عن بعد وتبهرنى قدرتكم على التأقلم مع منغصات الحياة. وربما أحد أسباب علاقتى الوثيقة بك هو رغبتى فى إبقاء نافذة مواربة على مجريات الأحداث، فى وطن كان لى يوما سكن.. ولم يعد منذ زمن طويل بعد الخيبات المتوالية التى دهست تطلعاتنا فى مصر أفضل. كنت -يوماً ما- أملك قلب أخضر كقلبك.. ولكنى لم يكن لى -أبداً- صلابتك ولا قدراتك على قهر كوابيس الحياة. ربما هذه هى المرة الآولى الى سأصرح لك فيها بسب حبى الشديد لك فأنت أدهشتينى بعد أن تعدى عمرى الخمسين حيث لا إحتمال جديد للدهشة.. حين أتيت الى وعمرك سبعة عشر عاما تطلبين العمل معى كمساعدة فى أحد أفلامى.. كنت فى ذلك الوقت منتشر ومن أكثر المخرجين عملاً. وعرفت منك أنك من الصعيد وأنك قد تحديت مجتمعك بأكمله كى تأتى الى القاهرة لدراسة السينما.. وراقبتك عبر خمسة عشر عاماً -هى تاريخ علاقتى بكِ ـ وفى كل خطواتك تبهرنى قوة قلبك التى كانت تتجسد لى حتى فى دموعك.. كنت -ومازلت أثق فى ذكاءك وأعلم أن مع كل دمعة تنزل من عينيك .. حكمة تصعد الى عقلك.. أنت بنت طيبة وقلبك نظيف خالى من العفن المنتشر فى النفوس ولكنك قليلة الحيلة أحيانا مع نفسك بالرغم من تظاهرك بعكس ذلك أقصد تحديدا موقفك مع العربى الشحات فقد كنت ضعيفة فى التعامل معه... وخطؤك كان فى إساءة التقدير. بمتهى البساطة عربى الشحات ليس مثلك وأنت تعاملتى معه بحسن نية (لا تمنع الهلاك»

دعينى أخبرك القليل عن العربى ابن الحقبة الساداتية التى أفرزت مجموعة من المشوهيين .. تمعنى فى شباب هذه الفترة وأشيرى لى على متفرد حقيقى بينهم!!، عن مبدع أصيل!!.، عن أنسان بمعنى الكلمة!!. كل أبناء عصر الإنفتاح - وأستثنى منهم القليل - يرفعون شعار «توتو على كبوتو» أو «أبجنى تجدنى». عصر مادى، لا مكان به للإنسانيات. والنتيجة أشباه آدميين والمسمى الأدق «طفيليات أنسانية» تعيش على الآخرين.

بأختصار العربى الشحات عاطل لا يعمل، ويتخذ الفن ناصية يجلس تحتها طوال الليل والنهار. فهو يبدأ يومه فى حوالى الثالثة عصراً أو ربما بعدها...ا يشرب قهوته وسجائره، ويرازى فى امرأته المريضة التى غالباً ما يرسلها الى أهلها معظم الوقت وهى ترضى لكونها مريضة ولكونه «فنان» فلابد له من الإنطلاق.. يخرج العربى من بيته بعد قراءة الصحف الى القهوة.. يجلس عليها طوال النهار يلعب «الطاولة» ويقابل الكثيرين من أمثاله العاطلين الذين يطلقون على أنفسهم «فنانين» وفى المساء يذهب الى أحد التجمعات المنزلية مثل بيتى الذى تسمينه انت « قهوة الحيارى» أو كما يسميه أبراهيم عندما يأتى لزيارتى «بيت من لا بيت له» حيث التجمعات اليومية للكثير من الأصدقاء الصحفيين، والكتاب، والمخرجين، والموسيقيين.

لقد أصبح العربى زبون دائم عندما جاء لزيارتى ذات مرة مع عبد الحفيظ الدراملى السناريست «منك لله يا عبد الحفيظ هو اللى بلانى بالبلوة السودا دى» منذ حوالى خمسة أعوام. وكان العربى قد فاز لتوه بجائزة الدولة التقديرية عن عمله الأوحد «مكتوب» ومنذ سلامى الأول عليه أقتحمتنى نظراته الثاقبة المتبجحة التى شعرت وكأنه يتسلح بها ضد حكم الناس عليه. فهو لديه عقد نفسية مرتبطة بأسمه وأخرى بمظهره.. حيث قصر قامته ـالتى لا تتعدى متر وأربعين سنتيمترا- ونحافته الشديدة.

المهم اعتاد العربى على زيارتى كل يوم تقريبا للعب الطاولة وأحيانا لإقتراض نقود ودائما لأن ليس لديه شيء آخر يفعله..أقول لك كل هذا لأوضح لكِ أنه ليس بصديق.. ولكنه مثل كثيرين غيره يقصدون منزلى لأعتقادهم بأنى عجوز خَرِّف يأكلون ويشربون وينامون على حساب صاحب القهوة اللى هو سيادتى... بإختصار أنا أشفق عليه لأنه مريض نفسى، ومنبوذ من الأوساط الأخرى؛ لأن ما فعله معك فعله من قبل مع كثيرات غيرك يا زينة. فلعبة «أنا شفتك فى فيلم جنسى» لعبة قديمة تبدأ عندما يحاول أن «ينط على واحدة» -آسف لأستخدامى لهذا اللفظ؛ ولكنه ضرورى لتبليغ المعنى المقصود.-.وترفضه.. هنا تطهر العقد النفسية و يبدأ هو الأسطوانة المشروخة أياه التى سمعتيهاا!!!. وأتوقع أنه بعد فترة سيحاول أقناعك بالزواج منه ككرت أخير... كما يفعل هو داذما.... آدى يا ستى رجالة ومبدعين آخر زمن!!!!!!!
على العموم أنتهزت هذه الفرصة السانحة لأستأصله من حياتى.. فهو كالمرض اللعين أذا تمكن من الجسد يصعب أيقاف زحفه.. فبعد أن وصلتنى رسالتك الماضية وعند أول زيارة له فى منزلى طردته على الفور وطالبته ألا يحاول الأتصال بك مجددا. وأعتقد أنه لن يزعجك بعد الآن.

فلنعود إليك أينها الحبيبة الزينة.. أنت مخطئة.. ولا أستطيع لوم أحد غيرك.. فحين جاء اليك ليبلغك أنه شاهدك فى فيلم جنسى كان لابد أن يكون ردك: وأنت مالك يا ابن ...... كذا.... وكذا... وكذا... أنا ولا مش أنا؟!!! وانت مال .... أمك!!!!!!! أيوا أنا بقى.. ليك حاجة عندى؟!! وعتبى الأعظم عليك هو لماذا أدخلتيه بيتك؟!! وأقول لك ختاماً قول يوحنا بولس الثاني «العالم كائن حي، لكل واحد منا شيء يحصل عليه من الآخرين، وشيء آخر يعطيه لهم».

كل الحب والحنان من
فؤاد الراهب

أصدقائى...

الحكاية قربت تخلص

11 ديسمبر، 2008

رسائل - الجزء الرابع



سلبية
الساحل الشمالى فى منتصف يوليو 2008

أبى العزيز ... فؤاد...

أتمنى أن تصلك رسالتى وأنت فى أتم صحة وعافية. وأرجو أن لا يعصبك -كالمعتاد - مناداتى لك بوالدى.. ولكن حقا هذا هو شعورى.. فمنذ وفاة والدى -وحتى قبل وفاته- وأنت أبى الروحى ... هذا بالأضافة لكونك صديقى وحبيبى «وبطاطسيتى كمان»

آآآآه... لقد أتعبتنى القاهرة يا فؤاد.... وضقت بجوها الحار وأهلها غلاظ القلوب فقررت الهروب الى الساحل الشمالى. ولكن كل هذه الشكاوى لا تنفى إشتياقى لأحضانك الدافئة.. التى تشبه الوحى فى إحساسها... نعم يا أبى لديك حق فى كل كلمة ذكرتها فى رسالتك الأخيرة.. وأكتب لك لأعترف بخطأى من ساسى الى رأسى ..ولكنى سأقص عليك كيف دخل العربى الشحات الى منزلى..

لم تكن زيارته بدعوة منى ولكنه فرض نفسه على. ففى تلك الفترة التى كنت أنت خلالها فى باريس لزيارة زوجتك وولدك.. كان يتصل بى تليفونياً بين الآن والآخر لمتابعة حالة زوجته فى القصر العينى فكما تعلم هى مريضة سرطان وأنا عضوه نشطة فى جمعية لمكافحة هذا المرض اللعين ونقوم بعلاج بعض الحالات بالمجان وقد ساعدت زوجته فى عمل بعض الأشعة والتحاليل قبل عملية الإستئصال الأخيرة التى قامت بها.. وذات ليلة بعد خروج زوجته من المستشفى هاتفنى طالباً رؤيتى لأهدائى نسخة من الطبعة الثانية لروايته «مكتوب» وتعللت معتذرة بإنشغالى بعرض فيلمى الوثائقى الأخير لمجموعة من الأصدقاء فى منزلى.. فما كان منه الا أن قال: خلاص هاعدى عليكى وأتفرج معاكم على الفيلم وبالمرة أديلك الرواية

وهنا تكمن مصيبتى الكبرى يا فؤاد فأنا لا أعرف أن أقول لا... ولا أستطيع أحراج الناس .. فصمت وتلجلجت وفهم ردة فعلى على أنها موافقة ضمنية ودعوة صامتة ..حاولت التملص ولكن دون فائدة.. وفى النهاية قلت لروحى: خليه يجى وأصحابك هنا وأهو تتدارى فيهم وعلشان يعرف ان موضع أنه يعمل علاقة معاكى ده موضوع مستبعد تماماً ....وحضر العربى فى وسط أصدقائى ولكن فى حوالى الحادية عشرة والنصف مساءاً وقد كنت أبلغته أننا سنبدأ العرض فى تمام العاشرة... وبعد الإنتهاء من العرض فتح حوارات سفسطائية مفلطحة مع الحاضرين.. ولم يستطع أحد غيره التحدث فى هذه الليلة السوداء... ولقد ضايقنى إقتحامه لمنزلى ولكن سلبيتى حسمت الأمر فى تلك الليلة.. وأنصرف الجميع ماعدا سلمى صديقتى التى طلبت المبيت عندى ودخلت الى غرفة النوم مباشرة وطلبت منى إيقاظها قبل خروجى فى الصباح وخالد صديق سنوات المعهد ومساعد الأخراج فى الفيلم والأستاذ العربى الشحات.. وبدأت فى التثاؤب وكذلك خالد معلنين رغبتنا فى انهاء هذه الليلة ولكن لا حياة لمن تنادى يا أستاذى.. قاربت الساعة على الثانية بعد منتصف الليل والعربى مازال يتحدث عن أشعاره وقراءاته وكتبه .. ولمحت النوم يغازل عيون خالد فملت عليه طالبه منه ألا يغادر قبل أن يأخذ هذه المصيبة التى أحضرتها لنفسى معه...
ولا أحد بتحرك من مكانه.. فتفتق ذهنى عن حيلة سلبية مثلى فقلت :
طيب يا جماعة أنا هادخل أنام واعتبروا البيت بيتكم بس لو سمحتوا قبل ما تنزلوا حد يخبط عليا علشان أقوم أقفل باب الشقة وراكوا كويس... أصل الكالون بايظ ولازم يتقفل بالمفتاح

فاذا بالأستاذ العربى يسألنى: هو أنت ها تصحى بكره الساعة كام؟
صعقت من سؤاله وقلت متلجلجة: يعنى حوالى الساعة تمانية فقال: خلاص أنا هامدد هنا لغاية الصبح على الكنبة فى الأنتريه وأنت نازلة الصبح صاحينى علشان ميعاد آخر مترو فات من وقت طويل
نزلت على كلماته كالصاعقة.. واستغربت وقاحته.. ربما تشجع بفعل سلمى ولكن سلمى صدبقتى منذ سنوات وفتاة مثلى... أما هو فهذه أول مرة يدخل منزلى.. ولسنا بالأصدقاء المقربين .. فنحن مجرد معارف.. وأنا أسكن بمفردى.. فما كان منى الا أن سحبت خالد من يده الى المطبخ وتوسلت اليه الا ينزل من المنزل الا وفى يده هذه المصيبة الكحلى..
وبالعافية وافق خالد على البقاء حتى الصباح ودخلت غرفتى وأغلقت الباب من الداخل وأنا أرتعب من نطاعة هذا المخلوق أتعجب من أحوالنا جميعاً.. بدئاً من ضعفى وعدم قدرتى على طرده من منزلى أو إحراجه.. ربما أختلطت لدى الأمور بين موهبته كأديب وبين صداقته لك وبين حالة زوجته.. وأخذت أبرر له أختراقه لحياتى بأنه فى أوساطه هذا شئ طبيعى .. فهو كما يبيت فى منزلك اذا تأخر به الوقت ..يفعل المثل معى .. ولكن لا... هذا غير مسموح ولكن الخرس سيطر على ومنعنى حتى من الإنفعال بصوت عالٍ

أخذت أقرأ فى سريرى حتى الخيوط الأولى من الصباح والنوم يرفض ان يقابل جفونى.. وسلمى تشخر بجوارى غير مدركة لتوترى.. وفى السابعة صباحا خرجت من غرفتى يعد أن أيقظت سلمى وحكيت لها الأحداث التى فاتتها ... وخرجت الى الصالة لأوقظ خالد وكان العربى مستيقظا يعبث فى مكتبتى... وناديت على «أم شحته» حارسة العمارة «البوابة» كى تحضر لنا فول وطعمية وحضرت الشاى والقهوه للجميع .. وطلبت من سلمى أن تجارينى فيما سأفعله كى أخلى منزلى بعد أن لاحظت استرخاء الجميع بعد الفطور... وقلت:
أنا أسفة يا جماعة لازم ننزل كلنا من البيت دلوقتى علشان الباب ما بيتقفلش من بره لازم يتقفل بمفتاح... فماعلش لازم ننزل كلنا دلوقتى لأنى عندى محاضرة فى المعهد بعد ساعة

وخرج الجميع ورجعت الى غرفتى وبدلت ملابس ونمت بعد أن استعدت خصوصيتى...
ولكن هذا الموقف علمنى الكثير ... علمنى أن الخط الفاصل فى تقديرى للميدعين هو ثمن الكتاب الذى أشتريه لهم .. ولا بد من القصل بين الأنسان والمبدع ..... ولابد أن أتعلم قول لااااااااا

هارجع لما أستعيد شجاعتى

إمضاء
زينة

أصدقائى.... لاتعليق

10 ديسمبر، 2008

رسائل - الجزء الثالث



إعتذار
القاهرة فى الأول من أغسطس 2008

أولاً .. كنتي هايله ف «قناة دريم» وأنت بتتكلمى عن فيلمك التسجيلى اللى عنوانه «فتاة مستقلة» وكنت فخور وأنا باقول لهدى مراتى ان دي زينة صاحبتي اللي ساعدتنا وانتي تعبانه.. وسألتنى ان كنتى متجوزة ولا لأ واستغربت قوى ازاي واحدة بالجمال ده وعندها ستة وتلاتين سنة ولسه ما أتجوزتش!! وعجبها كلام بطلة الفيلم الأولى عن الرجل الشرقى .. وأزاى انه بيخاف من أستقلاليتها ونديتها .. بس ما أعرفش ازاى هدى استخدمته لتدعيم وجهة نظرها ف مسألة حجابها وكأنها بتقولى أهو كلام صاحبتك دليل قاطع!!

الحكايه وما فيها يا ستي إن واحد كان موثوق فيه تماماً بالنسبه لي قال لي الحكايه اللي قلتها لك دي. قال لى أنه شاقك فى فيلم سكس وكان مفروض يديني الفيلم نفسه عشان اشوفه، بس مكانش معايا فلاشه.. ووراني مشهد مشوش حوالي دقيقتين معاه علي الموبايل وأكد لي إن الفيلم نفسه واضح جدا صوت وصورة ومدته حوالي ساعة في تلات أجزاء وأكتر من 300 ميجا لأنه متصور بكاميرا ديجيجتال مش موبايل ولما سألته جابه منين؟!! قال من النت وانه شافك كام مرة ف تجمعات وما إتعرفتوش على بعض ومرة شاف معاكى واحده تشبه الخوجايه اللى المفروض معاكى ف الفيديو واللي بيرجح انها روسية... وكل ودا حصل ف مصادفات بيقول انها مستحيلة التوقع وأن دا اللى خلاه متأكد ان انت اللى فى الفيلم.

كان الكلام ده مع الصورة المشوشة على الموابيل قابل جداً للتصديق..

لو فاكره يوم ما وقعت مني كوباية القهوه وانا عند الأستاذ فؤاد.. يوميها كنت لسه سامع الكلام ده من صاحبى ومتوتر جدا.. بالظبط زي يوم ما قابلتك ف «استوريل».. مكانش ف دماغي حاجة محددة ولغاية ما جيتي كان تصوري شوية كلام ف أي حاجه وممكن أرميلك تلميح زي اليوم اللي قبله وخلاص .. كنت عايز اقول لك إن أنا أخوكي يا زينة ومعاكي لو في عندك مشكلة ومش عارف أقول ده ازاي من غير ما ينفرط مني الكلام اللي محشور ف زوري ومش عارف أفكر ف حاجه غيره .. حصل لي زي ما حصل لكباية القهوة اللي فلتت من ايدي عند فؤاد بالظبط ولقتني بقول لك أنى شوفت الفيلم والتفاصيل الي سمعتها علي أساس إني ممكن أستنتج من رد فعلك أى حاجه .. بس أنا أصلا معنديش معيار ومعرفش الناس بيتصرفوا ازاي لما يتقال لهم كلام زي كدا ويمكن أكون فسرت بعض الحاجات غلط .. وعارفه.. زي ما أكون أنا اللي متحامي فيكي مش انتي اللي محتاجه لحمايه حسب تصوري. ولقيت نفسي مش قادر أبعد عنك..، عشان كده لما اختفيتي فجأة بعد ما روحنا عند فؤاد حسيت بالرعب .. بجد.. مش خوف من أي حاجه محددة.. خوف وخلاص.. خلاني حتي أقولك الكلام الفارغ بتاع «ان وضعى مأمني كويس ضد أي ابتزاز وممكن اساعدك فعلاً لو حبيتي» .. المهم تصرفك بالشكل ده خلاني متأكد تماماً إن فيه فيلم يخصك مفروض إنى ح اخده ع الفلاشه -اللي كنت اشتريتها فعلاً- تاني يوم بعد الضهر ولما غير صاحبي ميعاده رحت لفؤاد لقيته بيقول لى: انت عملت ايه ف زينة؟! دي زعلانه وجايه دلوقتى وأنا مش عاوز دوشه ولازم تمشي حالاً عشان ما تتخانقوش!! ولأني مكنتش عارف انتي قلتي له أيه بالظبط فضّلت أمشي وكل اللي قاله انه شاف الرسايل!! واستغربت لأنه لغاية الوقت ده مكانش فيه غير رسالة واحدة.. والرسالة اللي اتبعتت لك غلط في أول رمضان واعتذرت عنها وقبلتي اعتذاري !!

ولأنك قولتي الكلام ده عند فؤاد وقدام آخرين!! وانتي عارفه ان اللي يسمع كلام ذى كده ح ينصرف ذهنه لمحاولة الفرجة ان كان دا ممكن!! فبقيت مُلزم بمواجهتك بالفيلم.. وأكدلي صاحبي انه هايجيبهولى تاني يوم... وبعتلك الرسالة بتاعة تقابليني ع البستان تخديه.. وماجاش صاحبي وقفل تليفونه ولحس الحظ ماجتيش انتي كمان.. وبقيت متأكد ان الموضوع فيه لغز.. واعتذر صاحبنا بأن الويندوز عنده سقط وإن فيه مشاكل في الجهاز وبعد كده قال لي انه ضيع كل المادة المتخزنه .. بس يقدر ينزّل نسخه تانيه من الموقع ورجع قال ان الموقع مقفول ف مصر و ح يحاول يخلي حد بره ينزله ويبعتهوله وبعدين صاحبه ده قاله انهم في الموقع ردوا عليه انه لازم يحدد الوقت والأسم اللي كان نازل بيه الملف.. ولما قالهم أنه ده كان من أكتر من سنتين تلاته وانه مش عارف الاسم قالوله ان السيرفر عندهم محدود ومبيحتفظوش بأى مادة أكتر من سنة واحدة وإنه بدون اسم مستحيل العثور علي أي شيء لأنها ملايين المواد وحيكون أسهل كتير العثور علي ابره ف كوم قش!! وقال لى انه ح يعمل محاولات تانيه.. وبعدين زاغ مني تماما

وبقيت مدين لكي بالاعتذار ده
وقلت لفؤاد يصالحنا علي بعض ويخليني أعتذرلك قدامه ..
وانا الحقيقه مش عارف ان كان الاعتذار ممكن يصلّح حاجات صعبه كده!!
عموما دا كلامي ف الموضوع ده ومعنديش غيره ..
أنا آسف يا زينة وكفايه اني اتحرمت منك طول الوقت ده.. ويا عالم بعد الكلام ده ح تسامحيني أو لأ..
بس أنا مراهن على نبلك لأنك حصان والأحصنه نبيله ممكن تسامح تور غبي أساء التصرف ورغم انه عارف كويس إن الطريق للجحيم مفروش بالنوايا الطيبه
ميقدرش يعتذر غير بحسن النيه؟
أمضاء
العربى الشحات
أصدقائى المتابعون للرسائل ...

فهمتوا حاجة؟!.... يمكن دى آخر البداية.... بس أولها لسه ما جاش

01 ديسمبر، 2008

رسائل - الجزء الثانى



كلام
القاهرة فى الأول من سبتمبر 2008

الفيديو المرفق هو ذاته المشهد الذى شاهدته على تليفون صديقى المحمول.. ربما تقتنعى أنى لم أكن أهذى بمجرد كلمات.. أو أنى أختلقت حكاية لا أساس لها من الصحة.. «علي أساس إن أنا واحد بتاع حكايات مثلاً!!!»... وهذا أيضا صحيح ولكن بشكل آخر... فأنا روائى يا زينة. والروايات تقذف ف طريقى فعلاً!!

أنت أيضا مخرجة موهوبة.. وأنا أشهد لك بذلك.. وربما هذا هو ما يعنينى بشكل فعلى.. صدقينى .. وتعالى سوياً نحول هذه المادة كلها الى حكاية هائلة .. ربما تكون حالة أستثنائية فى الأدب الأنسانى كله وفى السينما بتاريخها أيضاً.. وحتى هذا ليس بالمهم.. المهم فعلاً هو أن نخرج لحيز الوعى فى مجتمعاتنا قطاع كبير من المخبأ فى أحوالنا والذى يربكنا بهذا الشكل وجعلنا لا يجدى معنا أى شىء.. لا علم ....ولا دين... ولا منطق.... ولا حكمة

«ولولا شوية الجنان دول كان زماني قاعد في الوكالة بتاعة ابويا ف دسوق بابيع اقفاص منجه وسبايط موز وكان زمانك ف بلدكم فى الصعيد متجوزه موظف ف مجلس المدينه بتغسليله شرباته!!!

يا شيخه !!!! لقد رويت لك أشياء لم أصرح بها لأحد من قبل على الإطلاق.. فقط لتأمنى لى ولكى نصبح أصدقاء.. لثقتى فى أهمية ذلك لك ولى.. أرجوكى صدقى بعض الشئ أن المصادفات التى وضعتنا فى طريق بعضنا البعض ورائها بعض الحكمة

الحياة محتاجه شوية خيال يا زينة وشوية جنان كمان عشان تستحق انها تتعاش..
بالطبع لا أقصد الفانتازيا والتوهيمات.. الخيال الذى أقصده هو خيال خشن واقعي ليس محلق أوحالم «زي بتاع الرومانتيكا اللي متفرقش عن الطهرانيه الدينيه ف حاجه)
هما بس شوية الخيال الخشن دول!!
الباقي كله فالصو.. تقليد زي القرود
مفيش أي فرق حقيقي فيه بين الناس والمواشي

اينشتاين -الشاب- كان ينصحه صاحبه أن يأخد شهادة جامعية لتحسين وضعه كموظف براءات اختراع. فقد كان أينشتاين لا يستطيع العيش ويضيع مجهوده ف أشياء عديمة الجدوى مثل أبحاث الضوء التى ينشرها دون عائد مادى.. وتجلب سخط رؤساءه عليه فكان اينشتاين يرد على صديقه قائلاً: اتنصحني بأن أكون مجرد قرد برجوازي يبحث عن الغذاء والكساء والمأوي والجنس والتكاثر؟!! وانا أريد تصحيح نظرة الإنسان للطبيعه !!

فسيبك بقى من حكاية الزعل مني دي لأني صحيح غلطان بس من غير قصد وبعدين أنا زعلتك ف أيه بالظبط!! حاجه تخصك اتقالتلي وقلتهالك وأنكرتيها وصدقتك واعتذرتلك!!ْ خلاص بقي يا ستي المسامح كريم

أليس هذا أفضل من أن كنت قد صدقت ما قيل من «كلام» وتعاملت معك على أساسه أو رويت الموضوع للآخرين.. وهذا النوع من «الكلام» تحديدا يتداول بسرعة البرق.. والناس تحب أن تصدق السوء فى الآخرين.. وعندها كنت ستجدىن نفسك محاصرة بنظرات وتصرفات غريبة دون معرفتك للسبب.. لأنه لا يوجد ساذج آخر غيرى سيواجهك بمثل هذا الشئ فتصبح النتيجة هى أن يخسرك.. أنا تصرفت معك بطربقة مستقيمة.. أعترف أنها كانت طريقة خاطئة ولكنها أبدا لم تكن خبيثة.. وأستسمحك أن ترسلى هذه الرسائل الى من رويتى لهم الموضوع كى يخرجوه من أذهانهم.. فأنت الأخرى قد تصرفتى بشكل خاطئ.. مستقيم ولكنه خطأ أيضا.ً

الآن أصبحت أنا مقتنع فعليا بأنك لست البنت فى الفيديو ولكن الآخرين ممن رويتى لهم الحكاية سيبحثون عنه كى يشاهدوه

إمضاء
العربى الشحات


أصدقائى القراء... البداية قادمة... تحلوا بالصبر فهو مفتاح الفرج


30 نوفمبر، 2008

رسائل - الجزء الأول




صباح السعادة
القاهرة فى الأول من أكتوبر 2008

«إن هذا العالم يمثّل وعداً بسعادة لا نظير لها
سعادة لسنا مُعدين بما يكفي للإمساك بها»

هكذا يصف «لورنس داريل» معرفته بالوجود في رائعته «رباعية الأسكندرية... لا أدرى أن كنتى قد قرأتيها أم لا.!!. ولكن أعتقد أنه لابد لكى من قراءتها.. ليس لكونها رواية أستثنائية كتبها شاعر وغيرت تاريخ الرواية فى الكون وفقط!!! ولكن أيضا لأوجه التشابه بينك وبين «جوستين» كما كتبها داريل وكما رأيتك أنا.. أو كما هُيأ الى... لا أدرى!!!

الأجزاء الأربع: «جوستين» و «بالتازار» و»ماونت أوليف» و»كليا».. كانت قد طبعتهم دار (سعاد الصباح) بترجمة (فخري لبيب) في التسعينات ومن الممكن أن تجديهم علي سور الازبكيه!! لأن الدار اختفت بعد فترة.. . أن لم تستطيعى العثور عليها أستطيع أن أهديها لكى.... يعني... لو تسمحين لي طبعاً..

دا بس عشان تعرفي انتي غاليه عندي قد أيه ووحشاني قد ايه.. والله..

وأصبحت حتى لا أستطيع استطلاع أخبارك أو الإطمئنان عليكِ... لأنى لا أتحدث الى الأستاذ فؤاد منذ أكثر من شهر... وأكتفى بأن أهاتفك على تليفونك المحمول وعندما لا تغلقين الخط فى وجهى أطمئن... لأنك - على الأقل- موجده وبخير.

متبقيش قاسيه كده بقي يا شيخه.. أنا مابقتش عارف اعتذر ازاي!!

أرجوكى سامحينى هذه المرة.. وبعدها لن تجدى منى سوى كل الود والأهتمام كأخوات وأصحاب
ليس هذا فقط هو كل ما أستطيع أن أقدمه لك بل أقسم بالله أنى مستعد -لو ترضى طبعاً- أن أذهب معكى الى أهلك فى الصعيد وأتزوجك شرعاً كى أصلح الغلطة الشنيعة التى أقترفتها فى حقك!!! وربما يصلح هذا الوضع الكثير من الأمور فى حياتك...

وبعد كده كل واحد يشوف طريقه، لأني بتركيبتي المزاجيه المعقدة مينفعنيش وميستحملنيش غير مراتي وانتي غالبا مينفعكيش حد!!

أيضا أنت تعلمين أن هدى -زوجتى- لن تستطيع الأنجاب بعد عملية الإستئصال الأخيرة.. وإن أصبح لى طفل منك سأكون أسعد البشر.. لأنى أؤمن بكى وأعلم علم اليقين أنك إن وهبك الله الولد ستحسنين تربيته.. ولكن أن أنجبتى بنتاً سنعطيها لهدى كى تربيها حتى تصبح متدينة وخوافة كى لا تشب على جنونك فتصير مثلك فى واقع لا يحتمل جنان البنات.. ليعاملهن بمنتهى العنف والغباء

-أعتقدأن هذا هو أغرب عرض جواز وصلك!!-

فكك بقي يا شيخه من الخصام ده وخلينا نعرف نتكلم مع بعض جد..

إمضاء

عرابى الشحات


أرجوكم قرائى الأعزاء لا تستعجلوا النهايات.. فما قرأتموه للتو هو النهاية أما ما سأرويه لكم فى المرات -القريبة- القادمة ربما يكون هو البداية...

تتبع

26 نوفمبر، 2008

سرير واسع



جلس وحيدا فى غرفته الوحيدة فى بيته الأوحد على طرف سريره الواسع.. بين بقايا أطعمة وزجاجات مياه فارغة وأخرى مملؤة.. وقشر موز وخبز عفن وبطانيته البالية .. بثيابه الرثة المليئة بالثقوب من فعل تساقط سجائره الملغومة وأخذ يحدث نفسه قائلاً:

- أبويا مات.. وأمى ماتت.. وجدى مات .. وجدتى ماتت.. وأخويا مات.. وأخويا مات.. وأختى ماتت.. وجدتى ماتت.. وجدى مات.. وعمى مات.. وعمى مات.. وعمى مات.. وعمتى ماتت.. وخالى مات.. وخالى مات.. وخالتى ماتت .. وخالتى ماتت

ونظر عاليا وضحكة طفولية تملأ وجهه لتكشف خلو فمه من الأسنان وقال:
- يعنى بقيت أنا كبير العيلة... وملأت جلجلة ضحكته فراغ الغرفة المظلمة
- بقيت الكبير لناس ما أعرفهمش ....قالها وهو يغلق عينيه الضيقتين ليفرد جسده على السرير الواسع

23 نوفمبر، 2008

القاهرة ليل داخلى (٤)


ف بحر الضلمة رأيت على بعد
شبح إنسان
حققت بعينى
لقيتها يمامة وكاسرة الطوق
كرابيج الليل
ناقشينها جراح
من تحت لفوق
والأسى فى عينيها
مصحى الشكوى تقول حواديت





حواديت .... حواديت ... قرب.... جرب ... خدلك كام حدوتة

ما أروع الإحساس بأن تملأنى «زوزو» فأرى بعيون محبة وأتنفس بعنفوان الصبا وأحلم بسذاجة الطفولة .. أرقص وكأن الموسيقى تعشش بصدرى ... أتمايل على نغمى الخاص.. لا يعنينى أحد ولا تشغل بالى الأشياء.. سواء أكنت أرقص وحيدة أو مع دعاء وأسماعيل -خطيب دعاء الذى انضم لنا منذ منتصف الليلة- أو معى إيهاب..أو معهم جميعاً... لا تغير هذه التفاصيل الصغيرة من إحساسى اللحظى بالسعادة.. وكأن هذا المكان وهؤلاء الأشخاص هم هدية السماء لى الليلة... لتكافأنى على شيمة الصبر .. فأنا عطشى للسعادة كما أنا عطشى الآن لأى شئ يبلل ريقى .. استأذنت الجميع على حلبة الرقص وأتجهت الى البار... ماذا أشرب الليلة؟ أأشرب بيرة كإيهاب أم أشرب نبيذ كدعاء وأسماعيل؟! ...أنا لا أحب طعم البيرة.. ولا أدرى كيف يستسيغها الناس.. ومعدتى الضعيفة لا تحتمل النبيذ....أم لا أشرب خمر على الإطلاق؟ أنا لست ضد الخمر ولكنها أيضاً ليست احدى متعى فى الحياة.. ولكنى أسمح لنفسى ببعض منها فى المناسبات المتفرقة.. وغدا عطلتى الأسبوعية.. فليذهب العقل الى الجحيم ..

ورفعت صوتى كى يصل الى النادل عبر الموسيقى الصاخبة:
- ID بطيخ بعد اذنك .. كانت دعاء قد تبعتنى الى البار لتسألنى عن رأيى فى أيهاب فقلت: والله مش بطال فردت بصعيديتها الدبش:
- مش بطال؟! ماشى يا إختى.. دا البنات هاتتهبل عليه فى الجورنال بس هو اللى مابيحبش الصحفيات بيقول عليهم ما بيستحموش... هانعمل ايه بقى على رأى المثل «عدوك ابن كارك»
ضحكت من قليى لضحك هذه الطفلة المتخفية فى جسد امرأة جميلة.. وأخبرتها عن رأيى فى إيهاب وأقررت أنه فعلاً وسيم وقد يكون حلماً للكثيرات ولكنه حقا لا يروقنى .. أقصد لا بشدنى اليه كرجل ... لا يستفذ الأنثى بداخلى ... فأنا لا أحب الرجال بيض البشرة.. ينفروننى منهم.. أشعر أن الرجل الأبيض ناقص الذكورة.. لا يستهوينى .. تماما مثل نفور بعض الرجال من الفتايات صاحبات الصدور الضامرة أو المؤخرات الصغيرة.. أنا أعشق الرجل الأسمر.. هنا تبدا أولى مراحل الإعجاب..

ولكن كل هذا لا يعنى أن لست معجبة بإيهاب .. بل أنا معجبة به جدا ولكن فقط على مستوى أنسانى... تعجبنى كتاباته الصحفية .. يعجبنى تواضعه.. يستوفقنى حبه للحياة ... أود لو نصبح أصدقاء .. ولا أرغب بالمزيد...
وتوقفت عن الكلام وسحبت دعاء من يدها لنواصل الرقص وطلبت منها أن نترك لغطنا هذا ليوم آخر يكون الجد شعاره... ورقصنا ورقصت ورقصم معى وكأنى أهرب من السكون والملل لأغمس نفسى فى سعادة مؤقتة أستشعر قرب زوالها.. وكان إيهاب فى غاية اللطف والإنطلاق .. حوالى الثالثة صباحا.. تعبت من الرقص.. فجلست بجواره لنكمل تجاذب أطراف الحديث الذى لم ينقطع طوال الليلة عن الأدب والشعر والسينما والصحافة والحب .. كانت له طرقه الخاصة فى التعبير عن أرائه ... تبدو غريبة بعض الشئ ولكن تنبئك دون مجهود بأنه شخص استثنائى جداً....الآن تبدو عليه بوادر السكر .. ناولنى سيجارة من علبته «الكنت».. وبالرغم من أنى غير مدخنة فقد قبلتها منه ومال ناحيتى كى يشعلها.. وبعد أن سحبت أول نفس.. زاد ميله فى اتجاهى الى أن أختفى من مجال رؤيتى وهمس فى أذنى:
- عارفة؟! أنا نفسى فيكى النهارده
وكأن يدا خفية قد ضغطت زرار «Pause» بداخلى بالرغم من صخب المكان من حولى.. وانا انظر اليه وشبح ابتسامة قديمة على شفتى.. أحاول جاهدة ألا تهرب منى.. وعينى تنظران فى بؤرة عينيه وكأنى أفتقر الى حاسة البصر.. وبعد ثانيتين استعدت وعى الكامل وقلت:
-عارف يا إيهاب أنا مش زعلانة منك.. لأن سلوكك دا طبيعى.. فى مكان طبيعى لشخص سكران.... بس للأسف للشخص غير المناسب.. أنا مش هاخد الموضوع بشكل شخصى لأن طلبك بمنتهى البساطة بيعكس حالك مش حالى.. وعلى فكرة أنا كمان مش زعلانة منك

فوجئت بنفسى هادئة وغير مستفذة.. ليس لأن طلب أيهاب طبيعى .. بل كانت هذه هى المرة الأولى التى يقتحمنى رجل بمثل هذه الطريقة.. فهو لم يلف أو يدور كحال كل الرجال.. ولم يتصنع حب لا أساس له من الصحة كى يجرجرنى الى فراشه.. بل كان مباشرا وصريحا فى تعبيره عن رغبته... ماذا تريد أنثى وحيدة فى ليل هذه المدينة العاهرة التى تباشرنا فى عقولنا قبل قلوبنا؟!!.. انثى قيلت دعوة صديقتها كى تعرفها على رجل.. ماذا تريد؟ تريد حبا وحنانا؟

لقد صنفنى أيهاب ك«فتاة متحررة» وتحت هذه اليافطة العريضة «الحرية» وقع فى خطأ التعميم.. فشملنى ضمن هؤلاء الفتايات الأتى يسمحن لأنفسهن ببعض العلاقات بهدف تنفيث الطاقة الجنسية المكبوتة لا أكثر ولا أقل وبالطبع لا أقصد هنا الفتايات والنساء فى حالات الحب.. فهذا أمر طبيعى أو فلنقل مبرر الآن.. أما العلاقات الجنسية الحرة فهى تقتصر على من يطلقون على أنفسهم اسم « المثققون» وتحت هذا الشعار الجميع بلا قيود.. وكأن القيد مرادفه الجهل أما الثفاقة فتعنى الحرية.. وحرية الجسد هى الأولى بين الحريات.. ويصيح إشباع الجسد واجب انسانى للفرد المثقف بغض النظر -فى بعض الأحيان- عن الشريك.

هذا البار مكان طبيعى لهؤلاء «المثقفون» و»المثقفات».. ووجودى فى هذا المكان ورقصى وشربى وبساطتى أوهم إيهاب بأنى متحررة من الكلاكيع.. فبالرغم من أنى أعيش نموذج أقرب ما يكون للفتاة الغربية الا أنى فى نهاية المطاف مازالت بداخلى بقايا فتاة شرقية... أنا لست شرقية أو غربية أنا مزيج من الإثنين معاً. أنا نفسى... أنا حياة..

لماذا تقسو هذه المدينة على إناثها ؟
أنثى وحيدة فى قلب ليل القاهرة ثارت عندما عرض عليها شاب استثنائى أشباع جسدها؟ هل تنتظر حبا حقيقيا يصادفها فى بار فى منتصف المدينة؟ هل سياتى اليها فارس أحلامها الليلة؟ هل وهى فى الخامسة والثلاثين من عمرها مازلت تؤمن بخرافة الحب من أول نظرة؟ هل بعد كل تجارب الحب الفاشلة مازالت تؤمن بالحب من أساسه؟ هل مازالت تحلم بالحب كما فى كشكول الأسرار؟ ماذا تريد هذه الأنثى الوحيدة الحائرة؟ حب؟ الله يرحم أيام السذاجة... زوج؟ أصبح الزواج موضة قديمة فى دنيا الحريات

12 نوفمبر، 2008

شجرة أم طارق


إنتهيت من إجتماع عمل فى أحد البنوك الحكومية فى منطقة وسط البلد, وخرجت الى شارع محمد فريد لأنتظر مديرى -الذى سيصل فى غصون عشر دقائق - كى نذهب سوياً الى إجتماع آخر فى مدينة السادس من أكتوبر. إتجهت الى شجرة ضخمة أمام البنك بجوار كشك مراقبة.. تجلس تحت هذه الشجرة -على الأرض- امرأة بيضاء بدينة بعض الشئ, تفترش أمامها مجموعة من علب المناديل مصفوفة بعناية.. مناديل جيب.. مناديل سفرة.. مناديل مطبخ.. تتفاوت ألوانها وأحجامها.. وكيس بلاستيك كبير مليء بحبات الليمون. أقتربت منها ووقفت أحتمى بظلال الشجرة من الحر.. بجوارها يوجد كرسى خشبى متهالك مدهون باللون الأبيض.. وأمامها مباشرة يقف عسكرى كشك المراقبة بجسده النحيل وبشرته المصبوغة بلون الفقر.. لاحظ العسكرى وقوفى دون حراك فى مكان ليس بالمناسب لأى شئ سوى الأنتظار.. فتقدم منى ببدلته البيضاء وحذائه وحزامه الأسودين وعرض على الجلوس على الكرسى .. فشكرته وأكدت عدم حاجتى له.. فسحب الكرسى من جوارى تاركاً صوت جرجرته على بلاط الرصيف.. ليزيل الحاجز بينى وبين المرأة تحت الشجرة.. لا أدرى لماذا تسمرت عندما شاهدتها عن قرب.. شيئا ما فى هذا الوجه السمح ينادينى.. أحتميت بنظارتى الشمسية ووقفت أرقبها بنظرات مستحية غير مباشرة ورحت أغوص فى تفاصيلها..
بدت لى فى أواخر الخمسينات من عمرها وربما كانت فى السبعينات وملامحها لا تعلن عن ذلك.. فليس بوجهها أيه تجاعيد.. هى جميلة.. سمحة.. كحيلة العينان.. وجهها بدر منور.. بعينيها بريق يرفض الموت ويعلن عن أنوثتها الماضية.. تخبرك عيناها سراً أنها كانت أنثى مشتهاه من كل من يقع أسير عينيها.. تعلن شفتاها الرفيعتان عن حزم واضح وكبرياء.. . تفرد قدماها «المتفيلتين» أمامها كدليل على عمرها الذى تخفيه ملامحها الشابة...

إقتربت امرأة محجبة منها, بدت كموظفة فى إحدى الهيئات الحكومية المحيطة وقالت:
-إزيك يا أم طارق؟ والله ليكى وحشة .. وليكى حق تزعلى منى علشان ما بسألشى عليكى.
ودار حوار طويل بينهما عن أسباب غياب المرآة المحجبة.. وكانت «أم طارق» تقاطعها -فقط- بوصلات من الدعاء لها براحة البال.. وقبل أن تهم بالذهاب أخرجت ورقة نقدية بخمسة جنيهات وطوتها فى يدها وناولتها لأم طارق التى تمنعت لفترة ثم قبلتها ولكن فى الحال التقت أصابعها أحد الأكياس البلاستكية وملأته عن آخره ببعض علب المناديل وثمرات الليمون (ربما تعدت قيمة محتويات الكيس عن الخمسة جنيهات) ورفضت المحجبة أن تأخذه وأصرت أم طارق.
فأيقنت أن لأم طارق موريديها ولست وحدى ضحية تأثير وحضور هذه المرأة. وعندما عادت وحدها هى وفرشتها أخذت تنادى بصوت مليح : اللمووووووون (تمط فى نطقها وكأنها ترفض أن تنهى الكلمة من على لسانها).. ثم تصمت لثوان قليلة وتعاود : يا مسهل يا رب... يا رزااااااق ...... (صمت) اللمووووووون..... يا رب

كنت أوجه زاوية جسدى بعيداً عنها -متظاهرة بالشرود- كى لا تشعر بأختراق لمساحتها الخاصة و لكن عندما خلى الرصيف من المارة وبدون أى مقدمات تذكر نظرت الى وقالت:
-آه لو يرجع بيا الزمن وابقى فى شبابك؟!!!
فاجأتنى جملتها التى وصلتنى صائبة ..طيبة..رقيقة ..متحسرة فاقتربت منها بتحفظ وجلست على كعبى مستندة على ركبتى ورفعت نظارتى الشمسية كى أزيح ظلالها عن وجهها المشرق وقلت:
-كنتى ها تعملى أيه؟
ردت وهى تتنهد : - يآآآآه دا أنا كنت مابطلشى جرى وتنطيط... عارفة؟ أنا كنت بنت حلوة زيك كده .. بس الزمن ما بيسيبش حد على حاله..
بالرغم من المرارة التى حملتها كلماتها الا انى كنت فرحة بقربى منها .. وشجعنى حديثها الذى رحب بى فى عالمها الصغير أن أسألها: - هو أنت منين؟
أجابتنى بأبتسامتها الدؤب التى ترفض أن تفارقها: أنا جيت من قويسنا وأنا بت عمرى 12 سنة.. جوزونى وجيت هنا معاه وجيبت منه ست عيال.. ومات وسابهم لى .. عارفة؟ أنا ياما إتعرض عليا أخدم فى البيوت. وكنت أقول لأ أبدا عمرى ما أخلى عيالى يستعروا إن أمهم خدامة.. أنا أشتغل على فرشتى حرة.. ولا الحوجة... وياما والله يا بنتى إتعرض على -ومن رُتَب هنا- «مشيرة بيديها الى البنك.. وناس عازت تتجوزنى .. بس أنا عمرى ما سيبت فرشتى ولا رضيت أذل نفسى ولا عيالى لحد
ومدت يدها ذات الأصابع المتورمة والتقطت طرف طرحتها التى أنزلقت بعض الشئ وأعادت وضعها على رأسها فوق الإيشارب الأزرق الفاتح الذى يقمط رأسها بإحكام. وأكملت الحكى وكنت أنا صامتة ..أنظر اليها بإبتسامة خفيفة مشجعة على الأسترسال.. شعرت وكأنها تقرأ أفكارى.. كانت تتحدث دون توقف وتجيب على أسئلة لم تطرح بعد فى عقلى ولكنها حتماً كانت موجودة
- الحمد لله أنا ربيت عيالى كويس ..بس حتى اللى إتخرج منهم من الجامعة قاعد عاطل لغاية دلوقتى.. بس الحمد لله جوزت البنات.. أهو ربك كريم يا بنتى
كانت كل كلمة تخرج من شفتيها تصل الى قلبى مباشرةً وكأنى فى حضرة ولى..رن هاتفى المحمول وكان مديرى يعلن عن وصوله ..رفعت رأسى لأجدنى مازلت فى شارع محمد فريد ورأيت مديرى فى سيارته خلف شجرة أم طارق.. وكان على الذهاب .أخرجت ورقة نقدية وحاولت أن أناولها لها فرمقتنى بنظرة قاسية .. فسارعت بالقول: - إحنا بقينا أصحاب يا أم طارق مش كده؟
ورَدَتْ يدى وإجتذبتنى اليها وإحتضنتنى وقالت: بجد؟! فأكدت لها صداقتنا فقبلتنى وحاولت أعطائى بعض الليمون والمناديل وهى تودعنى بأبتسامتها قائلة:- هاستناكى ماتتأخريش عليَّ .... وتبعنى سيل من الدعوات الصادقة.

08 نوفمبر، 2008

القاهرة ليل داخلى (٣) - البار

فى ذات الممر الضيق فى وسط البلد الذى أمر به كل ليلة الى «أفتر إيت», ألقى بتحية المساء على «عبد المولى» بائع السجائر الذى تحتل بضاعته أرفف خشبية متآكله تبدو وكأنها حفرت فى داخل الجدار العتيق.. يمد الى يده بعلبتى «كنت 6» لترتطم ذراعى دائماً بثلاجة الكوكاكولا التى تحتل أكثر من نصف عرض الممرء وأنا أخرج له النقود من جيب بنطالونى.. يتلمظ ببضع كلمات غير مفهومة أعتقد أنها قد تحمل معنى ضرورة توخى الحظر.. فأومئ برأسى فى أشارة حيادية لا تحمل أى معنى متجها الى مدخل البار. أنظر الى الأرض كى أعد بلاطات الأرضية المتآكلة للممر الضيق وأيضا كى لا أتعثر .. تتفحصنى عيون الجالسين على القهوة - التى تحمل نفس اسم البار- فى آخر الممر كعادتهم فى عمل مسح يصرى لجميع المارة وبالأخص زوار «أفتر إيت» الذىن يمثلون لهم «أهل الخمر» أما رواد القهوة فهم عمال وصانيعية من أبناء الثقافة الشعبية أصحاب «مزاج الدخان» الأرخص والأقوى تأثيراً..

عبرت الممر قافزا كعادتى بين الأحجار و البلاطات المتناثرة ودلفت من باب البار مسرعاً... تفقدت المكان بحثا عن دعاء وصديقتها التى أخبرتنى عنها ولم أجدهما وكان المكان غير مزدحم بعد.. نفس البشر .. نفس العيون فى كل يوم ... نفس الروتين اليومى للسُكر والرقص ... جلست على البار.. وطلبت زجاجة بيرة «ستلا» من رأفت النادل.. أخرجت سجائرى وأشعلت سجارة الإنتظار.. وسرحت فى حالى .. لكى أكون صادقا فأنا سرحت فى ليلى.. «ياااااه أخيرا بقيت حر.. ما أنكرشى انى لسه بحبها.. بس الحرية لا تكيل بالباذنجان... ياه دا الواحد عمره ضاع يا جدع شويه ورا وهم الحب وشويه ورا وهم الوطن ... ياخى صظ... وكاسك يا أستاذ حب... وفى صحتك يا عم الوطن ... وتحيا الحرية»... كنت أطوح بكأسى لصورتى المنعكسة على المرآة المقابلة للبار... ولمحت فى الضوء الخافت شعر رأسى الخفيف الذى حال لونه الى الأبيض .. وعلقت مرارة البيرة بحلقى ... ومر بجوارى شابين «روشين» وسمعت أحدهم يقول للآخر:
- هو البار دا بقى للمجانين ولا أيه؟!! بص للأثنين اللى قاعدين كل واحد فيهم بيكلم روحه!!! إلحق!!!
وإنطلقا الى خارج البار , فى الركن الذى أشارا اليه لا يوجد سواى أنا ورجل خمسينى.. يجلس وحيداً.. يحرك يديه فى الهواء وكأنه يحدث شريكا وهمياً, أستدرت بمقعدى العالى بزاوية 45 درجة كى ألمحه بطرف عينى وأصغيت جيدا وعندما هدأت الموسيقى بعض الشئ سمعته يقول « كل يوم سكر وجنس!!! كل يوم !!! كل يوم!!! دا الواحد تعب...آآآآآه
ابتسمت من هذا الثعلب العجوز.. وحسدته على ممارسته اليومية لهوايتى المفضلتين السكر والجنس.. فبعد أن طلقت ليلى وأنا أستعيض بالسكر عن كل شئ.. ورفعت كأسى مجددا فى الهواء وهمست : فى صحة الحرية !!!

وفى الحال لمحت دعاء تزيح الستار الأسود فى مدخل البار ورأيت صديقتها التى أدوشتنى بها ..كانت رقيقة .. جذابة.. ترتدى بنطلون جينز وبلوزة فيروزية تزينها وردات صفراء صغيرة لامعة عند الصدر.. تكشف عن كتفيها .. لهما استدارة مثيرة.... خصلات شعرها المتموج تضفى عليها طابع غجرى.. تقترب منى أكثر.. ما هذا؟ عيناها فيروزيتين؟ أم أنهما عسلينيان يطبع ضى بلوزتها الفيرورية هذا اللون على عينتها؟ الإضاءة ضعيفة ولا أستطيع الحملقة أكثر من هذا.. قدمتنا دعاء الى بعضنا البعض فقالت حياة:
- طبعا أنا أعرفك كويس ومعجبة جدا بمقالاتك الجريئة فى «الحياة البيروتية»
حمدت الله أنها ليست كما تبدو.. فمظهرها يوحى بأنها بنت سطحية وتافهة ... ولكن ما هو العيب فى البنات التافهات؟ ربما هن الأفضل لى فى هذه المرحلة!! ... خلعت نفسى من أقكارى وتبادلت مع «حياة» بعض الحوار وبدت لى لطيفة ولكن بها درجة من الغرور وربما هى ثقة زائدة بالنفس... لم تكن حياة جميلة بالمعنى التقليدى.. ولكنها كانت مثيرة بدرجة أستثنائية... أو ربما يكون إحساسى هذا وليد الموقف.. فأنا مطلق.. شبه مخمور... لم أمسس إمرأة منذ ما يقرب من الشهرين.....فى البداية كانت حياة ترقص بتحفظ ولكن بمرور الوقت أطلقت لساقيها حرية الإختيار ... وانتشت بالرقص وكأن بداخلها مارد مسحور .. أخرجته الإيقاعات من قمقمه.. وظهرت أنوثتها عندما قامت «دينا ال DJ» بلعب أغنية «يا واد يا تقيل» وعند هذه اللحظة أدركت أنى أمام أنثى خطرة.. تشبه الفخ.. لا تراه فى البداية ولكنك لا تفيق الا وأنت بداخله ولا حيله لك... رأيت أنوثة حقيقية فى هذه المرأة الثلاثينية... وهجرت أفكارى عن «ليلى» التى أصبحت ذكرى لا وجود لها الا بداخل عقلى.. وطلبت زجاجة بيرة أخرى كى أستعد لهذه الأنثى الشهية.. ولمحت بعينى الرجل الخمسينى مازال يحدث نفسه على البار...

27 أكتوبر، 2008

القاهرة ليل داخلى (٢) - زوزو


عبر نافذة غرفة نومى لمحت القمر الناضج .. كان نوره عَفِى فاخترق ستارة النافذة الشفافة فى حياء .. ووصل الى سريرى.. وهمست نسمة هائمة فى أذنى بصفير ناعم كمناجة الأحباب .. فسرت كما المندوهة الى الشرفة.. يا لها من ليلة شتوية رائعة.. أضفت عليها زخات المطر المتباطئة عطر رومانسى.. فسكنتنى الطمأنينة وصعدت على إفريز الشباك القديم .. وفردت ذراعى .. وإخترقتنى موجة بادرة متوقعة.. فتنفست بعمق .. وشحنت رئتى بالهواء.. وسرت الى الأمام.. ولكن الهواء حملنى الى الأسفل .. ولم أفزع بل سعدت بالجاذبية .. فالأرض لا تستطيع فراقى .. أسعدنى طيرانى فى المساحة الفاصلة بين غرفتى و الشارع.. كنت كما المنتشية من فعل الحب .. رائقة البال.. تبتسم عيونى بلؤم أنثوى متوارى خلف هدوء ملامحى .. ولكن فجأة لسعنى البرد وغام ضوء القمر ومللت الطيران.. فإرتطمت رأسى برصيف الشارع ولكنى نهضت وأكملت السير فى عتمة تحاول أشعة القمر الفضية تبديدها ... كان جسدى ينرف بلا توقف وبلا ألم أيضاً .. تتبعتنى عيون العابرين دون استنكار لحالى .. وكأن حالى جزء من أحوالهم ..وسرت تاركة خلفى أثاراً واضحة من الدماء .. تتبعتها بعض الفتايات والنساء ... جميعهن يبدو عليهن الألم... وفجأة أصبحت أسير وسط جموع النساء.. خلفها ... ولم أعد أنا المرأة التى سقطت من النافذة... بل هى ... ولكنى كنت أنزف أنا الأخرى .. تفحصت نفسى بعناية ووجدت جرح مستتر بجوار الروح .. تفحصت الصبايا من حولى كان بكل منهن جرح غير واضح... وكانت هى تسير فى المقدمة.. متلألئة كعادتها... فهى السندريللا.. تنزف كعادتها فى الحزن دائماً .. لم أصدق عيناى أنى أراها رؤى العين للعين.. أقتربت أكثر وأكثر......

ورن جرس التليفون بعناد.. فأيقظنى رنينه المتواصل من نومى .. نظرت بلامبالاة الى شاشة إظهار الرقم.. وقرأت اسم «دعاء» صديقتى الصعيدية العنيدة التى بالبرغم من إختلافاتنا الشاسعة الا أنها دونت فى لوحى المحفوظ كصديقة عمر.. وجاءنى صوتها المرح بدون مقدمات البشر المعتادة:
- بت يا «حياة» يالا قومى البسى هاعدى عليكى ونروح «After Eight» (فى قاموس الصعايدة تحمل هذه الجملة الآمرة صيغة السؤال )
- مش عارفة... هايبقى دمى تقيل .. أصلى بردانة قوى... (وفى قاموسى يعنى هذا الرد الرفض المهذب)
- يالا أنت هاتعملى فيها أمينة رزق!! هاتيجى يعنى هاتيجى ... وماتقوليش لأ .. بصراحة بقى أنا النهارده هاعرفك على شخص جميل جداً..
- مين ده؟
- تعالى بس .. هو بنى آدم هايل .. وانت بقى اعرفيه زى ما تعرفيه.. فى كل الأحوال مش هايخَسَر... يا للا نص ساعة وهاعدى عليكى
... سلام.

وأغلقت صديقتى المهبوشة سماعة التليفون دون انتظار ردى... كانت أنفاسى مازالت متلاحقة من تأثير الحلم ب»سعاد حسنى»
نهضت من سريرى وفتحت نافذتى ربما تهدأ أنفاسى ... إرتكزت على حافة الشباك بمرفقى وأخذت أتأمل المبانى القديمة فى حى المنيل .. بدا النيل ساكناً.. كئيباً ....كان الجو شديد البرودة.. إنها إحدى ليالى شتاء القاهرة القارص.. ليلة ليس لها لون صريح... وفى مثل هذه الشعور اللالونى يزدهر الملل... ملل يغلفه إحساس رمادى... ليضاعف هذا اللون الغائم من شعورى بالوحدة.. ويساعد البرد على تكثيفها.. وسقطت قطرات ندية من عيونى... وتصاعد السؤال الأبدى الملازم لقشعريرة البرد: « وأيه آخرة الوحدة؟!»

وعاد الى الحلم ثانية ... لم أدرى أكان حلماً أم كابوساً؟! فلى مع «سعاد حسنى» تاريخ -لا ينسى- من طرف واحد. فعندما بدأت التمثيل فى مسرح الجامعة أطلق على أصدقائى اسم «زوزو» لا لأنى ابنة راقصة جامعية .. ولكن لعشقى ل «السندريلا» . فمنذ طفولتى وأنا مصابة بهوس لا شفاء منه أسمه «سعاد حسنى» كنت كلما رأيتها على الشاشة أصاب بالخرس طوال الفيلم.. ولم أجرؤ يوما على أن أفوت ميعاد عرض أحد أفلامها فى التليفزيون حتى وان كنت قد شاهدت ذات الفيلم عشرات المرات من قبل.. كنت أجلس فى صمت مصغية لكل كلمة .. منتبهة لأبسط لفتة.. مستمتعة بحضورها التليفزيونى والسينمائى الذى يحملنى الى حيوات شخصياتها الشيقة... تعلمت منها الرقص وحب الحياة والإنطلاق والبراءة والتلقائية .. كنت قد قصصت شعرى أيام الجامعة بقصتها الشهيرة وطوال عمرى أحرص على إنتقاء ملابسى - مثلها - بمعيارى الأنوثة والبساطة.. وكان التمثيل فى مسرح الجامعة لا لحبى للتمثيل ولكن لحبى لها فبالتمثيل وحده ستتاح لى فرصة تقمص روحها المنعشة التى كانت تغمرنى بطاقة عبقة بمختلف معانى الحياة..

ومنذ منتصف الثلاثينيات -وبعد وفاتها - وأنا أتحاشى مشاهدة أفلامها .. وكلما رأيتها مصادفة على الشاشة أبكى بحرقة من فقد أعز ما ملك.. و ترعبنى فكرة الرابط الخفى بينى وبين روحها.... أخشى أن أواجه نفس المصير الذى آلت اليه.. ليس الموت هو المصير الذى أقصده فأنا لا أخشى الطيران بل جل ما أخشاه هو الوحدة والعزلة بعد زوال الأنوثة الشابة .. الآن فقط استوعبت معنى الحلم بها وأيقنت الآن أنها أحبتنى كما أحببتها .. فأطلعتنى حلماً على سرها.

ولكن أين هى «زوزو» -المحبة للحياة- منى الآن؟! لماذا أخذها الخوف بعيدا عنى؟ أريد أن أعود ولو ليلة واحدة «زوزو بتاعة أيام زمان» .. أليست السعادة قرار كما أخبر أصدقائى عندما أرتدى قبعة الواعظ... لماذا لا إطبق نظرياتى إياها فى الحياة اليوم؟
سأصدر فرمان ملكى بالسعادة اليوم.. الماضى انتهى .... والحاضر أهدره فى النواح.. وأن لم أكن سعيدة الآن فكيف أفكر فى السعادة فى مستقبل لم أملكه بعد.... سأنتزع السعادة من البرد. اليوم أنا «زوزو» نفضت عنى ثقل العقل .. وقررت أن أحيى الليلة فى اللامعقول.. من الآن وحتى الساعات الأولى من الصباح أنا «زوزو».... الى After Eight والله يرحم «أمينة رزق».

يتبع

08 أكتوبر، 2008

هى وهى وهو



«النهاردة لازم أبقى حلوة قوى وشيك قوى وأنثى قوى قوى» هكذا حدثت نفسها فى مرآة الدولاب وهى تفتحه كى تنتقى ما سترتديه الليلة فى تلك الأمسية الشعرية التى ستديرها غريمتها وشريكتها فى قلب حبيبها أو فلنقل رجلها.

التقطت أصابعها الرشيقة فستان بنى غامق ليس بالقصير.. له خطوط أنثوية واضحة ليست بالزاعقة.. يكشف عن استدارة كتفيها المحببة اليه.. ولفت ايشارب أحمر قانى على جيدها الخمرى وأسدلته على فتحة الصدر كى توارى تلك المساحة البسيطة المتاحة للنظر من صدرها المتحفز.. يضيق الفستان على خصرها النحيل وينحدر بأتساع ليظهر القليل جداً من ساقيها الرشيقتين..
وضعت قرطا عربياً كبيراُ من الفضة ... وأسدلت عليه خصلات شعرها الغجرى المنطلق فى تموجات متمردة.. حددت عيونها العسلية بكحل عريض.. ولم تضع أحمر شفاة.. وإكتفت بهذا المقدار من الزينة التى لا تفسد بساطتها..

وذهبت الى غريمتها -الشاعرة المعروفة- التى تكبرها بخمسة عشرة عاماً ..كانت قد رأتها أكثر من مرة فى بعض التجمعات الثقاقية.. وتحفظ عن ظهر قلب ملامحها المطبوعة على غلاف ديوانها الأخير الذى قرأته عشرات المرات كى ترى رجلها بين سطوره.. الا أن هذه هى المرة الأولى التى تتاح لها فرصة تفحصها عن قرب.. أنها جميلة بالرغم من بعض علامات السن بين ملامحها.. ولكنها النقيض منها.. فهى فارعة الطول.. ممتلئة القوام بعض الشئ.. شاهقة البياض.. عيونها زرقاء تميل الى الرمادية.. ينسدل شعرها الفاتح القصير بنعومة على خديها.. ترتدى تنورة قصيرة وبلوزة رقيقة.. تعكس تفاصيلها أنوثة واضحة .. تتنافى مع ما أخبرها به عن برودها الجنسى.. شحذت كل حكاياته عنها ..

وصرخت بداخلها: «أول مرة أكتشف كدبه... لأ أنا اللى كذابة .. طول الوقت كنت عارفة انه «كداب عظيم» بس كنت برفض أصدق .. وأقول لروحى بلاش أوهام.. أنا اللى كنت بارفض أكون صادقة مع نفسى.. أنا اللى كدابة .. وكدبى ما كانش على حد غيرى»

تفحصتها مجدداً.. إن لم تكن غريمتها لكانت أعجبت بها.. فهى شاعرة موهوبة.. وإمرأة حساسة... راقية.... مثقفة.. هادئة ..والأهم من ذلك كله فهى انسانة صادقة

إختتمت ليلتها بقصيدة «هى وهى وهو» وكانت هى الأكثر وعياً وتفهماً وخبرة حين نظرت فى عينيها وكأنها تعرفها وأخبرتها بجملها الشعرية أن الخطأ يكمن فى تقبل كلاهما لوجود الأخرى .. وبالأدق تقبل كلاهما له فى ظل معرفة كل منهما بوجود الأخرى.. فهى بالنسبة لها جرح وذنب لا بغتفر... ولكنهما أعطياه حق المرع.. بعدم هجرهما له.. ونسيتا أنه هو المخطئ .. وبدأتا فى سن وتسليط سهام الغيرة والكراهية للأخرى - التى لا تعرفها - التى تشاركها رجلها.. هل سيرضى هو ذات يوم أن يشاركه آخر فى أيهما؟ بيت القصيد ليس به ولكن العيب بهما لتقبلهما ما لن يرضاه يوما لذاته...

بمجرد خروجها من «قصر المنسترلى» بعد أنتهاء ندوة غريمتها الشعرية.. هاتفته فلم يجب.. وأرسل لها رسالة قصيرة يعتذر عن عدم رده عليها فهو مع زوجته (غريمتها) الآن لشراء بعض مستلزمات البيت .. ورفضت أى دمعة أن تخفف من أحساسها بالغباوة.

حكايات برقوقة (١)




فى الغالب أنا مدمنة... مدمنة فاكهة.. لأن سلوكى فى تناول الفاكهة غير سوى على الإطلاق ... فعندما أعقف «أصابع» الموز- على سبيل المثال- أتحول من بنوتة وديعة لطيفة الى ما يشبه القردة و تحديدا «الأورانجوتان» .. أما عن المانجة فحدث ولا حرج.. أعود الى طبيعتى البدائية التى لا تعرف التحضر... فأحوط فص المانجة بيدى الإثنتين ونظرة استحواذ تطفو على عينى وكأنى عثرت مصادفةً على كنز غالى ... و أتناولها ببطء وتلذذ .. عكس سلوكى مع العنب الذى أبدو وأنا جالسة أما شاشة التليفزيون وفى حجرى طبق عنب من الحجم العائلى وكأنى فى سباق مع عقارب الساعة.. ويا عينى على البطيخ الساقع المتلج فى عز حر يوليو.. لما يروى العطش ويبل الريق.. وياسلام على المشمش ومزازته والخوخ وتسكيرته.. والكيوى وغلاسته.. والرمان ودوشته.. أما الموسم الشتوى آه من البرتقال واليوسفى .. أيه الحلاوة دى!! أقول أيه ... ولا أيه.... ولا أيه!!!

ونتيجة لهذا الحب المرضى المبالغ فيه فأنا أطلق أسماء الفاكهة على كل ما أحب ومن أحب.. كلُُ حسب حجمه ومذاقه.. واليوم أنا سأحكى لكم عن برقوقة:

هى بيضاء اللون.. عسلية العينين.. لها شعر طويل ناعم.. وملامح وجه «مسمسمة» جداً.. .طيبة.. ناعمة الطباع.. هادئة فى كثير من الأحيان ولكن لها شقاواتها التى لا تحتمل فى أحيان أخر.. هى لطيفة جدا.. جداً.. جداً.. ولكن قبل أن أسترسل فى الحكى أريد أن أخبركم أن برقوقة هى قطتى الرومىة التى أهداها لى أخى فى إحدى نوبات ألمى الشديدة وتوجعى من قسوة الحياة على البشر لكى يخرجنى من هذه الحالة و يساعدنى على المضى قدما فى دنيانا المتعبة .. كانت هذه هى أحدى الفترات التى يغيب فيها النور.. وتكثر الآهات وتتبع كل الكلمات المنطوقة والغير منطوقة بتنهدات عميقة.. وتذرف العين قدر المستطاع من الدموع.. التى قد تبلل نداوتها جدب الحياة الدائم.. وتتساءل الروح فى الحاح عن معنى الحياة وجدوتها حين تستعصى الضحكات .. كانت بإختصار حالة إكتئاب من الدرجة الأولى... التى عندها يختفى أنصاف الأصدقاء ويظهر للأنسان سنده الحقيقى. هذه الحالة غالبا ما يسببها الفقد.. فقد عمل.. فقد حبيب.. فقد قرصة ذهبية أياً كانت ... ويتجسد الإكتئاب فى روتين يومى حيث أذهب الى عملى فى الصباح.. أؤدى وظيفتى بدون حماسى المعتاد الذى عُرفت به.. أعود الى منزلى .. أدير جهاز التليفزيون.. وأجلس أمامه بالساعات.. ولا أرغب فى مزاوله نشاطاتى التى لا تعد فى أيامى اللامكتئبة.... آكل بنهم ..وأنام لساعات طوال.. ولا أهتم بأى شئ يجرى من حولى حتى وأن خربت الأرض.. وذات يوم عدت من العمل .. وأتجهت مباشرة الى غرفتى.. فاذا بقطة صغيرة جدا بلون الثلج تدنو منى .. فأقبلت عليها وأمسكت بها فى كفى وسألتها:
- انت مين يا حلوة انت؟
فأجابتنى بمواء ضعيف متقطع يشبه الإيقاع الموسيقى لكلمة برقوقة (أو هكذا خُيل لى) فقلت:
- أنت اسمك برقوقة ؟!... الله دا انت برقوقة حلوة ومسكرة وطعمة طعامة وتتاكلى أكل..!!

وأعادت لى برقوقة سلوك ظننته فقد ولم يعد موجود.. وهو الإهتمام.. صرت أهتم بهذا الكائن الصغير.. بطعامها و شرابها وتطعيماتها.. ورملها «كريه الرائحة» .. فى بداية الأمر تبرمت من مسؤليتها فقد كان على أن أحرص على العودة الى المنزل فى مواعيد ثابتة.. فهى لا تأكل إلا اذا أطعمتها قطعة بقطعة .. وكانت النتيجة أن قيدت برقوقة حريتى الشخصية.. وغيرت من مسار يومى.. فأصبحت وأنا أخطط ليومى أعتبر «الست برقوقة» .. ولكم كان مزعج مثل هذا القيد النفسى الذى كاد أن يخنقنى عندما اضطررت الى البقاء خارج القاهرة لمدة يومين ولم يكن بالبيت من يهتم ببرقوقة.. وعدت الى المنزل وأنا أرتعد خوفا من أجدها قد ماتت من الجوع ..وحدثتنى نفسى أنى لن أستطيع تحمل مسؤلية روح أخرى.. وفكرت مليا فى التخلص منها.. وقررت أن أؤجل قرارى لبعد حين.. وبدأت أقرأ عن تربية القطط.. وأصبحت أسأل أصدقائى «القططيين» عن سلوكهم

وبعد فترة قصيرة منحتنى برقوقة معنى المسؤلية عن الغير.. لطالما كنت فيما مضى شخصية مسؤلة عن نفسى .. عن وظيفتى.. بيتى ..طعامى.. شرابى .. صحتى.. مستقبلى.. كانت مسؤلياتى تتمحور حولى أنا فقط ولم أكن أبدا مسؤلة عن غيرى فطالما تهربت من القيود الإحبارية التى كانت كفيلة بأن تصيبنى بحالة فزع نفسى شديدة.. فسعىى كان دوما للقيود الإختيارية على شاكلة الأصدقاء حيث لا مجال لثقل وعبء حتمية القيد.. كنت أرتعد من فكرة «الجاذبية الأرضية» ويغازل الطيران أحلامى.. لأنعم بخفة الحرية

وفَجَر وجود «برقوقة» فى حياتى عدة تساؤلات : ماذا لو كنت متزوجة؟ ماذا لو كان لدى زوج وأطفال؟ هل كنت سأتبرم من مسؤليتهم؟ ماذا عن حريتى الشخصية؟ ماذا عن إهتماماتى الفردية؟ ماذا عن هواياتى؟ ماذا عن شطحات جنونى المحسوبة للتخفيف من ثقل دم الحياة؟ هل الحرية خيار لا مثيل له؟ وماذا عندما تصبح المسؤلية عبء؟ هل سأستطيع تحمل مسؤلية الغير؟ هل أنا حقا كائن لا تحتمل خفته؟ .

ولسه لحكاياتى أنا وبرقوقة بقية.....

09 سبتمبر، 2008

إتنين فى الهوا




فى فضاء سماء صافية -إلا من عدد قليل من السحب- كانا يجلسان متجاورين.. يتناجيان بهمس.. يعقبان كل جملة بقبلة.. تحمل قبلاتهما من الاهتمام والحب أضعاف ما قد تحمله من رغبة...

أراه ينظر اليها مباشرةً فى عينيها - فقد كنت أجلس خلفهما فى الطائرة - وكلما أمعن النظر بداخلها.. زادت هى من إحكام قبضة يدها على أصابعه المستكينة فى كفها.. يتوج قبضتها خاتم من الألماظ يوثق للناظرين إرتباطهما الأبدى..

خجلت من نفسى .. ومن تركيزى اللا إرادى معهما.. فحاولت جذب انتباهى بعيدا... وأخذت أقرأ فى الكتاب الذى أحمله معى «The Power of Now» أو «قوة الآن» الذى يتحدث فيه العالم الروحانى «اكهارت تول» عن كيفية تطوير المهارات الذاتية للسيطرة على «العقل»... وأن علينا أن نصل بالعقل الى مستوى «العقل الواعى» والخطوة الأولى لذلك هو أن نعلم أن هناك فارق بين الأنسان وعقله.. «أنت ليس ما تفكر به.. أو ما يدور فى عقلك».. ووصف العقل بأنه اداة تفكير تعمل في اغلب الاحيان «ضدنا» .. فالعقل اما يعيش في الماضي أو يفكر في المستقبل وغير قادر على العيش «هنا والآن».

فالعقل يستخدمنا كـ"اداة" لأشباع رغبات اللاوعى.. ولكى نستريح من المعاناة التى تسببها لنا عقولنا علينا أن نراقب العقل «تعلم أن تفصل بينك وبين عقلك» وشيئا فشيئا سنفهم الميكانيزم الخاص به. هذه المراقبة والسيطرة هى التى تتيح للانسان عيش «الآن» و «هنا» من خلال وعي «الكينونة» او «التنوير» الداخلي «الروحاني» الذي يصفه بوذا بـ"نهاية الألم".

أعجبت بأفكار «تول» وقررت أن أحاول ممارسة العيش قى «الآن» فوضعت الكتاب جانبا كى أستمتع بلحظاتى الحالية دون القلق على المستقبل أو التفكير فى الماضى.. أخذت نفسا عميقا.. وملأت رئتى بالهواء.. وزفرت ببطئ .. ونظرت من النافذة المجاورة.. غصت فى شفافية السحب القطنية المتناثرة .. لمحت الأرض عن بعد.. شعرت وكأنى أمارس الطيران بأجنحتى الخاصة..حاولت أن أجرد نفسى من كافة المفردات المحيطة.. كى لا يبقى أمامى سوى الأفق.. أبحر فيه حتى أرسو على أرض غريبة.. ولكن عقلى عاد اليهما - الحبيبان - مرة ثانية كجزء من لحظتى «الآنيه»

تابعتهما بعينى من بين مفترق المقاعد.. ما أجملهما.. ما أجمل الإحساس بالحب.. رأيته يحيط رأسها وكتفيها بذراعيه لتستقر فى حضنه .. وشعرت ببرودة مفاجئة!! تلحفت ببطانيتى وتفحصتهما بعناية عَلِى أعثر على سر حبهما!!.. كانا فى أواخر العشرينات.. شاب وسيم.. وفتاة متوسطة الجمال... ترى هل يراها كما يراها الناس؟ أم هل هى بالنسبة له أجمل نساء الأرض؟ توالت متاهاتى فيهما وملأتنى الأستفسارات المحيرة... لماذا أنا محرومة من مثل هذا الإحساس؟ لماذا أفتقد دفء قصة حب مثل هذه ؟! كيف تخلُ حياتى من علاقة حب أشعر فيها بالاكتمال؟ وهل أنا فعلا غير مكتملة فى ظل غياب الحب؟ واين شعاراتى التى أرفعها عاليا عن التحقق والنجاح والإستقلال؟ لماذا لا يوجد لدى سند عاطفى فى هذه الدنيا؟! أين الخطأ؟ هل العيب بى؟ أم بالحياة التى نحياها؟ هل أنا شخصية متطلبة فى الحبيب؟ أم أننا نحيا فى زمن بخيل يرفض حتى الجود بالأحباب؟ بداخلى حب يكفى الكون بأكمله.. وليس لدى من أهبه هذه المشاعر.. أين الخطأ فى هذه المعادلة الإنسانية؟ هل الحب عملة صعبة فى هذا الزمان؟

هل المشكلة تكمن فى مفردات العصر «المبارك» الذى نحياه؟ هل لأننا نحيا فى زمن يصعب فيه الفكاك من ساقية الماديات.. فأصبح فيه الحب رفاهية لا يقدر عليها البشر؟.. هل كافة الإحباطات - الخاصة والعامة -المحيطة بنا قد أجهضت أحلامنا بالحب؟ هل الرجال ولاد ستين فى سبعين وأنانيين وخائنين ؟أم ان النساء هن ولاد تمانين فى تسعين وغدارات ونكديات ومتطلبات؟

راقبت تسلسل الأفكار السابقة بداخلى كما يدعو «اكهارت تول» كى أصل بنفسى الى سيطرة العقل الواعى.. وأيقنت أنى «الآن» مجرد أنثى وحيدة ...تشعر بالبرد... تتوق للحب... ولا تقوى على تحمل آلامه.. فنظرت للحبيبين أمامى وودعتهما وأحكمت إغلاق جفونى كى أسلم روحى لدنيا الأحلام حتى موعد وصول طائرتى..


28 أغسطس، 2008

ضربة شمس




إشتقت للطبيعة ..وخنقنى حر القاهرة المؤلم.. فعزمت الرحيل الى سيناء.. وهناك بعيدا عن عاصمة المخروسة -عفوا المحروسة - بدأت مشاكلى فى الزوال تدريجيا .. أصبحت قادرة على التنفس بانتظام وعمق... فتحت شهيتى للطعام .. اختفت حالات الأرق... بل أصبحت أتمتع بما يزيد عن ثمانى ساعات من النوم المتواصل يومياً.. انتهى الصداع المزمن .. وهدأت حركة الأفكار فى عقلى ..

بمجرد دخولى «قلعة زمان» أصابتنى حالة سكينة مفاجئة.... هذا المكان السياحى الذى بنى على بقايا قلعة قديمة .. صممت لتحمل زوارها الى أجواء القرون الوسطى.. كل شئ بحمل سحر مختلف.. سحر خاص جدا.. سحر أيام «زمان»..

جلست فى تأمل عميق لكل هذا الجمال المحيط بى.. هذه القلعة المتوارية فى حضن الجبال.. جارها البحر.. حدودها السماء.. كل شئ يسير ببطء ممتع ..حتى مستوى الخدمة.. سبحت لساعات فى حمام السباحة المحفور فى الصخور.. وخرجت أجفف جسدى بحرارة الشمس.. تناولت نظارتى الشمسية وارتديتها.. وارتميت على «الشيزلونج» وأخذت أتأمل الجبال من حولى.. على بعد أمتار قليلة توجد مجموعة من الفتايات يرقصن بحيوية وحب مفرط للحياة.. يثنين أجسادهن النحيلة على أنغام موسيقى «التكنو» ومن داخل القلعة يصلنى صوت «فرانك سيناترا» فى أغنيته «Fly me to the moon»
أشعر بجفونى ثقيلة... لدرجة الإغشاء. .. وفجأة أختفى هذا الأحساس عندما رأيته.. كان كفارس من العصور الوسطى.. طويل.. أسمر.. نحيف بعض الشئ.. له عينان غائرتان.. واسعتان حد توهان الننى .. أراه ينظر فى عينى مباشرة.. يقترب منى.. وقلبى يدق بعنف.. هل يقصدنى؟! ليته يقصدنى!! ما أروعه!!
تقدم منى ومد يده فى أشارة مهذبة لدعوتى للرقص. فكرت أن أرفض طلبه أو أتظاهر بعدم رؤيته.. ولكن ما حدث هو أن مددت له يدى.. فجذبنى اليه بنعومة بيده اليسرى وأحاط خصرى بيده اليمنى وبدأنا الرقص على أنغام «سيناترا»:

Fly me to the moon
Let me sing among those stars
Let me see what spring is like
On Jupiter and mars

كنت كما المسحورة.. تحدثنا ولا أدرى فى أى شئ.. فقط كنت أشعر وكأنى أعرفه منذ سنوات طوال.. هو فارسى من قديم الأزل.. جاء الى فى «قلعة زمان» كى يختطفنى ويحلنى من أسرى للمدنية ..كنت أعلم عنه كل شئ.. اسمه.. جدوده.. تاريخه.. وكل ذلك من نظرته..
وبعد توقف الموسيقى.. مد يده فى الفراغ خلفى.. وأعادها بزهرة القرنفل البيضاء التى أعشقها.. ووضعها بين خصلات شعرى.. وفجأة أخذنى من يدى وجرى كأنه تذكر شئ هام... كانت حركتى بطيئة.. فحملنى بين ذراعيه واستسلمت أنا بكامل إرادتى المسلوبة.. مررنا بدهاليز القلعة المضاءة بالشموع.. فتح احد الأبواب وأخبرنى ان هذه الغرفة تسمى «غرفة الكنوز» واختار لى منها غطاء رأس حريرى أبيض.. وأكمل جريه الى خارج القلعة.. وهناك ركب دراجته البخارية.. وأشار لى بالركوب خلفه.. طاوعته وقلبى يكاد يتوقف عن النبض من فرط السعادة.. فرررروووووومم... هو آخر ما سمعته قبل أن ينطلق بنا ليسكن صوت الريح أذنى.. وزاد من سرعته شيئا فشيئا.. لنسابق الريح.. الجبل عن يسارنا والبحر عن يميننا.. وكنت ممسكه بملابسه .. محتضنه وسطه من الخلف كطفلة صغيرة تخشى الكون بأسره الا هو.. ومالت الشمس للغروب.. فأوقف درجاته البخارية كى نستمتع بقدرة الخالق على الجمال قبل ان يغمرنا الظلام.. وسمعته ينادى اسمى عدة مرات.. ففتحت عيونى لأجد صديقتى تنادى على كى نرحل قبل حلول الليل.. كنت مازلت ممدة على الشيزلونج أمام حمام السباحة .. ومازالت الفتايات يرقصن بجوارى ولا وجود لفرانك سيناترا...

نهضت فى تكاسل .. وخيبة أمل واضحة ترتسم على ملامحى.. وسرت بجوار أصدقائى وأنا أتأفف كطفلة لا تود الرحيل وأمام «قلعة زمان» وجدت دراجة بخارية.. نعم هى دراجته.. ولكن من هو.. وكيف؟ هل كان حلماً؟! أم حقيقة؟ أم هل أنا جننت؟

وكانت قدماى بالكاد تحملانى.. وشعرت أننى أسقط فى ظلمة حالكة وانى أسير للخلف فى ممر ضيق .. وامتصنى الظلام عن آخرى.. وفتحت عيناى- لا أدرى متى- لأجدنى فى غرفتى .. وأخبرتنى صديقتى أنى أصيبت بضربة شمس.. وأيقنت أن فارسى لم يكن سوى نوبة هذيان عاطفى..

ملحوظة: أكد شهود عيان رؤيتهم لدراجة بخارية أمام «قلعة زمان»...

21 أغسطس، 2008

القاهرة ليل داخلى (١)



تعيش «حياة» فى بيت الجدة الهادئ فى أطراف منطقة المنيل.. وبالتحديد فى شارع «المقياس».. الذى سمى بهذا الإسم ـ وفقا لحكايات الجدة - لأنه يحوى جهاز مقياس منسوب مياة تهر النيل.. تعشق حياة حكايات الجدة وخصوصا عن المنيل.. تلك الجزيرة المربوطة بباقى العالم عن طريق الكبارى.. تحكى الجدة عن طفولتها فى المنيل فى نفس هذه البقعة عندما كانت فيلا قبل أن يحولها أخواتها الكبار الى عمارة سكنية لتدر عليهم دخلا شهريا بعد المعاش.. يسمى المربع الذى تسكنه الجدة بالمماليك وتروى الجدة سبب هذه التسمية بأن المماليك عندما أتى بهم محمد على الى مصر تعددت محاولات فرارهم.. وكانوا فرسان أقوياء يجيدون كافة فنون القتال وعندهم مهارات عالية جدا ..فاحتار محمد على فى السيطرة عليهم.. وقرر قهرهم بنقطة ضعفهم.. فأرسلهم الى جزيرة المنيل وتركهم بلا حراسة فقد عرف عنهم خوفهم العظيم من المياة وافتقارهم لمهارة السباحة.

وفى ليلة صيفية حارة.. تسحبت حياة من سرير جدتها فى هدوء كى لا توقظها.. وسارت على أطراف أصابعها.. واتجهت الى البلكونة وفى يدها «الخطة ب » و «كشكول الأسرار» لم ترغب فى أنارة لمبة البلكونة فقد كان القمر مكتملا و الأعلان الكبير لشركة السيارات الذى يحتل مساحة لا بأس بها من العمارة المقابلة قد بددا ظلمة الليل.. جلست حياة فى ركن البكونة وبدات فى قراءة «الخطة ب» من سلسلة روايات «رجل المستحيل».. أدهم صبرى.. أنه هوس أختها سلمى التى تكبرها بخمس سنوات.. تحلم به ليل نهار.. وكلما علقت احدى صديقاتها على أى شاب .. تهب بهم سلمى قائلة:
- ودا يجى ايه ده قى أدهم صبرى
بدأت حياة فى قراءة مغامرات أدهم صبرى أو (ن-1) حرف النون يعنى أنه فئه نادرة أما الرقم واحد فيعنى أنه الأول من نوعه.. هو رجل من نوع خاص.. يجيد استخدام جميع أنواع الأسلحة من المسدس الى القنابل ... وكل فنون القتال من المصارعة وحتى التايكوندو.. هذا بالأضافة الى أجادته التامة لست لغات حية.. وبراعته الفائقة فى أستخدام أدوات التنكر وقيادة السيارات والطائرات وحتى الغواصات...
وشردت حياة عن متابعة القراءة.. أن أدهم صبرى يدعو حقا للأعجاب ولكن فارسها مختلف.. وذهبت بعيدا .. بعيدا جدا.. وعندما عادت أخرجت «كشكول الأسرار» الذى تدون به أسرارها الطفولية البريئة. ولأول مرة ترسم بالكلمات حلمها.. فارسها.. وكنت أنا هذا الفارس.. اليكم ما كتبته عنى حياة ابنة العشرة أعوام:
متى ستاتى ايها الفارس؟.. أنا فى انتظارك.. هل ستاتى لى من البلكونة؟ ..لا أعتقد...هل سأقابلك صدفة؟.. أكيد
قرأت فى هاملت أن لا شئ فى الدنمارك يحدث صدفة..كل المنسوب الى الصدف مدبر..
لعل وعسى أن تكون مصر كما الدنمارك.. سأبنى خطتى على هذا الأساس.. وسأدبر صدفة لقاءنا.. ولكن كيف سيكون شكلك؟ سأرسم ملامحك .. بعد إذنك.. أنت وسيم جدا.. طويل ..بس مش حيطة.. مثلا يعنى 185 سم .. أسمر.. بس مش أسود زنجى.. يعنى سمار أحمد زكى كده.. جسمك حلو.. بناتى دى شويه؟ طيب خلينا نقول أنك زى «رجل المستحيل» مفتول العضلات .. بس من غير ضرب نار وحاجات من دى.. وعلى فكرة أنا مش بحب الناس اللى عضلاتهم ضخمة قوى .. أصلهم بيخوفونى.. خليك وسط.. بلاش تبقى هجمة.. يعنى خليك حلو وخلاص.. وأهم حاجة ما يكونش عندك كرش.. ويكون شعرك أسود زى الليل.. وناعم طبعا.. بس ما يكونشى سايح ونايح.. وسط بردوه.. عينيك عسلية.. «ولا قدك ميه يا أبو العين العسلية.. يا أبو عين غدارة ولما بشوفها بادارى .. تهرب من قلبى فاكرها شطارة» أيه الكلام الفارغ بتاع شادية ده؟ لأ مش عايزة عينيك غدارين ولا عايزاك تهرب منى.. عايزة عينيك بلون العسلية وحلاوتها .. آه بالمناسية أنا بحب العسلية قوى... لما تقابلنى صدفة «زى ما اتفقنا» هات لى معاك عسلية ودوم كمان.
نرجع لعينيك.. عايزاهم رايقيين.. صافيين.. ولازم كمان بيقى فيهم شقاوة وذكاء.. بيقولوا عنى أنا كمان كده عينيه مليانين شقاوة.. آه وتكون عينيك حنينة زى عينين جدتى .. مليانين دفا.. وتكون عينيك وااااااسعة ومحفورة جوا وشك .. يعنى تبقى شبه عمر الشريف كده شوية.. بس اوعى تكون بتتكلم زيه!! أصله مثأثأ ومابيعرفش يقول كلمتين على بعض.. وتكون مناخيرك مش كبيرة.. وودانك كمان . وشفايفك مش رفيعة زى ماما ... علشان ما تتطلعش عصبى زيها.. عايزة ملامحك تبقى منحوتة فى وشك زى التماثيل الرومانية.. والأهم من كلللل الحاجات دى تبقى حنين وطيب وبتحب الملاهى والرقص والأيس كريم والشعر والسنيما.. عايزاك لما تقابلنى صدفة تجيلى بقصيدة تحكى لى فبها عن السنين اللى كنت بتدور عليا فيها قبل ما تلاقينى.. تعالى لى على فيسبا صوتها عالى.. يصحينى من عز النوم.. وأقف تحت البلكونة واحدف لى وردة.. أخرج أنا على الصوت العالى ألاقيك قدامى .. لابس بنطلون جينز أسود.. وجاكيت جلد أسود .. ياريت يكون «هارلى» أصلى باشوف «ستيفين سيجال» لابس كده.. وشاور لى أنزلك.. وأنا أقولك لأ .. جدتى جوا... فتطلع الشجرة وتلف دراعك حوالين وسطى وتخطفنى وتهرب بيا... ولا أقولك لأ .. بلاش موضوع الهرب ده جدتى تزعل.. انت تعالى كل يوم لما الليل يحل.. وخدنى وراك على الفيسبا.. ولف بيا قى شوارع القاهرة الفاضية.. واحكى لى عن حبك ليا.. ورجعنى قبل ما الفجر يطلع لحضن جدتى.. أصلى ما بجبش أزعلها.. يا لا تصبح على خير.. هستناك ... صدفة
ملحوظة: عايزلك مؤدب .. يعنى ما تحاولش تبوسنى .. مفهوم!!
سلام
حياة

الحق يقال لقد استوقفتنى كلمات «حياة» البريئة .. المختلفة.. من بين كافة أفكار البنات وأحلامهم.. فقد اعتدت انا فارس الأحلام أن ترسمنى الفتايات بزي ناصع البياض لفارس من العصور الوسطى أمتطى جوادا عربيا أصيلا غالبا ما يكون هو الآخر أبيض.. ودائما أنا طويل القامة .. عريض المنكبين.. الأرجح هى صورة ذهنية شكلتها فى رؤسهن البشاير ألف ليلة وليلة.. فأذهب الى قلاعهن المهجورة لأحررهن من الأسر.. أما هذه الطفلة العجيبة فقد غيرت من زيي وألبستنى أسود أخذت منى حصانى وأعطتنى فيسبا وطلبت منى عسلية ودوم؟!!!
وكان هذا هو سرها وسرى فى دفتر الأسرار.. أحببت هذه الطفلة المنعشة.. بل وأدمنتها.. من خلال رسائلها لى عبر ليل القاهرة.. فكل ليلة بعد أن تتطمئن الى نوم جدتها الهانئ.. تخرج الى الشرفة حاملة كشكول الأسرار .. الذى بمرور الوقت صعب على تمييز هل هو كشكول أسرارها أم أسرارى معها..

05 أغسطس، 2008

أبليس وحوا فى عشرة طاولة



فى قلب ليل القاهرة تقف «حياة» فى نافذة شباك «عم نجيب» ..صديقها العجوز .. الذى يرفض هذا الوصف.. فطالما طالب «حياة» ألا تنعنه بالعجوز.. وطالما أخبرها أن العجوز من العجز.. وهو يرفض فكرة العجز.. ويفضل الشايب أو حتى العايب..

تتطلع هى للبراح.. وترقب عن قرب الوجهات الخلفية لبعض العمارات القديمة...أمامها مباشرة سور قديم لملجأ تطل منه عشرات الاشجار لتتكئ برفق علي بقايا القاهرة القديمة..تقطع الكون نخلة تلمس السماء باباء ..والمدي تسكنه بيوت مصر القديمة .. يمتد النظر واصلا الي قمم عمارات القاهرة الجديدة بالمنيل.. ترى تلك العمارة الحديثة التى طالما أسمتها «عمارة بم بم» وهى الآن مضاءة باعلان لشركة عقارات بالنيون الابيض .. تلك الإضاءة الزاعقة التى لتفسد علي «حياة» متعتها في متابعة القمر الحيي الذي يتواري من عيونها خلف سحب رمادية.

تستنشق «حياة» الهواء بعمق.. وتنظر الى السماء.. لتري لوحة تسحر القلوب لفنان لا تنضب ادواته.. ياتي الي أذنيها صوت عبد المطلب وهو يغني :بتقول وتعيد لمين؟! .. وبتشكى لدا .. ودا.. !!! الناس المغرمين ما يعملوش كده..!!! ... دول مهما اتألموا...بيداروا ويكتموا.. ولا يوم يتكلموا.. ويشمتوا العدا.. الناس المغرمين ما يعملوش كده...!!!


يحملها صوت عبد المطلب الى زمن لم تنتمى اليه ابدا .. تتحرك أشجانها فتنتشي للكون وتتمايل مع الالحان الودودة لهذا الزمن الذى لا يوجد الا في بيت «عم نجيب» تتابع انفاسها وتاخذها اذناها لاصوات القاهرة القديمة من جديد... ترهف الحس للاصوات الضعيفة القادمة من البيوت فتملاها الحسرة علي هذا الشعب الطيب.. والزمن الغير طيب.. يوقظها صوت «عم نجيب» الذى يأتيها من داخل المنزل وكأنها يصلها عبر الأجيال قائلا:

-ما تيجي يا حلاوة اغلبك عشرة طاولة؟! فتجيبه - وهى لا تزال تتكئ على افريز النافذة- بطفولتها المحببة أليه :
-يالا يا عسل بس هو تصحيح بسيط.. انا اللي هاغلبك عشرة طاولة..
تنظر الى داخل الغرفة وتراه أمامها يبتسم لها بطفولة تضاهى براءة ضحكاتها و بأصرار يفوق عندها وحب وتحدى واضحان ويقول:

-عارفة يا بنت امبارح انتي انا اسمي ايه في المنتخب الدوري للطاولة؟؟...اسمي ابليس !!!
تبتسم له بكل الحب الذى تكنه ليس له وحده بل لزمنه بأكمله وتقول:
-عارف انى أدرجت مؤخرا فى المنتخب؟؟ واسمي المسجل رسميا عندهم أيه؟؟.. اسمي حوا !!!

وتقام عشرة الطاولة بين ابليس وحوا في الالفية الثالثة ...حوا في الثلاثين من عمرها وابليس في اوج ستيناته... والحق يقال لم يكتسب ابليس الاسم عن غير جدارة فهو له من الحيل الخادعة لابليس عجوز ما ليس لحواء التي تبني خططها على الهجوم دائما حتي و ان كان الدفاع خير وسيلة له...يلعب ابليس بحرفية الصائغ ويخدع الخصم بما لا يتوقع.. تسانده قوي خارقة من الحظ في بعض الاحيان حينما يوشك الدور علي الإنتهاء لصالح الخصم... اما حوا فهي بكل ذرة احساس حوا ...صبية .. طيبة .. تهوي الحياة التى سميت على اسمها...حساسة.. ساذجة في كثير من الاحيان رغم ادعئها النضوج ...وكل هذا الوصف لحوا لأن سياستها في اللعب تعكس حالها ....

أما عن حال أبليس فهو مأزوم بالوجود يأرق حاله الكون بأسره.. مثقل بهموم البشر.. يرفض الأنتماء اليهم.. والبعد عنهم.. يخشى على نفسه من نفوس البشر .. ودائما ما يبنى خططه لخداع الخصم فى الطاولة. تنخدع حواء بحيله النميسة.. فتتحرك بهجوم واضح لتعلم عند اقتراب النهاية أنه لم يكن سوى فخ من أبليس.. والغريب هو أن تفوز حوا فى نهاية العشرة عندما يدفع ابليس بنفسه للخسارة كي لا يزول بريق عينيها المحبب لديه.. كي لا يؤرق أبليس قلب العود الاخضر... كي لا تخسر حوا براءتها فتزول انوثتها....

ولأن اللعب على الخدمة فبعد انتهاء العشرة يذهب «أبليس» الى المطبخ لتجهيز الشاى وتعود «حياة» الى نافذة «عم نجيب» من جديد. ويأتها صوته مضفرا بعناية مع صوت عبد المطلب «الناس المغرمين بيكونوا حنينين ويخافوا ع الشعور ..الصبر بيخلقوه.. والبال بيطولوه.. ويشفوا الضلمة نور...الناس المغرمين ما يعملوش كده)

30 يوليو، 2008

أسطورة سائق البيجو



هذه ليست حكاية مع سائق تاكس.. بل هى حكاية غريبة حدثت لى وأنا فى عامى الأول الجامعى ... انتهت أحداثها فى «بيجو محافظات». بدأت الحكاية فى القاهرة.. فى مكتب دعاية وإعلان متواضع.. فى خلال الأجازة الدراسية حيث بدأت أولى محاولاتى للهاث وراء العمل وإثبات الذات.. كان اليوم هو الخميس.. موعد زيارتى الأسبوعية لأسرتى خارج زحام القاهرة.

اشارت الساعة الي الخامسة .. فبدأت فى لملمة أشيائى المبعثرة فى كل مكان واستعديت للانصراف. أستوقفنى احمد زميلي في المكتب وابلغنى انه يريد التحدث معى في موضوع ما. فوافقت ان يصطحبني الي محطة مصر سيرا علي الاقدام فمازال امامي ثلاث ساعات كاملة علي ميعاد القطار. وطوال الطريق من العباسية الي رمسيس كنا نتحدث ولا اتذكر مضمون الحوار ربما كان لا يوجد موضوع. ربما لم تكن أكثر من رغبة شاب و فتاة في الحوار والسير على الأقدام فى شوارع القاهرة. وصلنا محطة القطار فعرض على احمد ان نذهب الي كافيتيريا المحطة كي نشرب «أي شئ» قبل موعد مغادرة القطار. فراجعت نقودي ووجدت ان معي عشرون جنيها.. فحسبتها في مخي وقلت عشرة جنيهات تكفى لشرب «أى شئ» وعشرة جنيهات ثمن تذكرة القطار. فوجدت أن الحسبة تمام التمام... ورافقته الى الكافيتريا .. وشربنا «أى شئ» وتحدثنا فى «أى شئ» وحان ميعاد القطار فطلبنا الحساب واخرجت العشرين جنيها اليتيمة من حقيبتى كي ادفع حسابي.. ووضعتها فوق شيك الحساب في ذلك الطبق الأبيض الصغير . وجاء الجرسون وحمل الطبق بنقودى دون أن يدفع أحمد حسابه.. ورجع بباقى الحساب.. فقام أحمد شاكرا بمراجعه الحساب وتأكد من صحته و اخذ الجنيهات القليلة المتبقية ووضعها في جيبه!!!!

كان احمد مازال يتحدث وانا لا اسمعه.. فقط اري وجهه وشفتاه تتحركان.. ألقى بنظرى بين الحين والآخر الى جيب قميصه الاصفر الذي يظهر شبح نقودي من خلاله . كل ما يدور بذهنى هو كيف سأسافر الى عائلتى؟!.. شعرت بالخجل من ان احدثه عن الباقي.. ففعله وسلوكه صادم وغير متوقع فلجم لساني ولم انطق ... ولم يزل هو يتحدث... فقررت مقاطعته قائلة :انا مش هاركب القطر انا هاركب بيجو من احمد حلمي اصله ارخص ودلوقتي مش معايا فلوس كفاية..
فقام من مكانه وقال :ياللا هاوصلك لاحمد حلمي ...مشيت بجواره كالخرساء وانا اشعر اني امام كائن فضائي هلامي لا معالم له....وصلت الي البيجو وذهبت للسائق وقلت له:لوسمحت انا فلوسي ضاعت واهلي فب البلد اللي انت رايحها,ممكن اركب معاك ولما نوصل اديلك بطاقتي واروح اجيب فلوس من البيت وارجع علي طول.؟؟ فقال:اركبي يا بنتي.. .وتعالت اصوات باقي الركاب كل متطوع لدفع اجرتي .وعندما وصلت اخرجت بطاقتى الشخصية قائلة:5دقايق هارجع لحضرتك بالفلوس .فرد السائق يدى وحلف يمين طلاق بالتلاتة مانا سايبة البطاقة ولا راجعة بالفلوس ..

اليوم وأنا أسترجع هذا الموقف.. أشعر بسخط عظيم تجاه هذا الأحمد .. فقد كان فى منتصف العشيرنات من العمر وكنت صغيرة السن لا أملك الجرأة الكافية للتصدى لأنطاع الحياة من أمثاله.. لو حدث لى هذا الموقف الآن لما ترددت ثانية أن أطلب منه أن يدفع حسابه ويأن عطينى باقى نقودى. ولكن الموقف كان صادما لطفلة لم تتعدى السابعة عشر من عمرها..

والموقف الآخر لسائق البيجو.. هو الأهم هنا.. هذه هى الشهامة المعروفة عن أبناء مصر فى الأجيال القديمة.. أما جيلى وجيل أحمد فهذه الشهامة المزعومة ..أصبحت مجرد أساطير.

28 يوليو، 2008

مرآة قديمة



سئمت هى كل قصص الحب التي لا تكتمل. تعبت روحها الملولة من تكرار سذاجة اللعبة في كل الحكايات. نظرت خلفها ووجدت ان اللعبة نمطية... تختلف الاضاءة و الملابس و الديكور و الاسماء ولكن المضمون متشابه الي حد التطابق. تتكرر في ذاكرتها المشاهد.. بابطال مختلفين.. أود أن أعلمكم بطبعها الاساسي ... «الملل» ... و طبعها الثانوي ... «عشق السباحة ضد التيار».

فهي باختصار مغامرة ملولة .. و ان اردتم بعض الملامح الاضافية اخبركم عنها ... هى طفلة... حنونة.... معطاءة... متدفقة.... دافئة ... محبة للحياة ... وللشجن في كثير من الاحيان ... عنيدة... مرهفة الحس ...



أما عنه.. فهو - بالرغم من إختلاف الأسماء - دائما فارس.. يعشق النساء..(فهى تعشق دور المحظية المصطفاة).. مقدام.. جسور... مختلف .. مثقف.. فنان.. حساس.. غالبا ما يكبرها بسنوات عديدة.. فالنضج الذى تضفيه سنوات العمر على الفارس .. يكسبه رونق شديد الخصوصية..

تدخل هي بكل معطياتها علاقة حب ... فلا يصمد امام تركيبتها الانسانية و الجسدية من تختاره... تبدا الحكاية من شهر عسل متدفق.. هي تحب العطاء... و هو طفل لا يمل من الاخذ الدائم.. خصوصا و ان كل عطاء منها هو نوع مختلف عن مثيله لدي الاخريات. فلديها في روحها دور خلقت لأدائه .. و لكنه لم يتاح لها يوما... كانت هى أم بداخلها.. وهو على الدوام طفل مترقب. والأم عندما تهب طفلها لا تنتظر منه شيئا سوي بنوته .. واذا تمرد هو علي الطفل بداخله و قرر الرجولة ياتي اليها مجددا فقد كانت انثي بكل المعاني.. لم تكن امومتها و انوثتها هو كل ما يحتاجه...اراد صديقا فكانت له كصديق رجل... اراد ندا فكانت له ... وكلما اراد هو ...كانت هي.

يبدا هو في التملل كطبع كل الرجال .. يريد خيانة ليتاكد من صدق مشاعره تجاهها.. وليؤكد لروحه انه لم يصبح طيع لها ..وان لديه مفتاح سري للهروب اذا ما أصابه الملل... فيذهب لأول خيانة.. و يعود مسرعا إلى حضن امه التي كسر مرآتها... فتتلقفه لانها رات الفزع في عينيه .. تغلق عليه ذراعيها.. وتضع ذقنها فوق راسه.. و تغمض هى عينيها كى ينام هو... و تسيل قطرات من الدموع لتبلل راسه ربما تلين...

تمر الاسابيع و يهدأ روع الطفل.. و تصلح هي مرآتها التى كسرت.. فيبقي اثر مستتر لشرخ ليس بالقديم........تراه هي بوضوح و يصعب علي عين الطفل التقاطه... و لكنها راضية بعودته اليها بعد رحلة صحراوية لم يخبرها بها.... ينعما سويا بروح جديدة ... فقد تعمق فيهما الحب وفرد جذوره في قلبيهما بعد خيانة تاكد هو من خلالها من حبه لها و تاكد لها بعودته دامعا مدي انتمائه اليها.

و يعود نهر العسل للتدفق ... وتزدهر الظلال الوارفة التي يحتميان بها من الحياة... فالحياة تعطيك حلمك ان كنت مخلصا له و لكنها تمارس عليك الغواية باحلام اخرى لها بريق مختلف... فيبدا هو فى التململ ثانية... و تتكرر الخيانة.. فهو لا يريد أي مسئولية ...حتي مسئولية اعترافه بالانتماء اليها... سقط عنها حلم الامومة لتبقي هى الانثي و الند...
«لا مسئوليات» اصبحت هي الحالة المشتركة .. هو برغبته وجزعه.. و هي من منطلق ما فيش حد احسن من حد.....

الآن تقف هى أمام مرآتها التى كثرت شروخها المستترة.. ترى ألف وجه.. وألف خيانة .. وصندوق ذكريات أليم .. تمعن النظر فى تفاصيل وجهها فترى بعض علامات العمر قد بدأت فى الزحف اليها .. فلا هى أم ولا هى حبيبة ولا هى حرة ...

رمت هى بمرآتها القديمة وابتاعت أخرى جديدة .. وكطفلة يتيمة تفرح بكل ما هو جديد.. فتحت نوافذها وأمسكت بالمرآه وعلقتها فى بؤرة الأضاءة.. وأستعدت للنظر الى روحها.. واستغربت بشدة عندما وجدت أن ملامحها كانت كما هى ..لم تتغير..