السبت، 20 يونيو، 2009

طوق نجاة


مخدر قوى.. يسلب العقل.. فيرتاح الجسد وتهدأ الروح.. هذا هو الحب الذى أحياه.. ,ولكنى أبداً لا أشجع الإدمان رغم تورطى.. أرفض أن تحركنى فكرة فأصبح عبدة لها. هل حقاً حبك ضار بصحتى؟! هل حقاً غرامك وهم يصنعه تأثيرك على؟ هل أنا فى مرحلة النكران التى تؤكد إدمانى لك؟ هل نشوة حبك فى جسدى هى رعشة إدمان هواك؟ إن لم تكن فى دمى كفعل المخدر لماذا اذا أعود اليك رغم الألام؟ لماذا أعود اليك فى كل مرة محملة بجراح فراقك؟

أريد أن أكتب كل ليلة عنك.. أستبدل دموعى بكلمات.. ربما تكون الكتابة فعل احلال للألم.. وربما لك.. أحيانا تكون الكتابة مؤلمة.. ولكنها ألم مثمر.. ربما أنا أعالج روحى بالكتابة!! طفت على الأطباء والمعالجين النفسيين والمرشدين الروحيين ولم تهدأ جراحى وذات ليلة أمسكت بالقلم ووجدته يريحنى.. يزيح عنى بعض نغزات جراحك الغائرة فى روحى.. استرحت قليلاً وكلما زادت كلماتى وامتلأت صفحاتى هدأ ألمى وكأن هذا الحبر شديد السواد خلق ليبيض الأرواح ويطهرها من الوجع.

أحيانا أكتبنى وأخرى أكتبك وكثيراً يشتبه على الأمرين. فأصير بلا ذاكرة فعليه للكتابة وأبدأ فى ترك حبال أفكارى لشياطين الخيال. هل أكذب أحياناً عندما أكتب ؟! ....نعم .... وربما لا.... ماذا تعنى الحقيقة عند مختلف البشر؟ لماذا أنا تائهة؟ أرجوكم أصفحوا عن شياطينى.. أحلونى من عهودى معكم.. أتركونى لأصبح سعيدة يوماً.. هل أنا أهذى؟... نعم أنا أهذى على دوام علاقتى به.. متى يحل عنى ويرحمنى ضعفى الحزين؟!.. هل هناك أمل فى النجاة؟!! وحدها الكتابة هل دوائى ووحده القلم هو طوق النجاة........ ووحدك أنت سر فنائى.

الخميس، 11 يونيو، 2009

رقص ع الطاير


أصنف رسميا من العبيد.. ولكنى نوع مودرن من العبيد.. فأنا عبدة لمدة ثمانى ساعات على الأقل يوميأ.. وقد تمتد ساعات عبوديتى الى ستة عشرة ساعة يوميا فى المواسم الوظيفية.. وباقى ساعات يومى أمارس فيها حريتى.. ولكن بعد إستقطاع ساعات النوم.. وفى كثير من الأحيان يندرج النوم تحت مساحة العبودية.. حيث لابد من أن أشحن جسدى وعقلى وروحى لعبودية اليوم التالى.. كى أكون عبدة كفء.. أما حريتى المزعومة فتأتى على حساب طاقتى الجسدية المحدودة.. أعيش أزمة حقيقية فى التوفيق بين عملى وحريتى.. فأنا أعشق الحياة.. أحب الإنطلاق.. أهوى الطيران.. أرفض الجاذبية الأرضية.. تطربنى الموسيقى.. أسعد بالغناء (بالرغم من أن غنايا كله نشاز) أما الرقص فهو لغتى الأم.. التى ورثتها عن أجدادى قبل إختراع الكلام.. أتذكر حين كنت طفلة صغيرة.. كنت أتحين الفرص كى ألبى طلبات أمى فى المساء من البقال أو اللبان أو خلافه.. كنت أعتقد أن الظلام يحجبنى عن عيون التاس.. فكنت عند نزولى الى الشارع ومبجرد الإبتعاد لأمتار قليلة عن المنزل.. أفرد ذراعى فى الهواء.. وأجرى .. أجرى .. وأنا لا أسمع سوى صوت موسيقاى الداخلية التى أنتشى لها وبها وفى قليل من المرات قررت الإستمتاع بالطيران عن آخره.. فأغلقت عيونى.. وطرت فى سمائى الخاصة.. وجدير بالذكر أن نتائج الطيران كانت فى هذه المرات القليلة هى الكثير من الخدوش الناجمة عن أصطدامات مؤكدة ببعض الأشياء أو الأشخاص الذين لم تسنح لى الفرص الملائمة للتعرف على هوياتهم.. وكان السقوط على وجهى هو النهاية المحتومة للطيران الليلى.. أما فى النهار - أعنى بالطبع فى المدرسة - كثيرا ما كانت صديقاتى وأساتذتى يعتقدون أن جروحى ناجمة عن علقات ساخنة .. ولكنى أبدا لم أهتم بهذه التفاهات.. فقد كان الرقص أو الطيران هما حلمى.. وماعدا هذا ن الحلمان لم يعنينى ابدا.. وذات مرة فى احدى نوبات الطيران الراقص أو الرقص على الطاير.. استوقفتنى يد حازمة أمسكت بكتفى على غفلة.. فنظرت متأففة لمن فرمل حركتى.. وكانت احدى صديقات أمى.. سألتنى وعلامات الصدمة ترتسم على ملامحها المقلبظة : أنتى بتعملى أيه يا بنت؟ كانت تنظر الى شذرا فلم أدرى بما أجيبها فنظرت اليها بسخط وقلة حيلة وجريت على البيت.. لم يكن سخطى عليها بل على الليل الذى ضللنى وأوهمنى أنى بينى وبين الناس حجاب سيعوق الرؤية..
الآن وبعد مضى أكثر من عقدين على انتهاء طفولتى مازلت أحتفظ بعشقى لليل والطيران ولكن عشقى صار عبء ومازالت أثار اليد التى أمسكت بى لتفرمل حركتى قائمة على كتفى الى الآن متمثلة فى الواجب والمفروض لعبدة مودرن.

الأربعاء، 27 مايو، 2009

التهمة... أنثى!!



توقف التاكسى أمام العمارة التى أسكن بها، نزلت منه وأنا أُمنى نفسى بوجبة دسمة بعد يوم عمل طويل. فقد تعدت الساعة الثامنة مساءاً وأنا مازلت على لحم بطنى منذ الصباح الباكر. مشيت بخطواتى الواسعة فى الممر الطويل وشعرت بظل يتبعنى. دخلت مدخل العمارة وقفت فى إنتظار المصعد، تبعنى الظل وكان لفتى فى أوائل العشيرنات لم أراه من قبل، أستنتجت انه ربما يكون عامل توصيل طلبات أو صبى مكوجى أو عامل فى أى من المحلات المحيطة بنا. دخلت المصعد ودخل خلفى. كان شاب مصرى عادى جداً وقف أمامى - مواجهاً لى - فى المصعد الضيق وشعرت أن عينيه تتفحص فتحة القميص لتخترق صدرى. فطالبته أن نتبادل الأماكن لأنى سأنزل فى الدور الرابع وهو أول الأدوار التى يقف عندها المصعد.

أوليته ظهرى وأنا أحمد الله أن سأحظى بحمام ساخن فى خلال بضع دقائق ليزيح عنى إرهاق يومى. توقف المصعد فى الدور الرابع وكنت أستعد لفتح الباب الخشبى فاذا بيد الشاب تقتحم مؤخرتى وانا أخطو أول خطواتى خارج المصعد. إستدرت له وشرر يتطاير من عينى ويداى مشلولتان ومشغولتان بحقيبة الكمبيوتر الشخصى وحقيبة يدى... صرخت فى وجهه بكل ما أُستطاع لى من قوى فى هذه اللحظة. أخذت أسبه والعنه وأتوعده وأهدده. رميت حقائبى من يدى وأمسكت به من قميصه وصرخت أستنجد بجيرانى.

تشبثت بتلابيب الشاب وفى ذهنى أن أصطحبه الى قسم الشرطة ولكنى بحاجة الى شهود وأحد من جيرانى لم يفتح بيته وكان معى Self Defence ولكنى أعلم أن أستخدامه غير قانونى. وللأسف لم يسعفنى أحد من جيرانى الأعزاء ولم يكن لدى الوقت الكافى لإخراج ال Self Defence من حقيبة يدى وفلفص الشاب من بين يدى الضعيفتين. وكان يبدو عليه عدم تصديق رد فعلى. ربما قام بنفس الفعل مع الكثيرات من قبلى ولكنهن تقبلنه من باب الضعف أو الخجل أو قله الحيلة. خلع الشاب شبشبه ووضعه تحت أبطه وأخذ السلالم جرياً. منعتنى سرعته الرهيبة و ارهاقى وذهولى والكعب العالى الذى أرتديه من أن أتبعه، ناديت على محمد البواب كى يسعفنى أو يلحق به وجاوبنى صدى صوتى المفزوع.

جمعت حقائبى التى تمزقت و تبعثرث محتواياتها على الدرجات ودخلت منزلى فى حالة ذهول. ألهذه الدرجة وصل بنا الحال فى مصر ؟!هل أخترق التحرش البيوت التى يُحكى -فى الأساطير- أنها كانت آمنه ذات يوم؟!!.. ما آلمنى عن حق هو رد فعل جيرانى فلم يفتح أحد منهم بابه!! أين هى تلك الشهامة والرجولة المزعومة و التى باتت من فعل الخيال!!!. دخلت غرفة نومى وكأنى مخدرة خلعت ملابسى عنى ووقفت عارية أمام المرآة أنظر الى جسدى.. الى تهمتى ومصيبتى... فلمجرد انى أنثى فأنا مباحة للتحرش. ما حدث معى فى المصعد وما يحدث مع كثيرات غيرى فى الشارع والمدرسة والعمل والمترو والأتوبيس والحرم الجامعى وفى كل مكان حتى فى دور العبادة ليس مجرد تحرش فالتحرش يكون لفظى أما عندما يتطور للمس فى مناطق حساسة فى جسد الأنثى فهذا هتك عرض.. لقد تم هتك عرضى فى داخل بيتى ماذا لو كان هذا الشاب الذى تحرش بى يحمل سلاح أبيض ؟!هل تكون هذه هى نهاية حياتى!! هل حياة الفرد منا تافهة وهينة الى مثل هذه الدرجة!!

لم أغطى جسدى أو جريمتى وخرجت عارية -ربما كانت حيلة نفسية فى اللاوعى لأثبت لنفسى أن جسدى ليس جريمة أعاقب عليها - الى غرفة المعيشة وجلست أمام التليفزيون - كما المنومة مغناطيسياً - أنظر اليه تاره والى الطعام تارة. أستعيد ما حدث لى. . ذلك اليوم كنت أرتدى بنطلون جينز وقميص بأكمام طويلة والحقيقة أنه لا يهم ما كنت أرتديه. فالأنثى فى بلدنا الحبيب مدانة مهما كان غطاء جسدها.. كنت قد تابعت على الأنترنت قضية تحرش تقدمت بها فتاة منقبة الى قسم الشرطة وصدمت الفتاة عندما قال لها الظابط المسؤول: وأيه يعنى لما تتعاكسى.. الشباب بيرفع من معنوياتك!!!

الأنثى بجسدها فى ثقافة الشارع المصرى الحديثة أصبحت صديقة للشيطان. ان كانت جميلة فمصيبتها مصيبة فالأجيال الجديدة -للأسف - تربت على القبح. ان كانت الفتاة غير محجبة فهى فى نظر كثير من الشباب تطلب منهم بشكل مباشر أن يتفحصوا جسدها فلما لا وهى التى أباحت نفسها لهم!!
وان كانت محجبة فدائما ما يعلق الشباب: والنبى ده حجاب برده؟ بص دا ملزق على كل حتة فى جتتها ازاى!!
وان كانت منقبة يكون التحرش جبر خاطر وغالبا ما يقول الشباب: دا تلاقيه راجل ومتنكر!!! أو تلاقيها بتشتغل فى الدعارة ومتداريه فى النقاب!!

مرت على الساعات وأنا فى نفس المكان غير قادرة على الحركة غارقة فى دموعى التى تؤكد ضعفى وقلة حيلتى وأضطهادى فى بلدى. هاجمتنى فكرة أنى ضعيفة ورفضت أن أستسلم لها فنهضت مسرعة وأرتديت ملابسى ونزلت الى الشارع كى أبحث عن ذلك الشاب فى كل الشوارع والمحلات المحيطة بنا وأن أصطحبه الى قسم الشرطة. ليس فقط من أجل أن انتقم لضعفى بل كى لا يتمادى فى هتك عرض غيرى من الفتايات. قابلت محمد البواب الذى سألنى:
- هو حضرتك كنتى بتصرخى من ساعة كده؟
- يعنى أنت سمعتنى بأصرخ وما كلفتش نفسك تطلع تعرف فى أيه؟!
- لا والله يا أستاذه أنا كنت باجيب طلبات للسكان ساعتها
- أمال عرفت منين انى كنت باصرخ؟
- الحاجة سناء جارتك سمعتك بس خافت تفتح لأحسن يكون حرامى ولا حاجة
- قول للحاجة سناء شكراً على أصول الجيرة .. وقولها دا الرسول اللى هى حجت له وصى على سابع جار. وأنا باقولك إن لو أى مصيبة حصلت فى العمارة دى انت أول واحد هاتتساءل عليها ..أحنا بندفعلك فلوسك علشان تحرسنا وتحرس بيوتنا

بحثت عن ذلك الفتى وكأنى أبحث عن أبره فى كومة قش...عدت بعد نصف ساعة منهكة القوى الى بيتى الذى لم يعد آمن بعد ذلك الحين وأغلقت على بابى ورفضت السماح لإحساس الضعف أن يتسلل الى روحى. فلابد أن تتسلح جميع نساء هذا الوطن بالشجاعة لمكافحة العنصرية التى يعانين منها. أليست العنصرية هى تعصب لجماعة أو ضدها على أساس العرق أو الدين أو النوع أو اللون واضطهادها.. أعلن أنى مضطهده فى وطنى لأنى ... أنثى..

الثلاثاء، 12 مايو، 2009

حلم...



صعدت السلالم الخشبية، رافعة كعب حذائى العالى قليلاً الى أعلى، كى لا أحدث صريرا بدرجات السلم المتآكلة. كان المكان غارقا فى الصمت...خشيت ألا أجده... دخلت غرفته بهدوء، ورأيته غارقاً فى رمادية مكتبه، يجلس بهدوءه المعتاد، يتحدث فى التليفون. بُهت من شعيراته البيضاء التى أتسعت سطوتها على رأسه.. وهالتنى نحافته. أغلق الهاتف دون استئذان, ونظر فى عينى بحب صامت.. بادلته النظرة بأخرى فرحة برؤياه. أغلق الهاتف، وسألنى إن كان نائماً... جاوبته نفياً، وأقتربت من خده أقبله، فناولنى الآخر فى لهفه, ورفع عينيه الكحيلتين الدابلتين وقال:
- أنا ما نستكيش ولا لحظة
ضممته الى صدرى، وتحسست عظامه الناتئة ... غصت فى رائحته العتيقة - التى أتعرفها على بعد مئات الأمتار ككلب بوليسى مدرب - هى سنوات عمره وعطره الكلاسيكى وعرق حميد محبب الى ممتزجين فى عبق الروم الذى يهواه. جمعت قواى كى لا أتوه ثانية فى متاهاته التى لا أول لها ولا آخر، وسألته عن الفترة التى لم أراه فيها منذ فراقنا. فجاوبنى بأن أوجاع الدهر لا تختصر فى سؤال عابر. أغمضت عيونى وأرتميت فى أحضان حلمى الذى فقدته منذ أمد.

وسمعت صوت ابنتى ينادينى॥ فتحت عيونى وأنا تائهة وحزينة وجدتنى فى سريرى وذراع زوجى الضخمة تطوقنى وشخيره يصم أذنى ورائحته تحاصر أنفى وصراخ ابنتى -التى هجرت حبى منذ سنوات كى انجبها- يعلو تدريجيا.. نهضت من سريرى دون أن أدرى أيهما كان حلماً... وأيهما مازال كابوس।

الخميس، 30 أبريل، 2009

فى عشق الصفيحة



فى الصف الدراسى الثالث الأبتدائى عرف لنا أستاذ إبراهيم أستاذ اللغة العربية والمواد الأجتماعية الوطن بأنه مكان إقامة الأنسان ومقره، ولد به أم لم يولد.. واستنتجت حينها أن مصر هى وطنى. وعشت فى طفولتى ومراهقتى أردد «مصر هى أمى نيلها جوا دمى، شمسها فى سمارى شكلها فى ملامحى، حتى لونى قمحى، لون خيرك يا مصر، مصر.. مصر» ولكن بانتهاء دراستى الجامعية تلاشت أوهامى وصدمت بواقعنا الفج، لم أجد مصر هى الأرض التى أستطيع العيش بها أو عليها. فتطلعت لوطن آخر يحضن أحلامى البكر, أرض تحقق لى سعادتى المرجوة، وكانت أمريكا هى أرض الأحلام فى ذلك الحين. وصرحت للجميع بأنى خلقت لأكون أمريكية، فلا يوجد فى أرضى الحالية من يستطيع تفهم عقليتى الفذة، وأطلقت على مصر اسم «الصفيحة». آشارة الى صفيحة الزبالة. فهي مستنقع الشكاوى حيث الفساد بفروعه المتنوعة والفقر والقهر والبطالة وتدهور الأخلاق العامة لصالح الماديات، نعم نحن أصحاب حضارة عريقة ولكنا للأسف لا نملك مستقبل مشرق ولا مال ولا بشر. وحدهم المصريين يشيرون الى مصر بأم الدنيا. ولكنى أبداً لم تربطنى بأمى «التى هى من لحم ودم» علاقة حميمة. فحدثتنى نفسى: اذا كانت أمى اللى هى أمى بجد مش واخدة بالها منى.. فما بالك بأم من حجر.. وكان الرحيل الى أرض الأحلام

رحيلاً رحيلاًًًً بغير هوادة
رحيلاً فإن الرحيل سعادة
عبادة
إرادة
سيادة
ولادة

فى أمريكا عشت فى غاية السعادة والأنطلاق. ففى أرض الأحلام كانت تكمن مفردا ت سعادتى.. حيث العمل الجاد والمال والحرية والديموقراطية والأصدقاء وراحة البال... عشت مأخوذة من النظام والنظافة والحياة السريعة الصاخبة والدولارات وكافة أشكال الأنطلاق تماما كما حلمت بها.. ونهلت من مصدر سعادتى لأشهر طوال. كنت أستيقظ فى الخامسة صباحا أستقل الأتوبيس الى مقر عملى.. الذى يبعد بساعتين عن سكنى. أعود فى الثامنة مساءا منهكة القوى.. أهاتف أصدقائى يومياً للخروج والتنزه والمشاركة فى الحياة الثقافية فى قلب عاصمة المال والحرية. ولكن بعد عده أشهر تبدل حالى فلم أعد أقوى على الخروج حتى فى الأجازة الأسبوعية. فقدت متعة السهر.. وأصبحت أمل الأماكن خصوصا الصاخبة منها. حتى الأعمال الفنية وجدتها فاترة شديدة البعد عن ذوقى، بمرور الوقت أصبحت أرى الحياة مملة وروتينية.. كل شئ متشابه.. طعم الحياة ماسخ.. الوجوه متشابهة، الطعام بلا مذاق، والعمل مرهق، ولا رحمة فى أرض الأحلام، وعلى أى فرد أن يكون متيقظ طوال الوقت. فقدت عزيمتى التى هى كل رأس مالى. أصبحت متجهمة دائما وأبدا.. أشتقت لأمى -برغم قسوتها- أشتقت لأخوتى ، بدأ الحنين يأكل قلبى. تكاسلت عن كل شئ. الا عن العمل. ولكنى كنت أؤديه بفتور واضح. أصبحت أعود من العمل أستلقى على الأريكة أمام التليفزيون حتى يغلبنى النعاس.. لأستيقظ فى الصباح التالى - بعد ليالى يملأها الأرق - لأؤدى عملى بلا همة.
قلت أنشطتى الأجتماعية تدريجياً الى أن أنعدمت. فنصحنى أحد الأصدقاء بعد أن أصبحت منعزلة تماما بداخلى بزيارة طبيب أمراض نفسية للحديث معه. واستجبت بلا حماس. وبعد جلسات معدودة نصحنى الطبيب بالعودة الى بلادى لأنى أعانى من حالة متقدمة من الإكتئاب سببها الحنين الى الوطن. ضحكت مستنكرة وأخبرته أنى أبدا لم أشعر بالإنتماء الى بلدى وأنى أطلق عليها اسم الصفيحة فأخبرنى أن البشر فى كثير من الأحيان لا يعرفون قيمة الأشياء و الأشخاص والأماكن الا عند فقدها أو الإبتعاد عنها ونصحنى بالعودة فى أجازة قصيرة الى الصفيحة وبعدها أتبع أحساسى أينما يقودنى.

زرت مصر فى أجازة قصيرة وبدون أي مقدمات وبلا أى سبب يذكر عادت الى طبيعتى التى تاهت منى فى شوارع نيويورك. عادت الى ضحكتى التى فارقتنى وأنا غافلة عنها. وجدت سعادتى المفقودة. مازالت كل الأشياء التى عانيت منها فى مصر على سابق عهدى بها. ولكن أحساس الألفة بالأشياء والوشوش أعاد لى طمأنينة لا وجود لها على أرض الأحلام. أصبحت أنام ملئ جفونى دون أن أخشى شئ. عادت روح الفكاهة الى كلماتى. شعرت وكأن روحى المسلوبة قد ردت الى بعد موات طال وسخف. أيقنت حينها أن أمريكا هى حقاً أرض الأحلام ولكنها أحلام مستنسخة.مرتبطة داذما بالأشياء أما الإنسان ففقد قيمته الحقيقية وأصبح مجرد ترس فى ماكينة الرأسمالية الأمريكية التى تعزز «دولة الرفاهية» المدارة بالقروض الميسرة والتى تسهل شراء كل شى, حتى الأجازات تقضى بالقروض. ثم يربط الفرد فى ساقية السداد الى نهاية العمر .. دائرة لا نهاية لها. وبمجرد دخولها يصبح الفرد مجرد ترس فى ماكينة عظمى و لا يملك حق التوقف متى شاء.

فعدت نهائياً الى الصفيحة وكلى حنين وحب.. كقطة شريدة وجدت قوتها ومأواها فى الصفيحة


احبها وهي مالكه الأرض شرق وغرب
وباحبها وهي مرمية جريحة حرب
باحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء
واكرها والعن أبوها بعشق زى الداء

ومرت سنوات عديدة وظهرت فى الأقق العالمى محطة جديدة للأحلام.. عاصمة جديدة لرأس المال, ولكنها هذه المرة عاصمة عربية.. دبى.. فهاجر طيور البيزنس الى عش جديد وطرت مع سرب الحالمين أصحاب السترات الأنيقة وأربطة العنق باهظة الثمن. دون أن يغلبنى الحنين, هذه المرة أنا فى أرض أحلام شقيقة، على الأقل سأنعم بالحديث بلغتى الأم. و بعد ثلاثة أشهر -رغم المال الوفير الذى كنت أتقاضاه- ويصرف بأكمله على الحياة باهظة التكاليف. كنت أسير فى الشارع - رغم حرارة الجو الخانقة - وأنا أصرخ:
- عايزة اشوف تراب.. عايزة أشوف مبانى قديمة.. عايزة أشوف زبالة علشان أتأكد أنى عايشة.. هو احنا عايشين فى«فيديو جيم»..؟! هى الحياة دى حقيقية؟!.. كل حاجة حواليا بلاستيك.. مافيش روح ؟!!

كنت أشعر كأنى أعيش داخل فيلم «ماتريكس» كل شئ غير حقيقى.. وكدت أجن من البشر المسحوبين فى دوامة الماديات حيث كل شئ له ثمنه.. أحلام البشر لا تتعدى الحلم ببيت وسيارة وأجهزة اليكترونية حديثة ويخوت وسهرات.... وفقط
أفتقدت كل أصحابى.. أفتقدت شوارع القاهرة العتيقة.. وبالأخص شوارع وسط البلد... الكنائس.. الجوامع.. كلاب الشوارع الضالة التى تؤنسنى وأنا عائدة الى بيتى.. قطط العمارة التى تعيش على صفائح القمامة .. وجوه المصريين المميزة والملفوحة بلون الشقاء... أشتقت للأسكندرية ومرسى علم وسيناء.. أشتقت لتفاصيل طبيعة بلادى التى هجرتها لأعيش فى مبانى مكيفة على مدار أربع وعشرين ساعة
فهجرت -دبى- هذه المدينة المستنسخة التى يتباهى قادتها بتكديسها ب «أفعل التفضيل» فى العالم دائما. فبها «أعلى» ناطحة سحاب فى العالم و «أكبر» مجمع تجارى و «أضخم» مدينة ملاهى و «أمهر» الأقتصاديين و «أوسع» صالات المؤتمرات و «أضخم» الفنادق فى العالم ... إلخ من الأعظم والأفضل فى العالم. وهربت قبل أن تدهسنى عجلاتها الى مصر -وطنى- وأنا مليئة بيقين الحب والإنتماء هذه المرة.. فمازلنا -نحن المصريين - بشر لنا طابعنا الخاص وهويتنا الفريدة.. قاطعت المطاعم والمنتجات الأمريكية.. وكرهت العولمة والرأسمالية التى مسخت معالم الشعوب.. لتقربها من الحلم الأمريكى الذى أكتشفت أنه ليس سوى كابوس دائرى يصعب الفكاك منه

الآن أفخر عن أيمان بأن مصر هى وطنى. ولكن للوطن تعريف خاص فى تجربتى الشخصية فهو الأمان والألفة وأنتماء الأفكار وأنتعاش الروح وليس هو مقر أقامة الفرد كما علمنى أستاذ إبراهيم مستندا الى تعريف المعجم الوجيز التابع لمجمع اللغة العربية فى طبعتة الخاصة بوزارة التربية التعليم

الآن عن يقين أسلم مع العظيم «صلاح جاهين» بأن:

شبكة رادار قلبي جوه ضلوعي مظبوطة
على اسم مصر

الخميس، 23 أبريل، 2009

مفتاح الحياة



دخلت القطار الإسبانى المتجه الى الأسكندرية وأنا أبحث بعينى عن مقعد خالى. ولكن القطار كان كامل العدد كما أبلغنى موظف شباك التذاكر. فآثرت التوجه الى البوفية مباشرة قبل أن يصبح كامل العدد هو الآخر. ولكنى أكتشفت أنه لا توجد به كراسى, فالبوفية المذكور ليس سوى عربة تخصص للثلاجات وسخانات المياه ولعمال البوفية وللتدخين. وبمجرد دخولى هذه العربة وصلت لأذناى معاكسة لطيفة غير مستفزة من عامل البوفيه الخمسينى وآخر فى أوائل العشرينات. نظرت الى الفتاة الجميلة التى تجلس على طاولة معدنية بجوار النافذة العريضة وقالت باسمة: بيعاكسوكى ..الحقى!!!
كنت اتخبط فى الممر الضيق لباب العربة بحقيبتى الكبيرة وأشيائى الكثيرة التى أحملها وجاوبتها بأنى لم اتبين المعاكسة جيدا ووقفت أعدل حالى فقال العامل الكبير: - أصلنا بنحب القطط قوى
ابتسمت للطفه ولم تزعجنى معاكسته بل أطرت على مما شجعنى أن أسأله:
- أنا بادور على مكان أقعد فيه
وقبل أن أكمل جملتى أجابتنى الفتاة التى يبدوا أنها تعمل فى محطة السكة الحديد: نعمل مكان للقطط تقعد فيه
وجاء العامل الخمسينى بصندوق معدنى ووضعه بجوار الطاولة التى تجلس عليها الفتاة أمام النافذة.. سأطلق على الفتاة اسم برلنتى.. لأنها كثيرة الشبه ببرلنتى عبدالحميد.. بيضاء.. ملفوفة القوام.. ممتلئة بعض الشئ.. غائرة العينين لها خدود وافرة وشعر بنى قصير ناعم.. ترتدى تنورة سوداء قصيرة الى الركبة وقميص حرير أحمر قانى لامع ومن فوقه بلوفر أسود صوف.. تضغ قليل من المكياج وتبدو شخصيتها القوية المرحة واضحة فى طريقة كلامها
جلست على الصندوق المعدنى بعد أن وضعت عليه البالطو الأسود كى يحمينى من برودة الحديد.. وأخرجت رواية «تغريدة البجعة» لمكاوى سعيد من حقيبة يدى وكان بين صفحاتها « Book Marker» أو محدد لصفحات الكتاب من النحاس على شكل «مفتاح الحياة» فتحت الكتاب وأمسكت بمفتاح الحياة الذى ترددت كثيرا فى شرائه.. فقد رأيته أول مرة فى مكتبة ديوان بالزمالك . أمام الكاشيير وأنا أحاسب على مجموعة من الكتب.. استوقفتنى رقة صنعه.. فقد كان مصنوع من النحاس الأصفر والأبيض متداخلين يربط بينهما سلك نحاسر رفيع.. أغرمت به ونظرت الى ثمنه، وكان ستون جنيهاً.. ترددت فى شرائه وحسمت أمرى فى أن أتركه لصاحب نصيبه بعد أن راجعت ميزانيتى التى أخربتها لهذا الشهر.. وزار «مفتاح الحياة» خيالى فى كل مرة أستخدم المحددات الورقية لتعليم صفحات الكتب التى أقف عندها.. وظل يظهر لى فى كل مرة أدخل بها مكتبة «الديوان» الى أن قررت شرائه بالرغم من الستين جنيهاً.
رفعت رأسى لأجد شابين إيطاليين يدخلان العربة.. فهما زميلان لا مكان لهما فى القطار.. قابلهما العامل الكبير الذى سأطلق عليه «عم محمد» بود شديد وأخذ يؤكد للعامل الصغير الذى سأطلق عليه «ملاك» بأنهما صديقاه.. وأنهما يسافران معه فى كل أسبوع فى نفس الميعاد .. بدأت برلنتى التى تفرض قوتها على الجميع تتحدث الىهما بود.. طلبت شاى بالنعناع من عم محمد.. وبدأ ملاك يجهز العربة المتحركة التى سيجول بها فى القطار كى يلبى طلبات الركاب.. ودخل شاب صغير يبدو أنه فى السنوات الأولى العسكرية.. نحيف.. طويل جداً.. يرتدى زى الكلية الحربية.. حليق الرأس والذقن.. يحمل فى يده كيساً بلاسيتكية من الحجم الكبير مليئ عن آخره بالشيبسى والبسكويت والكاراتيه والمولتو فبادرته برلنتى التى تثبت انطلاقها وقوتها وسط هذا الحشد من الرجال:
- انت رايح حضانة ولا أيه!! قالت مازحة
فرد عليها بسخافة واضحة وهو يتصنع وجه طفل غتيت وقال:
- أيوا رايح الحضانة
صدمتها سماجته ولكنها آثرت عدم الرد عليه ودخلت فى حوار مع عم محمد لاحظ ملاك الموقف فسارع بالتوجه الى «الظبوط الصغير» وقال:
- حضرتك تشرب أيه يا كابتن؟!
- أنا مش هاشرب حاجه وأنا مش كابتن
تدخل عم محمد وقال: - طيب اتفضل يا أستاذ امشى من البوفيه لو مش هاتشرب حاجة
رد «الظبوط الصغير» متبجحاً: - يا سلام .. هو الناس اللى واقفين هنا دول كلهم بيشربوا حاجات؟
قال عم محمد:- حضرتك بتاكل فى مكان المفروض انه بيقدم أكل. أنت ينفع تدخل مطعم ومعاك شنطة أكل؟! دا يا أستاذ مطعم
فرد «الظبوط الصغير» بسفالة وتحدى: لأ مش هاطلع.
تدخلت برلنتى وقالت: - تعرف انك قليل الأدب وأنا بقى اللى هاخرجك من البوفيه لو مالمتشى نفسك
صرخ بها الظبوط الصغير بصوت خرج مشروخ متقطع:
- انت ازاى بتكلمينى كده وهو يشوح بيديه فى وجهها
تدخل الجميع وعلت الأصوات وتشابكت بعض الأيدى.. لتمنع ملاك من الوصول الى الظبوط الصغير الى أن أرسلت السماء ظابط «بحق وحقيقى» يزدحم كتفيه بالنجوم والدبابير والنسور الى آخره من العلامات الذهبية التى لا أفهم دلالتها ودخل العربة وسحب الظبوط الصغير بهدوء الى خارجها بعد أن استمع الى رواية عم محمد.. وبعدها علت الأصوات فى العربة لإناس لا أرى معظمهم من مكانى:
- يا لهوى أمال دا لما يتخرج ده هايعمل ايه فى البشر؟!
- هما بيعلموهم فى كليتهم أنهم أحسن من باقى البشر
- اللى له ضهر ما يتضربش على قفاه!!
- أنا -والله العظيم تلاتة- الواد أخويا الصغير بيجى لغاية النهاردة يلبسنى الجزمة .. أخويا ده رائد دلوقتى

عدت الى «تغريدة البجعة»: المشحونة لدرجة الضجيج بهلاوس مصطفى - بطل الرواية والراوى - وهلاوس المجتمع، بشيزوفرانيا مصطفى ومجتمعه، حتى ليتساءل مصطفى ـ وأنا معه ـ من هو المصاب بالشيزوفرانيا حقيقة، نحن أم المجتمع الذي اندعك كسيارة خارجة لتوها من حادث مأساوي ـ كما يقولون ـ فلم يعد بالإمكان فصل السيارة عن راكبيها، ولم يعد أحدنا يعرف حقيقة ما إذا كانت هذه البقع التي ترسم لوحتها العبثية على السيارة هي تقيحات من طلاء قديم للسيارة أم من تجلط الدم على الأنسجة الهشة لراكبيها...
لامست يدى «مفتاح الحياة» وقبضت عليه فى يدى.. وكأنى أؤكد لنفسى أنى أمتلكه الآن عن حق.. لأنه كان قد هرب منى بعد شرائه مباشرة.. فبعد خروجى من «الديوان» فابلت نوارة صديقتى فى «سيلنترو» شربنا القهوة سويا ودردشنا فى حكايتات البنات وأوصلتنى بعدها الى منزلى بسيارتها ونسيت بداخل سيارتها الحقيبة الورقية التى بها الكتب الجديدة ومفتاح الحياة .. ظننت أنه يهرب منى.. أو كأنى ليس مكتوب على أن أملكه

عدت الى تغريدة البجعة وغصت بعيدا جداً فى عالمها:
« تخليت مؤخراً عن عمل توازونات بين الشر والخير، فكل ما أريده خيراً ينقلب على شراً محضاً.. أحس أن ملاك اليمين عندى عاطل عن العمل.. أنا من أنصار المدرسة القديمة فى الدراما.. أن يكون هناك جانب خَيّر وجانب شرير، وأن يحدث بينهما صراع ينتصر فيه أحدهما على الآخر، وأعتقد أن الدنيا كلها بنيت على هذا الصراع، وأنه بلا وجود للشر لا وجود للدنيا من أساسها.. بقاؤنا يعتمد على الصراع. وصراعنا من أجل البقاء.. وهكذا ندور فى حلقة مفرغة..»
وشعرت بمفتاح الحياة يسقط من يدى لمحته وهو يقع بين الصندوق المعدنى الذى أجلس عليه وبين حائط العربة تحت النافذة الزجاجية الكبيرة .. كنت منغمسة فى أحداث الرواية .. فحدثتنى نفسى أن ألتقط مفتاح الحياة لاحقاً قبل نزولى من القطار وعدت للرواية
وقاطعنى صوت عم محمد:
- القطط تشرب حاجة تانى؟
- نسكافيه بعد إذنك..
ورفعت رأسى لأجد حولى أناس كثر يدخنون ويتحدثون.. الشابان الأيطاليان يتحدثان الى «الظبوط الصغير» -الذى يقف بسلام فى العربة» بأنجليزية ركيكة وبرلنتى وملاك يمرحان بالكلام.. الآن أرى ملاك عن قرب.. ممتلئ بالحياة وبالدهون أيضاً.. خفيف الدم له ضحكة طفولية ذات رنين حاد.. يخبر برلنتى أن لديه أحدث الأفلام السينمائية على «الهارد ديسك» تتحايل عليه أن يعطيها نسخة من الأفلام.. تطلب منه أن يصورها بهاتفها المحمول كى تضغ الصور على «الفيس بوك» لا يملان من الضحك.. يمسك بهاتفها لآرى صليب موشوم على معصمه.

هممت بالتقاط «مفتاح الحياة» فى نفس اللحظة التى أتى فيها عم محمد بالنسكافيه ووضعه أمامى .. تذكرت حين قررت وأنا فى عامى الأول الجامعى أن أشترى سلسلة على شكل مفتاح الحياة.. وكنت أرتديها طوال الوقت حول رقبتى.. وكانت أمى توبخنى عليها كثيراُ وكانت ترفض أن أرتديها لأنها تشبه الصليب.. وهكذا سيظن الناس أنى مسيحية... مما سيوقف حالى

حاولت جاهدة أن أتذكر كيف تخليت عن مفتاح الحياة ومتى فارق رقبتى ولكن لم تسعفنى ذاكرتى.. كل ما أذكره أنى كنت أرفض أن أتخلى عنه مهما كان الثمن.. أين هذه السلسلة الآن وكيف ضاعت؟ لا أدرى

سمعت ضجة من حولى.. ورأيت الركاب يحملون حقائبهم استعدادا للنزول فى محطة سيدى جابر التى قاربت فسألت عم محمد ان كانت وجهتى أقرب لسيدى جابر أم محطة مصر فـأخبرنى أنى على أن أهم بالنزول فى المحطة القادمة
ما كنت قد دفعت حسابى بعد فأسرعت بإخراج النقود من حقيبتى ولملمة أشيائى وأخذت البالطو وحملت حقيبة سفرى الضخمة وتناولت باقى حسابى من عم محمد وهو يودعنى:
- أحلى سلام للقطط
وقفت فى الصف الطويل أنتظر النزول من القطار.. وصلت محطتى النهائية وسرت أبحث عن سلالم الخروج وما أن تحرك القطار حتى تذكرت أنى نسيت أن ألتقط «مفتاح الحياة» الذى سقط منى تحت نافذة القطار.

الأحد، 19 أبريل، 2009

الحجيجة

آه ما أقسى الجدار
عندما ينهض في وجه الشروق

سمعت هذا البيت من قصيدة حكاية المدينة الفضية لأمل دنقل، وأنا أسير فى الممر المؤدى الى غرفتى فى المدينة الجامعية. كان الصوت خارجا من غرفة رقم 12، التى تسكنها بعض الزميلات. دخلت الغرفة على الفور دون أستئذان، فقد كان -ومايزال- الشعر نقطة ضعفى. وجدت فتاة صعيدية واثقة فى نفسها تلقى الشعر على شلة من الفتايات. وبعد الشعر طال حديثها عن حلمها بالصحافة. وحكت أنها تعمل فى إحدى الصحف الأسبوعية. ولم تكن أعمارنا تتعدى السادسة عشر فى ذلك الوقت.

أستوقفتنى هذه الصحفية الصعيدية الجميلة بقوة شخصيتها وأصبحنا صديقتين. كنت فيما بعد أتحين الفرص بعد العشاء والتمام المسائى وأذهب الى حجرتها فى المبنى الرئيسى، وهو نفس المبنى الذى أسكن به. أغرمت بحكاياتها عن الصعيد وأهله وعن أخيها الطبيب والشاعر الذى إختصته بمعظم الحكايات.. روت له وعنه أشعاراً.. أحببته من ذكريات طفولتها ومراهقتها معه. حفرت هذه الحكاية -على لسانها- ملامحه الأنسانية فى خيالى:
فى يوم رجعت من المدرسة فى غاية السعادة.. بتنطط من الفرحة.. سألنى أحمد أخويا عن السبب فحكيت له:
-النهاردة مدرس الرياضيات حط مسألة صعبة قوى على السبورة وقام ولد يحلها وما عرفشى... راح المدرس مشاور لى وقال لى قومى انت حليها.. وحلتها صح فقال الأستاذ للولد:
-مش عيب عليك وقفتك دى.. بص دا البنت حلت المسألة!!!
وسألنى أحمد وأنت مبسوطة أنه قال كده؟
-طبعاً
-يا حبيبتى الجملة دى معناها: شوف دا حتى الكائن اللى أقل منك حلها.. وأنت مش أقل ذكاء ولا مقدرة من الولد علشان تفرحى بالجملة دى.. أنت زيك زى الولد وأحسن كمان.. أوعى تخلى حد فى يوم من الأيام يحسسك انك أقل منه علشان انت بنت.

أيدنى أحمد -دون سابق معرفة شخصية- فى رفضى للمعاملة التى أتلقاها كفتاة فى بيئتى الريفية التقليدية التى تفرق بين الولد والبنت. أيدنى -فى كافة حكايات أخته عنه- فى معان وقيم أخرى طالما حلمت بها فى الحياة. فأحببت -دون تردد- هذا، الطبيب، اليسارى، الصعيدى،المثقف، الذى يعيش حياته بالطب والناس والأدب

وفى يوم قالت لى صديقتى: أحمد مسافر بكره ليبيا وهايعيش هناك.. وهو هنا النهادرة فى القاهرة لآخر يوم.. تعالى أعرفك عليه.
تزينت لأقابل فارسى أحلامى.. الذى أعرف عنه الكثير, وهو لا يعرف عنى شئ. وذهبت معى صديقتى الى قهوة فى وسط البلد، وهناك شاهدته.. كان أسمر بلون الجنوب.. مديد القامة بكبرياء.. له ملامح حادة.. توحى ببعض القسوة ولكن نظرة عينيه بها سر ضعفه وحنينه.. لمحت فى عينيه الهموم.. هموم خاصة.. هموم أسرية.. هموم وطن بأكمله، و ألم مستتر خلف نظرة عينيه المنطلقة.

تعارفنا ببساطة وبعد فترة وجيزة، حان موعد أغلاق بوابة المدينة الجامعية وأسرعت أخته تستعجلنى. وأحمد سيسافر غداً الى ليبيا ولا خطة لرجوعه فى بحور السنوات القادمة.. اذا هى فرصتى الوحيدة لأعرفه اليوم ربما لن أراه حتى مماتى.. فقررت البقاء مع أحمد ولتذهب قوانين المدينة الجامعية الى الجحيم.. وطلبت من صديقتى أن تمضى بالنيابة عنى فى دفتر التمام المسائى حتى لا يفتضح أمرى. وسأهيم على وجهى حتى الصباح الباكر مع حلمى الخاص فى شوارع القاهرة.

ذهبنا الى بار «على بابا» وكانت أول مرة أدخل بار. جلست أمام أحمد بجثته الضخمة,كتلميذة ترقب أستاذها عن قرب. كان يشرب البيرة دون أن تمر على لسانه. يرسلها فى جرعات الى حلقه. سألته ببراءة:
- أنت بتحب طعم البيرة؟
-الحجيجة «الحقيقة» لأ.. مرارة البيرة بتنسينى مرارة الحياة وجسوتها «قسوتها»

أستمعت الى حكاياته عن أمه.. أبيه.. أخوته البنات.. دراسته فى كلية الطب.. أحلامه فى عالم مليئ بالحب.. جنونه.. لم يخجل فى فتح قلبه لعابرة سبيل فى دنيا الهوى. كلانا يعلم أنها ليلة واحدة.. حكى عن كل شئ.. حكى عن خطيبته.. عن حلمه فى الحياة.. تقاربنا.. كنت أعرفه جيداً. لم يكن غريباً عنى. كنت أكمل عنه حكاياته وكأنى شاهدتها أو عاصرتها من قبل. فتح قلبه وباح بأوجاعه. كانت مصر هى الوجع الأكثر صخباً فى صدره. تؤرق حاله. وهو عاجز عن التغيير وحده. فقرر الهرب الى ليبيا من أجل مصلحة أسرته المادية.

تركنا بار «على بابا» وجلسنا فى ميدان التحرير. قرأ لى من ذاكرته قصصه القصيرة. كان يقرأها وكأنه يعبر بعينيه صفحات مكتوبة. أسمعنى بعض قصائده التى أختتمها بقصيدة «الأرض الشراقى»
-عارفة أيه هى الأرض الشراقى؟ الأرض اللى ما بتوصلهاش مياه النيل.. وأن إرتوت جادت.
كنت أسيرة لكنته الصعيدية.. يتحدث وكأنى أمام مبعوث من أهل الجنوب يعلمنى معانى الحياة. جوبنا شوارع وسط البلد حتى الصباح الباكر والكلام لا ينتهى، والدهشة لا تزول، والبرد لا وجود له فى قاموسينا. كنت مشدوهة بهذا العملاق الإنسانى الذى أنهل من كلماته، وعذوبته، وقسوته حتى على نفسه.
سألنى من ضمن ما سأل:
- حبيتى جبل «قبل» كده؟
- الحئيأة «الحقيقة» .. لأ
-عارفة يا جمر «قمر» فيه كلمات لما بتتنطج «بتتنطق» غلط بيروح معناها عنها.. يعنى انتى بتقولى «الحئيأة» بس هى اسمها «الحجيجة».. جربى تنطجيها.. الحجيجة.. هاتحسى أن معناها إختلف.. يعنى مثلا أنا أبقى رجل جلنف لو قولت لك أنت بنت رجيجة «رقيقة».. مخارج ألفاظى جاسية «قاسية». الصح أنى أقولك أنت بنت رئيأة.. والحقيقة أقسى وأوقع من رقة بنت جميلة زيك

بقيت كلمات أحمد محفورة بداخلى. وصدى صوته مازال يرن فى ذاكرتى. لم تكن ليلتنا سوياً هى ليلة رجل وامرأة متجاذبان فى شوارع القاهرة, بل كانت ليلة إنسانية لروحين .. تعارفا منذ قديم الأزل .. ربما منذ عهد آدم وحواء... وتاها فى صحراء لا أول لها ولا آخر.. وتقابلا صدفة فى واحة خضراء، فوقفا يستظلان من جدب الحياة الدائم.. وأفترقا دون وعود ولا آمال. إفترقا لأن الحياة تقف بينهما كجدار يحجب الأمل فى لقاء ثان.

تابعت أخبار أحمد على مدار السنين..وكان يبعث بسلامه لى فى مكاتباته لأخته. كنت أستمع لأخباره منها.. وكأنها حقى.. تابعت زواجه، وإنجابه، أسأل باستمرار عن أبنائه.. علمت أنه بدأ مشروع لمحو أميه القبيلة التى يعيش وسطها فى ليبيا.. لم أتعجب فهذا هو أحمد الذى عرفته جيداً، هذا هو الإنسان كما ينبغى له أن يكون

قابلت أحمد بعد عشر سنوات، ليلة زفاف أخته , وتحدثنا عل أستحياء عن ليلتنا الوحيدة فى شوارع القاهرة. وكان كما هو وأن زاد العمر ملامحه ليناً. أما أنا فكنت كما الأرض الشراقى عطشى للحب الذى لا يصلنى فى زمن الجدب العاطفى. وأنطلق لسانى -دون إذن منى- يودعه بنفس القصيدة التى عرفت بها أخته:

آه ما أقسى الجدار
عندما ينهض في وجه الشروق
ربما ننفق كل العمر .. كي نثقب ثغرة
ليمر النور للأجيال .. مرة !
ربما لو لم يكن هذا الجدار
ما عرفنا قيمة الضوء الطليق !!

الأربعاء، 18 فبراير، 2009

أهو دا اللى صار...



فى بيت "خالد فوزى" المودرن.. شديد الأناقة كصاحبه.. تجلس "سلمى" تتأمل تفاصيل المنزل الواسع الذى يقع فى أغلى منطقة فى التجمع الخامس. تنهض من المقعد الوثير وتسير بضع خطوات الى البلكونة تستكشف الكمبوند السكنى فائق الفخامة.
وتسأل بصوت عالى :أنت عايش فى البيت ده لوحدك يا خالد؟
لا يصله صوتها فتعود أدراجها الى داخل المنزل.. تتفحص اللوحات التشكيلية من حولها.. تقدر قيمتها بمئات الآلاف من الجنيهات.. لم تكن تتوقع أبدا حجم غناه.. وتعجبت أن صناعة السينما قد تحقق مثل هذا الثراء الفاحش...
تجلس على «الليزى بوى» فترى خالد فى المطبخ الأمريكى المفتوح على «الليفنج رووم» وهو يفتح زجاجة نبيذ أسبانى أبيض.. تمعن النظر فى ملامحه الشرقية الجذابة التى تستهويها ... تتنقل عيناها بين خالد وبين شاشة التليفزيون الضخمة التى تحتل نصف عرض الحائط.. تقوم من جلستها لتتفحص مكتبته من الكتب والأسطوانات التى يختص معظمها فى السينما.. تلمحه يخرج من المطبخ بخطوات هادئة حاملا فى يده كأسين كريستالينين من النبيذ.. وهو يقول:
- أنا مبسوط قوى إننا خلعنا بعد العرض الخاص وماروحناش الحفلة اللى عاملها المنتج.. أكيد كان هايبقى دمها تقيل قوى.
قال جملته وهو يرمقها بنظرة إعجاب تحمل جملاً مخفية بخبرة محنك.
جاوبته «سلمى» برقة شديدة لا تخلو من غنج أنثوى واضح:
-أنا كمان مبسوطة ..بس زى ما إتفقنا مش عايزة أتأخر.. خصوصا أنى سبت عربيتى مركونة فى حتة غريبة قوى .. أنا نفسى مش فاكرة هى فين.
-ما تقلقيش أنا هاوصلك لحد عربيتك ولحد بيتك كمان لو عايزة
يقول جملته وهو يدنو من وجهها وكأنه يقبل شفتيها الممتلئتين بعينيه ويرفعان كأسيهما ويشربان :Cheers
يضع خالد كأسه نصف الممتلئ على الطاولة الزجاجية وهو يقول:
- أمتى بقى هاتعملى معايا «أنترفيو» بخصوص الفيلم الجديد؟
تتململ سلمى فى جلستها بجواره وهى تحرك رأسها فى حركة جانبية وتزم شفتيها وترفع حاجبيها وترمقه بنظرة تدعى البراءة دون أن تجيبه...
- انت بتكتبى فى أهم صفحة فنية فى مصر ... لازم تكتبى عن فيلمى .. وبسرعة
- لا تعليق
- ليه بقى إن شاء الله
- يعنى أصلى مافيش حاجة فى دماغى أكتبها عن الفيلم
- آزاى يعنى مش لاقيه حاجة تكتبيها عن أحسن فيلم أتعمل فى بلدك فى العشر سنين الأخيرة؟
- مش قوى كده .. وبعدين احنا ماعندناش سينما جيدة فى العشر سنين الأخيرة
- أنت جاهلة (يقولها وهو يقوم من جوارها بعصبية)
- .... ....تزم شفتيها الجميلتين فى صمت
يحاول خالد أن يتمالك أعصابه فيسألها فى محاولة ادعاء اللطف:
- أنت مش عاجبك الفيلم ليه؟
- بص يا خالد أنت مخرج هايل جداً وبجد بحب كتير من شغلك جداً.. بس الفيلم اللى شفته النهاردة فيلم عادى مش مستاهل كل الضجة اللى انت عاملها دى
- أنت بتستهبلى ولا أيه؟!! .. أنت جاية تهزئينى فى بيتى؟!
يقول جملته متشنجاً ويضع الكأس الذى مازال يحمله على الطاولة الزجاجية بعصبية شديدة فيحدث شرخاً بعرض الطاولة..
- أنا قلت رأيى بعد إصرار منك أنك تسمعه .. وبعدين يهمك رأيى فى أيه إذا كنت بتقول عليا جاهلة؟ وطالما أنت واثق فى نفسك وفى شغلك يهمك رأيى فى أيه؟
يهب خالد مشوحا بيديه فى وجه سلمى:
- غصب عنك وعن اللى جابوكى أنا واثق فى نفسى يا حشرة
- دا انت اللى حشرة وحشرة وضيعة كمان.. بس أنا اللى غلطانة انى قبلت أنى آجى معاك بيتك.. أتاريك يا حرام مريض نفسى
وتضع الكأس من يدها وتسحب حقيبتها بعصبية لتهم بالنزول من بيته الذى بدأ يخنقها
يعترض طريقها ويمسكها من كتفيها ويهزها بعنف و يقول:
- أنا مريض نفسى يا بنت ال... أنت فاكرة نفسك مين يا روح أمك؟! أنت هاتنزلى كده بكل بساطة؟!
تنظر اليه سلمى وعينيها ثابتتين على وجهه الأسمر-الذى إعتادت أن تراه وسيما - وتقول بتحدى مستفز:
- لو ما نزلتش أيدك من عليا أنا هاصرخ وألم عليك الجيران وإعملك فضيحة بجلاجل فى وسط المكان
- جربى كده وأنا هاطلب البوليس وأقول أنك حرامية
- مش هاتلحق
وتبدأ سلمى فى الصراخ الحاد تطلب المساعدة من الجيران مدعية أنها تُغتَصب
يردعه صراخها الذى سيسبب له فضيحة فى الكومبوند ويقول:
- طيب خلاص خلاص .. أنا آسف يا ستى .. أهدى شوية وأنا هانزل أوصلك لغاية عربيتك.. أنت أزاى عايزة تنزلى لواحدك أنت ناسية أننا فى التجمع الخامس.. مش ممكن تلاقى تاكس لو نزلتى دلوقتى والساعة عدت واحدة بعد نص الليل.. أستنى ربع ساعة وهانزل أوصلك
يدخل هو غرفته.. وتجلس هى ساهمة .. تنظر الى منزله ..يجتاحها خوف لا حدود له من هذا السيكوباتى المختل.. وبعد فترة قصيرة يخرج من غرفته وقد بدل ملابسه ويقول:
- يلا علشان أوصلك
تخرج من المنزل ساهمة وهى تشغر بتغير كيمياء جسدها .. هل ما تشعر به يصنف خوف أم غضب أم هى لا تدرى ماذا قد يسمى مثل هذا الأحساس الذى يسبب سريان لما يشبه تيار كهربائى يسرى تحت جلدها.. تنزل السلالم جرى.. يتبعها الى الخارج .
يقابلهما سكون الكون.. لا يسمعان سوى صفير الهواء فى الخلاء.
تركب بجواره فى سيارته «الجراند شيروكى» الحمراء موديل هذا العام.. يتحرك بسرعة جنونية مبتعدا عن منزله.. يغلق السنتر لوك.. وما أن يصلا الى الطريق العمومى حتى يبدأ فى وصلته:
- يا ش....ة انت فاكرة نفسك بنى آدمه بصحيح.. أنت علشان صحفية جربوعة فى مجلة تعبانة زيك افتكرتى نفسك ليكى قيمة ؟!! أنت مش أكتر من حشرة حقيرة
تنكمش سلمى داخلها .. لا تصدمها كلماته.. ترى أقنعته المزيفة تسقط عن وجهه واحدا تلو الآخر ... وتراه بوضوح مجرد حالة متقدمة من البارانويا وعشق الذات.. وتتلتزم الصمت
ولكنها بداخلها تلعن نفسها ألف مرة أن أعجبت به ذات لحظة وأن أقدمت على هذه المغامرة غير محسوبة العواقب
تنظر الى الطريق المظلم أمامها والصحراء من حولها.. وتجد لحنا مبهما يتكون بداخلها تجرى وراء أكتشاف اللحن الذى يحاول التردد ربما تبعد ذهنها عن هذا المعتوه.. يهرب اللحن منها.. يعاودها مبهما مرة أخرى.. ليقطعه صوته الذى يعود اليها مكملا وصلة الردح.. ولكن صوته هذه المرة يبدو قادما من مسافة بعيدة جدا .. يعود اليها اللحن أكثر وضوحاً هذه المرة .. تقبض ذاكرتها على اللحن.. تنظر الي خالد تراه مازال يدلى بقمامته من فمه.. شفتاه تتحركان.. وملامحه تدل على دمامة خلقه.. لتشع قبحا متأصل فى روحه.. والشر لا يستر نفسه فى عينيه.. يعلو اللحن فى أذنيها فتبدأ بدندنة اللحن.. لا يصدق رد فعلها .. يستفزه تمتماتها وهدوئها.. يوقف محرك سيارته فى منتصف الطريق الخالى.. وتسمع صوت السنتر لوك وهو يفتح. يميل فى أتجاهها ويفتح لها الباب المجاور لها ويقول شيئا لا تسمعه ولكن لغة جسده تعنى أن تنزل من سيارته.. تأخذ حقيبتها وتهبط من السيارة العالية ويغادر هو مخلفا وراءه عادم كثيف.. أما هى فتقف على الدائرى تتطلع للصحراء البعيدة بعد الثانية صباحاً .. تسير خطوتين وتبدأ فى البكاء وهى تدندن لحنها المتمرد الذى أمسكت به بعناية هذه المرة وعلا صوتها جلياً مرددةً " أهو دا اللى صار وآدى اللى كان... مالكش حق.. ملكش حق تلوم عليا"

الاثنين، 16 فبراير، 2009

ممر أبيض كالح



فى الرواق الطويل تسير ندى بخطوات واسعة سريعة وعلى وجهها علامات فزع.. الممر أبيض كالح تقطعه جدرانه أبواب مغلقة .. رائحة نفاذة تملأ أنفها الأفطس.. ربما هى رائحة الفورمالين أو ديتول أو رائحة المرض.. وربما هى رائحة الموت...بذات الممر يسير العديد من البشر.. هذه ممرضة شابة حالمة تزين وجهها ابتسامة الحب الراضية.. وهذه أخرى يطل الحقد من ملامحها القاسية .. وهذا طفل يجرى بسرعة فائقة يسابق أحلامه.. وتشعر فجأة أن الرواق لا ينتهى وأن أمتداده سيلازمها مدى الحياة.. يزداد خوفها فتسرع خطواتها شيئا فشيئا الى أن تصبح عدواً.. وأخيرا تصل الى نهاية الممر أو بدايته فهى لا تجيد الإتجاهات.. وتتوجه الى موظفة الإستقبال فتدنو منها بخوف وتسألها بصوت بالكاد يخرج من حنجرتها:
-نتايج التحاليل فين بعد إذنك؟
دون أن تنظر اليها الموظفة تشير الى اليسار- فى أتجاه الممر ذاته- وهى تتمتم:
- آخر أوضة فى الممر ده على ايدك اليمين.
وتنظر اليها بلامبالاة وتقول:
- هو تحليل أيه بالظبط؟ وفين الإيصال؟
تناولها ندى الإيصال بيد مرتعشة وهى تجيت: - HIV
ترفع الموظفة رأسها علياً لتتفحص ملامح ندى التى ترتبك ويفرز جبينها ذرات عرق كثيفة وتزوغ عينيها بعض الشئ.. تستمر الموظفة فى البحلقة فى وجه ندى وتشير بيدها الى كراسى الأستقبال وتقول:
- أتفضلى هنا.. أنا هاجبلك النتيجة
وتسحب الموظفة الأيصال من بين أصابعها المرتعشة .. وتراها ندى من ظهرها فى الممر المقابل .. تعدل هندامها وهى تسير أمامها بخطوات متمهلة تستفز ندى التى تجلس مترقبة على أقرب كرسى ويداها ترتعشان .. وعرقها يزداد .. وعيناها تزوغان وكأنها ستفقد وعيها فى غضون لحظات.. تشغر ندى وكأن حجراً ثقيلاً يجثم على أنفاسها .. تغمض عينيها وتحاول التقاط أنفاسها الهاربة... ترى من بين جفونها المغلقة ضابط يقترب منها وفى يديه قيود حديدية ومن خلفه أسوار السجن.. أيكون هذا الضابط من أمن الدولة؟ تراهم ينتهكون جسدها بعنف .. تنتفض فى مكانها فتفتح عينيها لترى الممرضة مازالت تسير فى منتصف الممر المواجه لها..
تسترخى من جديد ولكن يعلو صوت معدنى قاسى فى أذنيها يبدو أنه صوتها يقول:
- هاعمل أيه لو طلعت عندى الأيدز؟ هاواجه أهلى ازاى؟ أقول ايه لأبويا وأمى وأخواتى؟ أنا حتى مش قادرة أعرف مين اللى ناقلى المرض.. أبويا ممكن يعمل فيا أيه؟ ممكن يقتلنى ولا هاصعب عليه؟ أخواتى مصيرهم أيه من بعد الفضيحة دى؟ دى حياتنا كلها هاتدمر..
تتنهد بعمق وهى تفول بصوت عالى: - حياة؟!!!!!!
وتضحك ضحكة عالية يتردد صداها فى داخلها وتقول: - هو ممكن يبقى فى حياة بعد كده
وتستمر فى نوبه الضحك وكأنها تشاهد فيلم كوميدى.. ومن بين ضبابيات أفكارها ترى الممرضة مازالت تمشى فى الممر المقابل لها ... تحاول التركيز قليلا فتقوم من مقعدها لتدور حول نفسها فى دوائر وهمية وتشعر بخيال يقترب منها من الخلف يزداد عرقها وسرعة نبضها وتنظر بنظرات مرتابة من فوق كتقها تحاول أن ترى ما خلفها دون أن تدير رأسها ويقترب الظل أكثر وأكثر وترى أمتداده أمامها ينشطر قلبها من الخوف فتنظر خلفها دفعة واحدة لترى الحائط الأبيض الكالح للمستشفى وأنها مازالت تجلس على كرسى الأنتظار وقد أختفت الموظفة من الممر.

السبت، 17 يناير، 2009

حصة دين



دخلت أبلة عطيات مدرسة اللغة العربية والتربية الدينية بقامتها القصيرة الممتلئة الى فصلنا الدراسى للسنة الثانية الإبتدائية. راجعت ورقة صفراء مكتوبة بخط اليد فى قلب كشكولها وقالت: المسيحين يطلعوا على الحوش.. دى حصة دين.. قامت «ليليان صديقتى وزميلة التختة وتبعها فادى وخرجا سويا وهما مبتسمان.. فنظرا لعدم وجود مدرس متخصص لتدريس الدين المسيحى - لقلة عدد المسيجين - فى المدرسة تقوم أبلة ماجدة مرقص مدرسة التربية الزراعية بتدريس مادة التربية المسيحية.. و أبلة ماجدة قامت بوضع طفلتها الثالثة فى الأسبوع الماضى فهذا يعنى أن ليليان وفادى سيجلسان فى الحوش الخلفى للمدرسة حتى انتهاءنا من درس الدين...

أبلة عطيات -فى الغالب- لا تشرح شئ حتى فى دروس اللغة العربية : فهى فقط تلقى أو بمعنى أدق «تطرش» فى آذاننا بعض الجمل وتطلب منا تكررارها فى بعض الأحيان.وفى أحيان أخرى لا يعنيها تكرارنا خلفها من عدمه.

تدخل أبلة عطيات تجرر جسدها المترهل ، تفتح كشكولها الأزرق المخطط لتدون الحصص، وتجلس على الكرسى الخشبى القديم أمام منضدة المدرس.. التى تضع عليها حقيبتها القماشية أو الجلدية الكبيرة «دائماً».. تلك الحقيبة التى دائما ما كانت تحرك فضولى وكنت أسرح فى جولة إفتراضية عن محتواياتها.. ماذا قد تحمل أبلة عطيات فى مثل هذه الحقيبة المنتفخة؟ كنت أجول فى خيالى بين كافولة وبزازة وكيس بامية مطلوب تقميعه ونصف كيلو كوسة ومقورة وإبرتين كورشية وبكرة صوف..

تشير «أبلة عطيات» الى إحدى الفتايات غالبا ما تكون «غزالة» وهى فتاة من عزبة تابعة لقرية تابعة لمركز قويسنا.. وأختيار غزالة لأنها هادئة ومطيعة دائما وطوييييلة جداً.. - بالنسبة لقاماتنا التى لم تكن تتعدى المتر فى ذلك الحين -هل تنبأ أهلها وهى كتلة حمراء وليدة يوم أو يومين بطولها المبالغ فيه؟ هل كانت طويلة جداً وهى وليدة؟

تخرج غزالة الى السبورة.. تكتب التاريخ الميلادى والهجرى.. وتملى عليها أبلة عطيات عنوان الدرس وهو اليوم « أحاديث نبوية» ثم أنتبهت الينا وقالت:
طلعوا كراسة الدين.. أكتبوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المرء على دين خليله» صدق رسول الله وعلى غير عادة أبلة عطيات فى التدريس بدأت فى شرح الحديث وقالت: يعنى لابد للمسلم أن يصادق المسلم ويبتعد عن غير المسلم لأن الله سبحانه وتعالى سيحاسبنا فى الآخرة على إختيارتنا لأصدقاءنا.. فيحشر كل واحد مع صديقه.. علشان كده صادقوا المسلمين علشان تدخلوا الجنة...
تلعثمت وأنا أسأل أبلة عطيات بحزن:
- بس يا أبلة أنا مسلمة وليليان مسيحية يعنى مين فينا اللى هايدخل الجنة؟
- المسلم طبعاً.. وعلشان كده لأزم تصاحبى المسلمين اللى زيك علشان تدخلى معاهم الجنة
- يعنى أنا هادخل النار علشان أنا صاحبة ليليان؟
-أيوا.. المسلمين بس هما اللى هايدخلوا الجنة... واللى يصاحب المسيحى هايحشر معاه
-مين اللى قالك انى هادخل النار
-ربنا اللى قال ان المسيحين هايدخلوا النار
-ليه؟
- علشان هما مش مسلمين
- بس أنا سألت بابا قيل كده ان كنت هادخل الجنة ولا لأ وقالى أنى طول ما بحب ربنا هادخل الجنة.. وأنا سألت ليليان ساعتها وقالت لى انها بتحب ربنا قوى هى كمان.. يبقى ليه بقى يدخلها النار؟
- علشان وزارة التربية والتعليم عايزة كده
- هو ربنا اللى عايز ولا وزارة التعميل؟!

ضاقت أبلة عطيات من منافشتى التى لم ترى لها أى مخرج فطردتنى من الفصل على سبيل التأديب.. وقالت:
-تانى مرة هاتسألى الأسئلة دى هابعتك لأبلة الناظرة تشوف لها صرفة معاكى
خرجت من الحصة جرى أبحث عن ليليان وفادى ووجدتها فى الحوش الخلفى للمدرسة يلعبان «الأولى» وبعد عشر دقائق رن جرس الفسحة فأخرجت لى «ليليان» من حقيبتها سندوتشاتى التى تصنعها لى أمها خصيصا بعد علمت من ليليان أنى أشاركها طعامها كل يوم نظرا لأن أمى امرأة عاملة لا وقت لديها لعمل السندوتشات كل صباح.

صدفة



دخلت «ورد» حفل الكريسماس لتجد حشوداً من الأجانب، معظمهم من الفنانين أو خبراء الشركات العالمية المقيمين فى مصر. ومجموعة لا بأس بها من رجال الأعمال المصرين، الجميع -نساء ورجال- متأنقين. كل بطريقته.. فالتأنق مدارس. ولكل منهجه وسلوكه. فمعظم الرجال فى بدل داكنة والنساء يتألقن فى فساتين السهرة. ما بين التنورات القصيرة و»السواريهات» الكاشفة لمفاتن الصدور والسيقان والأرداف.. وهناك مجموعة من الغير تقليدين يرتدون الجينز ولكن بشكل لائق لحفلة مسائية.. كل يتألق بطريقته.. آما «نورا الأمورة» الراقصة الأرجنتينية ،صاحبة الحفل فهى كالمعتاد تبالغ فى أظهار أنوثها.. فهى الليلة ترتدى فستان أسود شفاف مطرز من أعلاه الى أسفله.. تستطيع عبر التكوينات الخرزية أن ترى حدود «الجى سترنج» والسوتيان الأسودان اللذان ترتديهما.. تضغ أقراطا ماسية يجذب ثقلهما حلمتى أذنيها بقسوة.. لتُشهد الحضور ثراءها وأنوثها فى كل ما ترتدى.

مرت «ورد» بين الجموع فى شقة نورا الواقعة فى الدور الثلاثين فى أحد أبراج كورنيش المعادى.. كانت تشعر وانها انتقلت الى أرض أخرى غير أرض مصر.. تتهكم بداخلها قائلة: هما الأجانب إحتلوا البلد أمتى؟ تبتسم وتتبادل أطراف الحديث مع هذا تاره وهذه لبضع دقائق.. فهى لا ترى سوى عدد قليل جدا من المصريين.. أما النساء المصريات فلا وجود لهن فى بيت الراقصة الأجنبية... ف "ورد"هى الصديقة المصرية الوحيدة لنورا منذ انتقالها للعيش بمصر منذ أكثر من عشر سنوات.

تجول ورد بين الحضور كفراشة رقيقة.. وتتبعها العيون.. فهى جميلة دون شك.. وأجمل ما فى جمالها هو الطابع الشرقى الخاص جداً الذى تلمح تقديره فى عيون الناظرين... لطالما عاشت على أنها متوسطة الجمال.. لم تكن أبدا نموذج للجمال بين أبناء وطنها.. أما الآن وهى بين جموع الأجانب تعلم أنها جميلة جداً.. فشعرها المتموج الذى طالما أشارت له العيون فى طفولتها بالأشعث.. الآن فقط هو مصدر جمالها.. ليس كل جمالها بل بعضه.. فسمرتها النيلية فى هذا المجتمع البديل ما هى سوى محض جمال أستثنائى.. جمال من نوع خاص جداً.. ولقوامها الممتلئ بعض الشئ وأستدارته الوضحة بصمة خاصة بين الأجساد النحيلة للباقى نساء الحفل.. أخذت تطوف بين هنا وهناك..تشع جمالا تلحظه العيون.. تشارك فى حوارات عبثية لإناس لا تعرفهم عن قرب.. جابت عينيها البيت الذى تحفظه ذاكرتها.. لم تكن تتفقد البيت.. بل كانت تبحث عنه.. عن «عُلَّى».. تعلم أنه سيحضر..

فلهذا البيت وهذه الحفلة وهذا التاريخ من كل عام ذكريات مشتركة بينهما.. شهد هذا البيت لقائهما الأول..وحبهما المستتر عن العيون.. وانتهاء حبهما بعد مرور السنين.. وحتى بعد الفراق .. دائما ما كانا يتقابلان فى صدف مدبرة.. فلعلاقتهما تاريخ حافل من الخناقات ..شهد هذا البيت معظمها.. ربما كان يتصنعان الخلاف .. كى يتصالحا بعده .. فللسانها الحلو فعل السحر على عقله مسلوب الإرادة فى حضرتها.. تقابلا صدفة فى هذا البيت.. هو أستاذ جامعى.. وهى موظفة فى شركة كبرى.. تقابلا بلا موعد.. صدفة.. وأفترقا تدبيراً.. كان يخشى أن يسرق هو سنوات عمرها.. عشقها بشكل استثنائى لسنوات عمره الأربعين.. وهى أحبته بكل شبابها النضر.. خشى عليها من فعل العمر.. ومن تقلباته المزاجية الحادة.. التى قد ترسله بعيداً عنها ذات يوم فى مستقبل بعيد أو قريب.. فهو ابداً لا يدرى شيئا عن نفسه.. ولكن واثق من شئ واحد أنه لا يريد تكرار تجربة الزواج التى تركت له فى عنقه مسؤلية مطلقته وابنته التى مازال يشعر بالذنب فى عدم قدرته على توفير حياة طبيعية لكليهما بعد غدره بهما كما تتهمه مطلقته... أما ورد فبداخلها شراسة تجاه كل ما يستعصى عليها.. وكأن الحياة فى تجربتها القاسية «تُؤخذ بالذراع» .. ولكنهما لم يقاوما دوامات الهوى التى سحبتهما بداخلها.. فدارا متعانقين الى أن سحبهما الدوار ليسقطا فى قاع الهوى السحيق.

وكان الفراق واجب لابد من أدائه.. فلا هو يستطيع أن يؤمن نفسه لها ضد آدميته ولا هى تستطيع الإستغناء عن حلم الأمومة.. وإفترقا بمرارة من جانبه وعنف ومرارة أكبر منها.. لم يغفر لها رعونتها ولم تسامحه يوما على دموعها التى ما تزال تروى خدودها الخمرية فى كل مرة تتأكد أنها مازالت تقف فى محطته وكأن جميع الحافلات لا تتجه الى مسارها.. رحل هو.. وأصرت هى أن تفوته.. فطريقهما أبداً لم يكن واحداً.. هى تريد الذهاب الى الجنة كما تحلم.. أو كما علموها أن تحلم.. وهو لم يعد يؤمن بالجنة على الأرض.. وله مشاوير سابقة تعلم منها أن الجنة «حلم» لابد أن يبقى فى الأذهان.. كى يتحمل البشر وعورة الطرق.. صدمها عندما أبلغها أن الجنة وهم.. وأن الجواز يقتل الحب بروتينيتة التى لا فرار منها وبكت بحرقة شديدة وقالت له:
-سيبنى أتأكد بنفسى.. ليه تحكم على تجربتى بالنقصان.. عقلى بيقول لى ان الجنة حلم .. بس جوايا اللى بتسميه انت «بخبرتك» سذاجة الحالمون.. باحلم انى أحقق اللى ماحدش قدر يحلم بيه
كانت ترى فى عيون كل المحيطين بها من المطلقين والمتزوجين بقايا أحلامهم «بالجنة» التى تكسرت فى مطبات الحياة وعلى أبواب الزواج.. ولكن تجربتها الذاتية أبداً لم تكتمل.. قالوا لنا جميعا ونحن صغار أن النار تحرق.. من منا لم بقربها؟! من منا لم يحلم يوما أنه ربما يكون «إبراهيم» آخر لا ينكوى بالنار؟! من منكم لم يجرب بنفسه؟

قتل «عُلَّى» حلمها فى الحب.. فجرحته «ورد» وهربت قبل أن يتحقق ما قالته له عن كرهها له.. كل امرآة تقول لرجل أكرهك.. عليه أن يعلم أنها متيمة عشقاً.. فالمرآة عزيزى الرجل تفتقر الى التمييز بعض الشئ خصوصا فى المشاعر.. تلتبس عندها المعانى ..ولكنه إلتباس حميد.. أساسه عمق الإحساس

جالت ورد بعينيها فى المكان تبحث عنه.. وعندما وجدته تلعثمت وأضطربت كأنها أبداً لم تتوقع رؤيته.. يالا عجب النساء!! ألم ترتدى هذا الثوب تحديدا لأنها تعلم أنها ستقابله!! تعلم أنه يهوى النظر الى صدرها الفتى فارتدت هذا الديكولتيه الصارخ كى تأسر عيونه.. ألم تأتى الى هذا الحفل لتقابله!! ألم تتزين لأنها تريد أن يراها جميلة ومثيرة كعادتها معه!!

أرتبكت ورد عندما شاهدته فى البلكونه المطلة على النيل وتوترت حركتها بعض الشئ.. وسحبت نفسها الى الحمام وهى مازالت تحمل فى يدها كأس النبيذ الأحمر.. هربت الى الحمام .. تأكدت من إغلاق الباب خلفها.. ونظرت الى انعكاس صورتها فى المرآه على ضوء الشموع التى اهتزت اضاءتها بفعل تيار الهواء الذى صنعته حركة الباب عند أغلاقه.. وأرتشفت جرعة كبيرة وسريعة من النبيذ وسحبت شهيقها بعمق من لم يتنفس فى الثوانى السابقة وربما التالية.. كتمت نفسها فى صدرها لبضع ثوان وأطلقته من فمها فى بطء مريح بعض الشئ.. كانت كمن يدرب أنفاسه كى لا تتأثر بأفعالها القادمة.. وخرجت لتواجه الحفل .. أتى اليها .. اقترب منها بتحفظ الوجل.. وأرسل سلامه فى أشارة يد بعيدة .. كان وسيما كعادته.. وكانت أنثى ككل لحظاتها.. لم يكن لديه شجاعتها .. فقررت الأقتحام وطالبته أن يتحدثا على أنفراد.. لمسته.. لتوقظ حبها المخبأ بين ثناياه وهى تقول:
- أحبك لا لشئ يفهمه العقل... أحبك ولطالما تشاجرت معك.. أحبك لأنك فتحت طاقات خفية فى روحى لم أكن أعلم عنها يوماً شئً.. أحبك بالرغم من كل شئ... أحبك لأنى أحبك وفقط
انه الحب أيها السادة.. عفوا فلا سادة فى وجود الحب.. فالجميع عبيد والحب هو السيد الوحيد.. فان اردت السيادة على عقلك فكبل القلب بعيدا عن الحب.. جاوبها بعناد الخصوم فى بداية الأمر ولكن سرعان ما لان من فعل أناملها التى مازالت تلمس يده منذ السلام الأول.. وأحترقت أنفاسه وخرجت لهيبا وهو يقول:
-أحبك يا نورى.. بلا خجل.. وبلا تردد.. ولكن بالكثير من الشجن.. فأنا نايك الحزين.. ماأنا يا عمرى الا قطعة «بوص» وأنت الوحيدة صاحبة موهبة العزف عليها .. وبدونك لا أكتمل..

مالت عليه فى الحال تقبله والتهم شفتيها برقته المعهودة ونسىا الجميع.. لم يكن ذلك من طبعه فهو يخجل أن يعبر عن إحساسه أمام الناس.. كيف له وهو الأستاذ الجامعى ان يراه أحد -حتى وأن كان لا يعرفه- فى موقف ضعف.. أعنى فى لحظة حب..
لم يكترثا كثيرا بالحفل ولا بناسه ولا طعامه الآرجنتينى الذى تجيد نورا الأمورة طهيه ولا برقص نورا أو أى من جميلات الحفل.. اللاتى لم ينسى أن تمر عيناه عليهن مقدراً جمال عيون هذه ورقة تلك.. ولكن لعيونه أن تفعل ما تشاء أما قلبه فهو بيتها الذى لا تملك مفاتيحه سواها

كم تعشق هى «على» بمكره.. وصعلكته.. ورقته.. ووسامته.. ورقيه ..هى فقط تحبه.. ولم يعد يعنيها الأمل فى حبه.. كل ما تريده هو أن تبثه مشاعرها فى هذه الليلة فقط.. إلتقطها بين ذراعيه النحيلتين وضمها الى صدره ورقصا متعانقين حتى أنصراف الجميع.. وتنبها الى الهدوء من حولهما.. ونظرا حولهما لم يجدا سوى «نورا» تنظر أليهما بشغف مليئ بالغبطة.قررت ورد الأنصراف.. وطالبها «على» بمهاتفته ذات يوم ربما ... فاض نهر حنان من قلبها ولمسه حتى لانت أفكاره وهى تقول:

-سأقابلك صدفة دون مواعيد مسبقة.. أعلم أن الكون سيرسلك لى فى مكان آخر.. لن أهاتفك.. لن أسعى للقائك .. ولكنى أعلم عن يقين أنه آت.. فلا تفزع عندما ترانى صدفة فى يوم ما

ضحكا وتعانقا وقبلا الخدود والشفايف.. كانت لحظات من نور.. وأفترقا ليتقابلا صدفة من جديد.. كلاهما يملأه اليقين بأهميته عند الآخر.. وكلاهما يشكان فى إمكانية أن يكون الحب بمثل هذه الرحابة.. ومجردا من أى غاية

السبت، 10 يناير، 2009

القاهرة ليل داخلى (٥)

خرجت من «أفتر أيت» وأنا شبه مخمورة.. فقد انصرفنا جميعا ماعدا أيهاب فى حوالى الثالثة والنصف صباحاً... ربما يريد مزيداً من السكر كى ينسى ردى علىه الليلة.. وربما قرر المضى قدماً فى ليل القاهرة حتى العثور على مبتغاه.. جلست فى المقعد الأمامى لسيارة دعاء .. وجلس أسماعيل فى المقعد الخلفى.. دارت دعاء فى شوارع القاهرة بلا هدف .. لا تريد أن تذهب وحيدة بدون أسماعيل ولكنهما بالرغم من خطوبتهما وبالرغم من عدم وجد حواجز نفسية لمبيتهما معاً الا أنه توجد حواجز مجتمعية لا يستطيعان تخطيها.. فهما لم يجدا بعد المكان المناسب لفعل الحب.. فدعاء تعيش مع أخيها وإسماعيل يعيش مع صديقه فى شقة صغيرة فى احدى حوارى السيدة زينب.. بعد اللف فى الشوارع بلا هدف سوى البقاء مع أسماعيل دقائق أضافيه أوصلناه لميدان السيدة وأتجهنا الى المنيل.. ودعتنى بحميميتها المعهودة وتواعدنا على لقاء قريب .. صعدت الدرج متمهلة على غير عادتى .. لا أريد أن أصل الى داخل المنزل .. لا أريد أن أبقى وحيدة كما أنا دائماً ... فبعد طلاقى من معتز وأنا وحيدة .. لا أنا وحيدة منذ وفاة جدتى ومن بعد انتهاء علاقتى بخالد... يااااااه .. خالد هو الحب الأول وربما هو الأخير ولكنه ماضى أليم... لا أريد استرجاعه الآن.. يكفى أنه كان سبب زواجى من معتز... فبعد وفاة جدتى.. تركنى خالد دون أسباب وعلمت بخطوبته من زميلة له.. وكان رد فعلى الطبيعى «المعاكس للأتجاه والمساوى فى المقدار» أن تزوجت أنا الأخرى.. تزوجت من معتز دون أى ضعط من أى كائن على سطح الأرض .. وسافرت معه الى كندا لإنهاء رسالة الدكتوراة ... ودام زواجى أربعة أشهر... أمضى معتز ثلاتة منهم فى المستشفى لأجراء عملية فى الأمعاء.. مرضته لأنه ابن عمى لا لأنه زوجى.. كانت علاقتنا الحميمية غربية جداً.. لا أتذكر منها الكثير.. ربما التقينا فى الفراش مرتين أو ثلاثة .. لا أتذكر.. لم يمسسنى لمدة أسبوع بعد الزواج... كنت غير عذراء فهو كان يعلم بقصة حبى لخالد ولم يسألنى عن شئ ولم يعترض على أى شى.. وبعد خروجه من المستشفى وفى أول لقاء حميمى بيننا وبعد أن تجردنا من ملابسنا توقفنا فجأة وعلمنا أننا لابد أن نكف عن هذه التمثيلية الهزلية.. أنا أعلم أنه مثلى وهو يعلم بحبى لخالد.. هو تزوجنى ستار وأنا تزوجته كنوع من الهروب.

وبعد الطلاق عدت الى القاهرة .. الى منزل جدتى.. رفضت العيش فى بيت ابى بعد زواجه... ومنذ ذلك الحين وأنا أتخبط فى الحياة وفى العلاقات.. فتحت باب الشقة وأرتميت على الكرسى المجاور للباب .. وأنا أتساءل لماذا لم أقبل دعوة إيهاب الليلة؟ .. ألم أجده شخصا لطيفاً؟.. حتى وإن لم يكن.. أليست الصحبة خير من صدى صوتى؟ قمت واتجهت الى غرفة التوم وخلعت ملابسى وألقيتها على الآرض الخشبية وأستدرت أتفحص جسدى الخمرى المتناسق فى المرآة.. نظرت أمامى وقلت وكأنى أحدث حشوداً من المراقبين:

- نعم أيها البشر!!!! .. أيها البشر اللذين لم يصبحوا بشرا منذ أمد!!! أمد بعيد!!1 .. نعم أريد رجلا.. أريد زوجا.. وما العيب فى ذلك؟.. أريد حضنا يحتوينى كل ليلة .. أريد رجلا يهتم بفرحى.. بألمى .. بوجعى .. بسعادتى.. بفشلى .. باحباطاتى .. بدموعى .. بضحكاتى .. رجلا يهتم بتفاصيلى بأكملها..أريد جسدا فتيا يشبع جسدى الثلاثينى الذى يزداد جوعه يوما بعد يوم...
ولكن زمن الرجال انتهى .. حتى فى الفراش .. الجميع عجزة ولكن بدرجات متفاوتة.. يريد الرجال أجساد يفرغون فيها رغباتهم.. ولكن دون أية مسؤلية .. حتى مسؤلية إشباع الجسد بإنتظام .. والحجج تزداد تنوعا يوما بعد يوم .. بازدياد الرجال لباقة

وأنهمرت دموعى وعلا نشيجى.. وأرتميت على الأرض .. أنعى هلوساتى الحزينة.. فان عاد الوقت الى الخلف وعرض على أيهاب عرضه مرة ثانية سأوافيه بالرد ذاته.. فأنا لا أسعى للجنس.. أنا أريد حبيبا .. لا رجل .. أتذكر علاقتى الأخيرة -منذ عام ونصف تقريباً - كان الطرف الآخر شبه عاجز جنسيا .. ولكنه كان يحضننى وهو نائم .. كان يمسك بيدى فى عز نومه .. وكأنه يخشى أن يفتح عينيه فلا يجدنى .. كان كثيرا ما يطبطب على ظهرى دون سبب وكأنه يواسى حزنى الغير معلن .. أتذكر ذلك اليوم الذى سقطت من على الدرج واصبت بجرح ما زال يترك أثاره على ظهرى حتى الآن .. كان يغير لى على الجرح ودموع محبوسة فى عينيه مع كل أهة تصدر عنى .. فى هذا اليوم كنت على أتم الاستعداد للزواج منه ... كم كان حريصا فى هذا اليوم ألا يؤلمنى حضنه .. ألا تثير ذراعيه الملفوفين حول جسدى الواهن جراحى .. وددت لو طلبنى للزواج .. بالرغم من عجزه الجنسى .. فقط من أجل حضن دافئ تستطتع الأنثى أن تفعل أى شئ .. أيا كان حتى اهمال انوثتها .. وكى أكون واضحة فقد كانت له من الحيل ما يشبع بها جسدى .. كى يعوضنى عن عدم مقدرته .. ولكن فى كثير من الأحيان كنت أنظر اليه وهو يجاهد كى يحافظ على بقائه بداخلى بالرغم من عدم انتصابه الصريح وأتمنى رجلا حقيقى .. عفى .. لا بقايا رجل .. والمضحك فى هذا الشأن أنه كان يظن نفسه مارد .. جبار .. لا مثيل له .. والأكثر كوميدية من هذا كله .. انه فى بعض الأحيان كان يمنحنى متعة جسدية كما لم أحياها من قبل .. ربما كان حضنه هو السبب ..

ولكنه يوما لم يسألنى الزواج بشكل جدى .. وبمرور الوقت فررت من عجزه الذى سبب لى «الديسك» من كثرة محاولاته الفاشلة المستمرة .. التى يبدُ انه لا يعلم عن فشلها شيئا .. خصوصا بعد أن أصبح الحضن منسيا فى معاركه التى لا حيله له فى كسبها .. فقدت حضن أحتوانى وأدفأنى .. ولم أحزن كثيرا عليه فالحسرة تملأنى ولا مكان لحزن جديد ..

أنه «أحمد سالم» «الأمبراطور» كما يطلقون عليه.. النجم السينمائى الأول فى مصر والوطن العربى .. وزير النساء اللامع .. وعندما تناقلت الأشاعات عن مغامراته الجديدة مع المطربة اللبنانية «الصاروخ» سقطت فى نوبة ضحك هيستيرية ... هم يضحك وهم يبكى .. فليسعد سعيد بسعيدة ... فالجميع عجزة ...

وأنا أولهم .. فأنا عاجزة عن ايجاد حضن رجل غير عاجز عن الحلم .. أريد رجلا .. أريد من يحمينى من وحدتى ... أريد من يحمينى من نفسى .. أريد من يحمينى من حزنى .. أريد من يحمينى من ليل القاهرة الموحش.