السبت، 10 يناير، 2009

القاهرة ليل داخلى (٥)

خرجت من «أفتر أيت» وأنا شبه مخمورة.. فقد انصرفنا جميعا ماعدا أيهاب فى حوالى الثالثة والنصف صباحاً... ربما يريد مزيداً من السكر كى ينسى ردى علىه الليلة.. وربما قرر المضى قدماً فى ليل القاهرة حتى العثور على مبتغاه.. جلست فى المقعد الأمامى لسيارة دعاء .. وجلس أسماعيل فى المقعد الخلفى.. دارت دعاء فى شوارع القاهرة بلا هدف .. لا تريد أن تذهب وحيدة بدون أسماعيل ولكنهما بالرغم من خطوبتهما وبالرغم من عدم وجد حواجز نفسية لمبيتهما معاً الا أنه توجد حواجز مجتمعية لا يستطيعان تخطيها.. فهما لم يجدا بعد المكان المناسب لفعل الحب.. فدعاء تعيش مع أخيها وإسماعيل يعيش مع صديقه فى شقة صغيرة فى احدى حوارى السيدة زينب.. بعد اللف فى الشوارع بلا هدف سوى البقاء مع أسماعيل دقائق أضافيه أوصلناه لميدان السيدة وأتجهنا الى المنيل.. ودعتنى بحميميتها المعهودة وتواعدنا على لقاء قريب .. صعدت الدرج متمهلة على غير عادتى .. لا أريد أن أصل الى داخل المنزل .. لا أريد أن أبقى وحيدة كما أنا دائماً ... فبعد طلاقى من معتز وأنا وحيدة .. لا أنا وحيدة منذ وفاة جدتى ومن بعد انتهاء علاقتى بخالد... يااااااه .. خالد هو الحب الأول وربما هو الأخير ولكنه ماضى أليم... لا أريد استرجاعه الآن.. يكفى أنه كان سبب زواجى من معتز... فبعد وفاة جدتى.. تركنى خالد دون أسباب وعلمت بخطوبته من زميلة له.. وكان رد فعلى الطبيعى «المعاكس للأتجاه والمساوى فى المقدار» أن تزوجت أنا الأخرى.. تزوجت من معتز دون أى ضعط من أى كائن على سطح الأرض .. وسافرت معه الى كندا لإنهاء رسالة الدكتوراة ... ودام زواجى أربعة أشهر... أمضى معتز ثلاتة منهم فى المستشفى لأجراء عملية فى الأمعاء.. مرضته لأنه ابن عمى لا لأنه زوجى.. كانت علاقتنا الحميمية غربية جداً.. لا أتذكر منها الكثير.. ربما التقينا فى الفراش مرتين أو ثلاثة .. لا أتذكر.. لم يمسسنى لمدة أسبوع بعد الزواج... كنت غير عذراء فهو كان يعلم بقصة حبى لخالد ولم يسألنى عن شئ ولم يعترض على أى شى.. وبعد خروجه من المستشفى وفى أول لقاء حميمى بيننا وبعد أن تجردنا من ملابسنا توقفنا فجأة وعلمنا أننا لابد أن نكف عن هذه التمثيلية الهزلية.. أنا أعلم أنه مثلى وهو يعلم بحبى لخالد.. هو تزوجنى ستار وأنا تزوجته كنوع من الهروب.

وبعد الطلاق عدت الى القاهرة .. الى منزل جدتى.. رفضت العيش فى بيت ابى بعد زواجه... ومنذ ذلك الحين وأنا أتخبط فى الحياة وفى العلاقات.. فتحت باب الشقة وأرتميت على الكرسى المجاور للباب .. وأنا أتساءل لماذا لم أقبل دعوة إيهاب الليلة؟ .. ألم أجده شخصا لطيفاً؟.. حتى وإن لم يكن.. أليست الصحبة خير من صدى صوتى؟ قمت واتجهت الى غرفة التوم وخلعت ملابسى وألقيتها على الآرض الخشبية وأستدرت أتفحص جسدى الخمرى المتناسق فى المرآة.. نظرت أمامى وقلت وكأنى أحدث حشوداً من المراقبين:

- نعم أيها البشر!!!! .. أيها البشر اللذين لم يصبحوا بشرا منذ أمد!!! أمد بعيد!!1 .. نعم أريد رجلا.. أريد زوجا.. وما العيب فى ذلك؟.. أريد حضنا يحتوينى كل ليلة .. أريد رجلا يهتم بفرحى.. بألمى .. بوجعى .. بسعادتى.. بفشلى .. باحباطاتى .. بدموعى .. بضحكاتى .. رجلا يهتم بتفاصيلى بأكملها..أريد جسدا فتيا يشبع جسدى الثلاثينى الذى يزداد جوعه يوما بعد يوم...
ولكن زمن الرجال انتهى .. حتى فى الفراش .. الجميع عجزة ولكن بدرجات متفاوتة.. يريد الرجال أجساد يفرغون فيها رغباتهم.. ولكن دون أية مسؤلية .. حتى مسؤلية إشباع الجسد بإنتظام .. والحجج تزداد تنوعا يوما بعد يوم .. بازدياد الرجال لباقة

وأنهمرت دموعى وعلا نشيجى.. وأرتميت على الأرض .. أنعى هلوساتى الحزينة.. فان عاد الوقت الى الخلف وعرض على أيهاب عرضه مرة ثانية سأوافيه بالرد ذاته.. فأنا لا أسعى للجنس.. أنا أريد حبيبا .. لا رجل .. أتذكر علاقتى الأخيرة -منذ عام ونصف تقريباً - كان الطرف الآخر شبه عاجز جنسيا .. ولكنه كان يحضننى وهو نائم .. كان يمسك بيدى فى عز نومه .. وكأنه يخشى أن يفتح عينيه فلا يجدنى .. كان كثيرا ما يطبطب على ظهرى دون سبب وكأنه يواسى حزنى الغير معلن .. أتذكر ذلك اليوم الذى سقطت من على الدرج واصبت بجرح ما زال يترك أثاره على ظهرى حتى الآن .. كان يغير لى على الجرح ودموع محبوسة فى عينيه مع كل أهة تصدر عنى .. فى هذا اليوم كنت على أتم الاستعداد للزواج منه ... كم كان حريصا فى هذا اليوم ألا يؤلمنى حضنه .. ألا تثير ذراعيه الملفوفين حول جسدى الواهن جراحى .. وددت لو طلبنى للزواج .. بالرغم من عجزه الجنسى .. فقط من أجل حضن دافئ تستطتع الأنثى أن تفعل أى شئ .. أيا كان حتى اهمال انوثتها .. وكى أكون واضحة فقد كانت له من الحيل ما يشبع بها جسدى .. كى يعوضنى عن عدم مقدرته .. ولكن فى كثير من الأحيان كنت أنظر اليه وهو يجاهد كى يحافظ على بقائه بداخلى بالرغم من عدم انتصابه الصريح وأتمنى رجلا حقيقى .. عفى .. لا بقايا رجل .. والمضحك فى هذا الشأن أنه كان يظن نفسه مارد .. جبار .. لا مثيل له .. والأكثر كوميدية من هذا كله .. انه فى بعض الأحيان كان يمنحنى متعة جسدية كما لم أحياها من قبل .. ربما كان حضنه هو السبب ..

ولكنه يوما لم يسألنى الزواج بشكل جدى .. وبمرور الوقت فررت من عجزه الذى سبب لى «الديسك» من كثرة محاولاته الفاشلة المستمرة .. التى يبدُ انه لا يعلم عن فشلها شيئا .. خصوصا بعد أن أصبح الحضن منسيا فى معاركه التى لا حيله له فى كسبها .. فقدت حضن أحتوانى وأدفأنى .. ولم أحزن كثيرا عليه فالحسرة تملأنى ولا مكان لحزن جديد ..

أنه «أحمد سالم» «الأمبراطور» كما يطلقون عليه.. النجم السينمائى الأول فى مصر والوطن العربى .. وزير النساء اللامع .. وعندما تناقلت الأشاعات عن مغامراته الجديدة مع المطربة اللبنانية «الصاروخ» سقطت فى نوبة ضحك هيستيرية ... هم يضحك وهم يبكى .. فليسعد سعيد بسعيدة ... فالجميع عجزة ...

وأنا أولهم .. فأنا عاجزة عن ايجاد حضن رجل غير عاجز عن الحلم .. أريد رجلا .. أريد من يحمينى من وحدتى ... أريد من يحمينى من نفسى .. أريد من يحمينى من حزنى .. أريد من يحمينى من ليل القاهرة الموحش.

هناك 13 تعليقًا:

حياة يقول...

احساس جميل قليل منا يصل اليه ولكنك وصلتى لنقطة الضعف لدى والتى احلم بها دائما الحضن االذى يحسسك بالامان تحياتى اليك وربنا يوفقك الى الحضن الدافئ وفى انتظار سهرة من سهرات افتر ايت سمعت عنه فى زيارتى لمصر المرة الماضية ولكن ذهبت الى ابسلويت وعلى فكرة عشت نفس احساسيك مع الفرق

Abeer Soliman يقول...

على فكرة دى مش أحاسيسى أنا .. دى أحاسيس "حياة" بطلة الرواية اللى مازالت تحت التنفيذ واسمها "القاهرة ليل داخلى"

السنونو يقول...

الأجمل قدرة حياة عن التعبير عن إحساسها بالشكل الواضح ده الغريب برضه أنه واضح أن الرواية فى زمن ماضى لكن نفس التفاصيل ونفس الأحاسيس ونفس الإحباطات والأمنيات مستمرة
هو أيه أحنا الزمن واقف بينا ليه

ابن المليونير يقول...

أستاذة عبير
إسلوبك كعادتك ملئ بالشجن و التساؤلات المحيرة
و لكن هناك بعض الغموض مثل كيف عرفت حياة ان معتز مثلي؟، و ما سبب الطلاق إن كان لكل منهما مصلحة لدى الآخر و قد اتفقا على ذلك دون إتفاق؟

لازالت إشكالية الجسد تؤرق حياة "حياة"،أتريد من يهتم بذاتها ام تريد إشباع الجسد، تبدو متحيرة بعض الشئ

"مسئولية إشباع الجسد بإنتظام"
أظن أن الجسد ليس بسيارة تبغى وقودا ً بصفة دورية، هناك مُحرك أخر للجسد غير إشباعه حسيا ً فهو لا يشبع يا حياة

تحياتى و كل سنة و حضرتك بخير

Tarek Elkhatib يقول...

رائع !!! كيف نسجتى كل هذة الأحاسيس المتعددة فى حكاية واحدة ؟؟؟ تلك هى مقدرتك المميزة..
خطفتنى حكاية (العاجز),, فقد صورت لى فى البداية أنها العلاقة المثالية المشبعة والمريحة ثم نقلتنى لمرحلة التعود والملل ثم التمرد,,, شأن كل العلاقات والأشياء الجديدة
أنتظر الكتاب بشوق فشعور القرأة من الورق لا يساويه أبدآ شعور القرأة الألكترونية المتقطعة

سارة نجاتى يقول...

أنت عبير سليمان؟؟؟

لو تعرفى كام مرة كنت ناوية أبعت لك ايميل أيام ما كنت بتكتبى فى الدستور , أنتى بتطلى ليه صحيح ؟؟

أنا بقى واحدة عارفة أنها ح تبقى عانس ههههههه, بجد و الله , بس عشان لسه لم أعبر السن اللى بيبدأ من خلاله المجتمع يدينى مسمياتى و ألقابى مش ح أقدر أكد المعلومة .
أنا مش كنت أعرف أنك مدونة أصلى مش بدأه تدوين غير من كام شهر , يمكن لو كنت ح أبعت لك ايميل كنت ح أقول حاجة واحدة "أحييكى على جرأتك " فى حاجات كتيرة أولها الكتابة تحت العنوان ده و حاجات تانية كتير , بس حقيقية و دى أهم حاجة .
عجبنى جدا الجزء ده , بس مش تسيحى كتير من أفكار الرواية بتاعتك

أنا سعيدة جدا بالتعرف على مدونتك

تحياتى

رجل من غمار الموالى يقول...

الأخت عبير تحياتى
..
ولماذا اتخذتى من الماضى خلفية لأحداث روايتك
من أيام أسمهان وأحمد سالم
........
فلتجعليها الأن رواية معاصرة
فنحن أحوج للحديث عن واقعنا المأساوى
......
تحياتى
...
لى ملاحظة على رسم شخصيات الرواية
لكى لا اشعر أن الشخصيات بعيدة عن واقع مجتمعى
أريد أن تتمثل الخلفية المصرية فى الأحداث
الأسرة المصرية التقليدية الشائعة فى الحياة المصرية
لكن الشخصيات التى تعيش منعزلة فى عوالم خاصة بها
تركب سيارات تسهر حتى الفجر
لا تعانى فى سبيل لقمة العيش
...كل هذه الأمور تجعل الشخصيات بعيدة عن الواقع المصرى
..
تحياتى

.

Anollipian يقول...

هو دي قصة و لا بجد ؟

Abeer Soliman يقول...

Anolipian

دى محض خيال

Abeer Soliman يقول...

سارة.

مش قادرة أقولك كلامك عمل فيه أيه!!!!
شكرا على متابعتك وتشجيعك

دينا يسري يقول...

الجميلة جدااااااااااا

عبير سليمان.. حقلك تاني في ناس

تشوفيهم من اول مره تحبيهم ويدخلوا

قلبك وانت على رأس الناس دي

اسلوبك رائع جدا واتمنى مزيد من القاهرة ليل داخلي

وعلى فكرة مدونتك الوحيده اللي بحرص انى اتابعها باستمرار

عذرا لاطالتي واتمنى تقبلي تحياتي

غير معرف يقول...

احساس واسلوب يشد ورائع في بساطته وانسيابه .... كل مدوناتك جميله جدا وبتمس كتير اوي مننا...واعجبت في بوابة التلاتين وكلهم طبعا انما يمكن دي لانها جت بوقتها يا عبير :)
تمنياتي لك بالتوفيق وما تحرمناش من كتاباتك الرائعه دي

Shaimaa يقول...

نعم أيها البشر!!!! .. أيها البشر اللذين لم يصبحوا بشرا منذ أمد!!! أمد بعيد!!1 .. نعم أريد رجلا.. أريد زوجا.. وما العيب فى ذلك؟.. أريد حضنا يحتوينى كل ليلة .. أريد رجلا يهتم بفرحى.. بألمى .. بوجعى .. بسعادتى.. بفشلى .. باحباطاتى .. بدموعى .. بضحكاتى .. رجلا يهتم بتفاصيلى بأكملها..أريد جسدا فتيا يشبع جسدى الثلاثينى الذى يزداد جوعه يوما بعد يوم...
ولكن زمن الرجال انتهى .. حتى فى الفراش .. الجميع عجزة ولكن بدرجات متفاوتة.. يريد الرجال أجساد يفرغون فيها رغباتهم.. ولكن دون أية مسؤلية .. حتى مسؤلية إشباع الجسد بإنتظام .. والحجج تزداد تنوعا يوما بعد يوم .. بازدياد الرجال لباقة
عارفة يا عبير أنا عارفة ان الجزء ده جزء من رواية بس أنا نفسى أقوله بأعلى صوتى انتى بتكتبى بلسان كل بنات جيلك الكلام بيوجع بس حقيقى