الثلاثاء، 30 ديسمبر، 2008

من كَلكَامش الى فاطمة!!




أول أمس قلقت فى نومى، تقلبت فى سريرى طويلاً، ولكن وخزة فى صدرى رفضت أن تنام هى الأخرى، وتسلطت على كحجر ثقيل يرقد ممداً على رئتى ليقاوم عملية تنفسى... فإستيقظت قُبيل الفجر ، وأنا عكرة المزاج... تصفحت الجرائد وصندوق بريدى الإلكترونى، الذى وجدت به خبر وفاة والد إحدى معارفى.. فزاد ثقل الحجر الرابض على صدرى.. ولكنى رفضت الإستسلام لكآبة صباحية قد تؤدى بيومى بأكمله.. وذهبت للجرى.. عَلِى أزيح عن يومى تلك السحابة الرمادية.. ونجحت بعض الشئ فى تحسين حالتى المزاجية اللاإرادية وذهبت الى عملى لأجد مديرى متغيب عن العمل لوفاة والدته.. فعادت الى الوخزة اياها وغلفت عقلى كثافة قاتمة غير محددة المعالم.. وتحايلت على عقلى بتجاهل كل ما يزيد عكرتى الصباحية.. ومرت ساعاتى الأولى بطيئة مملة خالية من أى بهجة.. وفى منتصف اليوم هاتفت أبى وأمى - كعادتى فى مثل هذا التوقيت - ولم يجيبنى أحدهما سواء على هاتف المنزل أو المحمول.. فزادت حدة الوخز فى صدرى.. ورفضت أن أستسلم لأى إفتراضات داخلية عن غيابهما فأتصلت بأختى فى عملها لأستفسر عن غياب والدينا فقالت:
- فى البلد... بيعزوا
سألتها فى هدوء: فى مين؟
-مش هاتصدقى
فرددت عليها ساخرة: - هاحاول!!
-فى فاطمة بنت خالك أحمد أبو شادى
عند هذه اللحظة فقط أتضح لى سبب إنقباض صدرى.. انه الموت.. يحاصرنى من قبيل الأستيقاظ.. يحوم حول بشر محيطين بى.. وكأن الكون يدعونى لضرورة التأمل فى فكرة الموت... الغريب أن هدأ الألم فى صدرى.. وكأنه أنتهى من أداء الدور المحدد له ولزمت كعادتى الصمت فى مواجهة الموت.. وتفتحت تلافيف ذاكرتى عن فاطمة.. يااااااه... فاطمة ابنة خالى أحمد «ابن عم أمى» وطنط راوية... وحملتنى ذكرى فاطمة الى طفولتى فى قرية جدتى...
حيث كنا - أنا وفاطمة - صديقتين... كانت تصغرنى بأربع سنوات.. كانت هى الفتاة المؤدبة.. اللطيفة.. الهادئة، وأنا العفريتة التى لا تكف عن اللعب والتخريب.. كانت هى الجميلة.. البيضاء ..واسعة العينين... ناعمة الشعر الطويل الحالك السواد.. وأنا أم دم خفيف «كانت حيلة من أهل قريتنا كى لا يجرحون مشاعرى أنا السمراء شعثاء الشعر أمام جمال فاطمة الأخاذ»... كنا صديقتين موسميتين.. نتقابل فى الإجازة الصيفية عندما يأتى خالى أحمد هو وأسرته من الخليج وأنا أهرب من مدينتنا الصغيرة لأعسكر عند جدتى طوال فترة الإجازة.. وخلال هذا الشهر من كل عام نتقابل كل يوم صباحاً فى دوار جدى إبراهيم -جدى وجدها- وعمدة القرية لنشاهد التليفزيون ونبقى أمامه كل يوم حتى نتابع مسلسل الساعة الثانية عشر ظهراً بعد نشرة الأخبار.. بعدها يحين موعد الغداء الذى نتناوله فى أى دار من دور القرية فجميعها مفتوحة لنا.. وفى العصرية نجلس مع «ستى خُطرية» زوجة «جدى إبراهيم العمدة» نستأنس بحواديتها ونتنافس على القرب منها.. فلبدانتها المفرطة التى تمنعها من الحركة سحر خاص كان يجذبنا للأستلقاء على حجرها الرحب.. وفى «مقعد» ستى خطرية كانت تتوافد جموع النساء كل بحكاية وشكوى من نوع خاص.. وكنت أتدخل فى الحوارات الدائرة -على عكس فاطمة- فتصيبنى نظرة تأنيب من ستى خطرية كفيلة بأسكاتى لبعض الوقت.. كنا معروفتان ب» اللمضة والهادئة» .. نجوب حوارى القرية ركضاً تلاحقتنا جلجلة ضحكاتنا.. نفترق عند صلاة المغرب ونعود لنتقابل بعد العشاء على المصطبة المجاورة لغرفة الغفر.. تحكى لى فاطمة عن حياتها فى مدينتها الخليجية بكل تفاصيلها.. المبانى.. الناس .. المدرسة.. أصدقائها.. وأحكى لها عن شقاواتى اليومية فى البيت والمدرسة ومع صديقاتى وبالطبع عن مغامراتى «الخيالية طبعاً» .. يآآآه .. أتذكر الآن آخر المغامرات التى فقستها فاطمة عندما شطحت بخيالى ورويت لها «حادثة إختطافى» التى وقعت فى ذات العام:
- كنت خارجة من المدرسة تعبااانة من كتر الحصص.. وهناك ع الباب كان فى واحد راجل راكب على حمارة.. أول ماشفنى جه ناحيتى وقال لى أنت بنت فلان الفلانى .. قلت له: أيوا.. فقالى تعالى لما أوصلك عند بيت أهلك.. وراح هو راكب على الحمارة .. ومسكنى فى ديل الحمارة وركب هو فوقها .. وفضل يجرى .. يجرى .. يجرى.. ولما لقيته بعد عن المدرسة .. ومشى فى طريق تانى خالص.. عرفت بقى انه بيخطفنى.. رحت مسهياه وسيبت ديل الحمارة وطلعت أجرى .. وفضلت أجرى .. أجرى لغاية ما وصلت البيت...»
- طب ليه ما سيبتيش ديل الحمارة من الأول؟ هكذا سألت فاطمة وجاوبها الصمت
بالطبع فضحت فاطمة «فشرى» وأختلاقى للحكايات وجرستنى عند جميع أفراد العائلة .. وعُيرت لفترة ليست بالوجيزة بهذه الحكاية التى كانت آخر مغامراتى المزعومة فى الطفولة...
كنا فى الليالى القمرية نصعد الى سطح منزل جدتى ونتبادل الأحلام.. حكيت باستفاضة عن أحلامى التى كانت تدور حول إحتراف الرقص.. وروت لى مراراً عن رغبتها فى أن تصبح طبيبة وأن تتزوج من فارس الأحلام.. وروَت ورويت وجمعنا تاريخ جميل من الحكايات والأحلام.. وبعد انقضاء فترة الطفولة باعدت بينا الحياة.. وأصبحنا نتلاقى فقط فى المناسبات العائلية التى أصبحت بمرور الوقت نادرة.. صادفت فاطمة - لآخر مرة- منذ بضعة سنوات كانت قد التحقت لتوها بكلية الطب وكنت قد انتهيت من دراستى الجامعية.. كانت الأيام قد بنت حائطاً سميكا بيننا فلم نتبادل سوى كلمات تحية وجلة وكأننا نخشى أن نخسر صداقة الطفولة اذا ما اكتشفنا عمق الهوة بيننا فى ذلك الوقت.. و صدمت عندما لم أجدها طفلة صغيرة كما إعتدت عليه . فلم أعلم من قبل أنى لم أصبح طفلة الا عندما قابلت فاطمة وكانت عروسة يافع
وبعدها عدت الى منزلى ونظرت لنفسى فى المرآة أبحث عن علامات العمر فى ملامحى.. فأدركت أن الزمن الشخصى ندركه -فقط- فى وجوه المحيطين بنا..
وماتت فاطمة أول أمس.. عندما كان زوجها يوقظها من النوم فلم تستجيب له.. كانت قد فارقت الحياة بهدوئها المعتاد دون صخب .
فجر موت فاطمة فى صدرى أسئلة لا نهائية عن جدوى الحياة.. ومعنى الموت.. وعبثية القدر.. وفائدة الأحلام..
هل حققت فاطمة أحلامها؟ هل فارقت الكون الصاخب راضية مرضية.؟. أم كان لديها قائمة مؤجلة من الأحلام؟ أنا لا أبغى الخلود ولكنى ضد عبثية الموت.. من حق كل انسان أن يأخذ وجبته كاملة من الحياة.. فالموت والمرض هما عدوا الحياة .. المرض عثرة اليمة ولكنه ليس النهاية وأحيانا يكون نداء الصحوة لبعض الغافلين.. أما الموت.. فهو الحقيقة المؤكدة فى تاريخ البشرية.. فعندما يولد طفل جديد لا أحد يستطيع أن يتكهن بمصيره ولكن ما من أحد لا يعرف مثواه الأخير.. انه الحقيقة الوحيدة المطلقة فى حياتنا..

عدت الى منزلى واهنة مهزومة و»ملحمة كَلكَامش» ملك الوركاء تملأ عليّ حواسى .. وسكنتنى سخرية عميقة عندما تذكرت أنها أقدم حكاية فى تاريخ الأنسانية واسترجعت فى عقلى الجزء الخاص ببكاء كلكامش على صاحبه وأخيه الاصغر انكيدو الذي أدركه الموت”مصير البشر“ وأخذت أردد فى خيبة:

انه”انكيدو“ صاحبي وخلي الذي أحببته حبا جما
لقد انتهى الى ما يصير اليه البشر جميعا
فبكيته في المساء وفي النهار
ندبته ستة ايام وسبع ليال
معللاً نفسي بأنه سيقوم من كثرة بكائي ونواحي
وامتنعت عن تسليمه الى القبر
أبقيته ستة ايام وسبع ليال حتى تجمع الدود على وجهه
فأفزعني الموت حتى همت على وجهي في الصحاري
إن النازلة التي حلت بصاحبي تقض مضجعي
آه ! لقد غدا صاحبي الذي أحببت تراباً
وأنا، سأضطجع مثله فلا اقوم ابد الآبدين
فيا صاحبة الحانة، وأنا أنظر الى وجهك
أيكون في وسعي الا أرى الموت الذي اخشاه وأرهبه؟

ابتهجت بعض الشء عندما أتسرجعت رد صاحبة الحانة على كَلكَامش -وأنا أُسحب فى دوامة نوم ثقيل- قائلة:
الى اين تسعى يا كَلكَامش ؟
ان الحياة التي تبغي لن تجد
حينما خلقت الالهة العظام، البشر
قدرت الموت على البشرية
واستأثرت هي بالحياة
اأما انت يا كَلكَامش فليكن كرشك مليئاً على الدوام
وكن فرحاً مبتهجاً نهار مساء
وأقم الافراح في كل يوم من ايامك
وأرقص وألعب مساء نهار
واجعل ثيابك نظيفة زاهية
واغسل رأسك واستحم في الماء
ودلل الصغير الذي يمسك بيدك
وافرح الزوجة التي بين أحضانك
وهذا هو نصيب البشرية.


الأربعاء، 24 ديسمبر، 2008

رسائل - الجزء السادس






إبتزاز مودرن
روما- منتصف يونيه 2008
صديقى الصدوق فؤاد...

لا أدرى من أين أبدأ ولا أين سأنتهى.. أفتقدك بشدة فى أيامى الصاخبة... التى تدور فى دوامة الحياة بلا توقف.. بلا متع حقيقية وبلا ألم يذكر أيضاً... فلم يعد هناك أية متعة فى لهاثى خلف أشياء أصبحت عديمة الأهمية بالنسبة لى كرسالة الدكتوراة على سبيل المثال لا الحصر .. ربما أريد أن أؤمن حياتى عن طريق يافطة الدكتوراة العريضة والتدريس مستقبلا فى المعهد.. أنها الساقية التى يبدأها الثور وينهيها صاحبه ولا حيلة للثور فى دورانة .. ولكن على صعيد العمل الحقيقى لى - والذى لا يدر على أي دخل - فقد أنتهيت لتوى من فيلمى التسجيلى الثانى وأقوم بعرضه الآن فى مهرجان روما للسينما المستقلة ولهذا السبب أنا هنا الآن فى أيطاليا.

الحقيقة أنى أراسلك لأنى فى محنة ولا أستطيع طلب معونة أحد سواك.. ربما لأن محنتى سببها شخص تعرفت اليه فى منزلك.. وأعلم أيضا أنه أحد أبناءك فى الحياة.. فأنت - المعتزل للحياة الثقافية فى مصر - حضن لأجيال سبقتنى وأجيال أخرى تلينى... سأحكى من البداية آمله طول بالك وصبرك:

منذ عدة أيام وقبل مجيئى الى إيطاليا مباشرة هاتفنى العربى الشحات وطلب ضرورة رؤيتى لأمر هام - علما بأنى لم أقابله قط خارج جدران منزلك أو كما أحب أن أسميه "قهوة الحيارى"- وأصر على أن تكون المقابلة خارج بيتك لأنه يريد أن يخبرنى عن شئ لا يمكن مناقشته فى حضورك.. ظننت أنه سيفاتحنى فى رسالته التى أرسلها لى منذ شهرين فى شكل قصة قصيرة كتبها ولكنها كانت دعوة مستترة لممارسة الجنس معى.. ولكنى تجاهلت الرسالة المخبأة بسذاجة فى قصته القصيرة الملفقة.. وأدعيت الجهل وعدم الفهم كى لا أصطدم معه.. أو لأكون أكثر صدقا لأنى أفتقد القدرة على المواجهة برغم من جرأتى فى شتى مناحى الحياة.. الا فيما يختص بأنوثتى..

وربما كانت الأنثى بداخلى يسعدها مثل هذا الأطراء حتى وأن كان من العربى الشحات .. فأنا برغم من كل نجاحاتى وكل البريق المحيط بى الا أنى وحيدة يا أبى وبالرغم من الإطراء الموجه لى من الناس جميعا الا أنى أفتقد الرجل.. ربما لم أردعه قطعياً لمثل هذا السبب.. ربما أعجبتنى فكرة المعجب الولهان.. ربما هى أنعكاسات فى اللاوعى لحالة الوحدة التى أحياها... ولكن دعك من كل هذه المهاترات الفكرية فأنا بالفعل أنفر منه كرجل.. ولكنى كنت –فقط - أعتز به كزميل فى "قهوى الحيارى" .. فمنذ أن قابلته عندك من بضعة أشهر وأنا أجده شخص ثرى بالحكايات.. ولكنه يعشق الكلام وغالبا ما يصفصط بلا أى معنى.. ولكنه أيضاً روائى موهوب..

المهم عندما طلب مقابتى لم أستطع التملص.. فأقترحت قهوة البستان فاعترض لأن عليها يجلس الكثيرون من معارفه وهو يريد أن يحادثنى دون مقاطعة من أحد فقبلت طلبه مردده لنفسى:
• خلينا ورا الكداب لحد باب الدار لأنه لو فتح موضوع رغبته فى مضاجعتى سأنتهزها فرصة مواتية "للشبشبة" وأيضا للتخلص من خجلى وتلعثمى .. وأيضاً لأغلق هذا الموضوع الى الأبد بدلا من أسلوب "على المدارى" الذى أتبعه

دخلت "أستوريل" فى وسط البلد وجدته فى أنتظارى.. متلعثما لا يستطيع الأمساك ببداية كلامية بعينها.. تقافزت الكلمات المبعثرة على لسانه لأكثر من عشر دقائق.. دون جملة واحدة مفيدة ذات معنى فقاطعته قائله:
• باقوللك أيه يا عربى .. أنا مش فاهمة حاجة خالص.. قول اللى عندك على طول..
وبعد مشقة فى متابعة جملة المقتضبة فهمت انه شاهد فيلم لى فقلت:
• وأيه المشكله يعنى؟
فقال:
• لاااا دا فيديو ليكى وأنت فى أوضاع مخلة
غلى الدم فى عروقى وتصاعد ثائراً الى رأسى... كيف؟ ومن؟ ومتى؟ ولماذا؟ تشقلبت كافة علامات الاستفهام داخل رأسى واستطرد هو جمله الغير مكتملة وفهمت أن الفيديو لفتاتين سحاقيتن – أنا (كما يفترض هو) وأخرى روسية- يصورهما شاب فى مدينة ساحليه... وأخذ يذكر أسمائهم وأشكالهم على أتعرف عليهم فى ذاكرتى... فقاطعته:
• باقولك أيه!! مش أنا اللى بتحكى عنها دى
فنظر الى بعينين فيهما من الوقاحة ما يكفى لأرباكى وقال بتصميم:
- لأ انتى.. أنا متأكد
- أنت تتأكد على راحتك... باقولك مش أنا اللى فى الفيديو اللى بتحكى عليه... وكمان قول ممكن ازاى يكون فيلم ليه زى اللى بتحكى عليه يكون وصل لك؟!! وحتى لو أنا البنت نفسها اللى فى الفيديو جاى تقول لى الكلام دا ليه؟
- جابهولى أخويا .. أصله عنده مكتبة جنسية هايلة.. كان جايب لى الهارد ديسك بتاعه وعليه مجموعة من الأفلام وبالمصادفة العجيبة - اللى مش ممكن تحصل ولا فى الخيال - لقيتك فى واحد من الأفلام أنت وواحدة روسية وكان معاكوا واحد مصرى تانى بيصوركوا وقررت أقول لك علشان لو ما كنتيش تعرفى ان الشخص الحيوان اللى صورك نزله على الأنترنت... وكمان علشان ما يحاولش يبتزك

لم يكن لكلامه أى منطق ولا أى رجع صدى لدى ولكن ربما لجمتنى المفاجأة والأتجاه غير المتوقع لحديثه فكنت شاردة توترنى نظرة عينيه الغائرتين فى عظام جمجمته الصغيرة.. وسرحت فى أمكانية تلفيقه لفيديو عن طريق صوره لى حصل عليها من على الفيس بوك أو أى داهية الكترونية أخرى.. وبعد دقائق شرود وهو جالس أمامى يشرب قهوته .. كان مازال يلوك الكلام فى فمه ليخرج ساذجاً من بين أسنانه الضخمة المصفرة من فعل أدمانه للمكيفات من القهوة والنيكوتين فتراكمت عليها طبقات بنية تميل الى السواد... ومازال يتحدث وأنا شاردة .. وقليى منقبض ولا أسمع شئ مما يقول وقررت أن أحسم كل هذا العبث فقاطعته قائلة:
• بص بقى علشان الموضوع ده يتقفل.. أكيد .. أكيد اللى فى الفيديو اللى بتحكى عليه دى مش أنا... بنسبة 90% أنت عندك مشكلة فى نظرك أو فى دماغك فشايف واحدة غيرى أنها أنا.. بس هى مش أنا.. و 10% ممكن حد يكون ملفق فيديو على صورتى مثلاً.. بس دا أحتمال مستبعد .. وفى كل الأحوال اللى بتحكى عليها دى مش أنا... بالأضافة أن كلامك كله غير منطقى
• لا والله العظيم أنت .. أنا قاعد بشوف الفيلم ده بقالى أكتر من شهر.. ومتاكد انه أنت.. . حتى لو تحبى ممكن أجيبهولك علشان تتأكدى بنفسك

زعزعتنى ثقته فوافقته فى بادئ الأمر أن يحضر لى الفيلم كى أراه ولو من باب الفضول على تلك التى تشبهنى لهذه الدرجة.. ولكنى راجعت نفسى .. فيما أشك؟ أأشك فى نفسى؟! كيف اذا أطلب منه ان يصدق رفضى لأدعائه؟ كيف أهتز أمام ثقته العمياء؟!!!!! فتراجعت فى الحال ضاربة بفضولى عرض الحائط مؤكدةً له أنى لست فتاة الفيديو وأنى لا أرغب فى التأكد من أوهامه الشخصية
.
وأستأذنته بعد أن دفعت ثمن النسكافيه لأنه كان لابد على الأسراع للمرور عليك .. فأبلغنى أنه ذاهب اليك هو الآخر.. فاتجهنا سوياً الى "قهوة الحيارى" وهناك كالمعتاد كان يوجد عشرات الأصدقاء فجلست معكم فترة وجيزة ثم أستأذنت بالأنصراف بعد أن أطمأنيت عليك.. وبعد دقائق هاتفنى مذعورا من انصرافى المفاجئ وقال:
• أنا كده أتأكدت انك متوترة لأنك انت اللى فى الفيديو.. بس ولا يهمك أنا هاكون جانبك لو أى حد حاول يبتزك بالفيديو ده .. وما تقلقيش أنا مأمن نفسى كويس قوى لأى شخص
وعند هذا الحد خسرت أخر ذرة فى صبرى فانفتحت به كما الطالوقة وصرخت:
• أنت ما بتفهمشى يا بنى آدم؟! قلت لك ميت مرة بالأدب انه مش أنا... مش أنا... مش أنااااااااااااااااااااا
وأغلقت الهاتف فى وجهه .. وأصابتنى حالة دوار من صراخى الهيستيري.. وغامت الرؤية فى عينى..وكنت على وشك الأصطدام بميكروباص فركنت سيارتى على جانب الطريق كى أستعيد هدوئى ولكنه نجح فى تحطيم أعصابى .. فتركت السيارة على الطريق وأستقليت تاكسى حتى منزلى...

وفى اليوم التالى شعرت بأنى منهكه من ليله أمس وأعتذرت عن كافة مواعيدى .. ولكى أستعد لسفرى الى روما فى غدى... هاتفنى عشرات المرات فى ذات اليوم فلم أجبه.. وكانت الطامة الكبرى عندما أرسل لى الرسالة التالية على الموبايل:

"أنا عارف انك بتقفلى السكة فى وشى علشان انت معاه دلوقتى "يقصد الشخص الذى صور الفيديو" .. أنا أؤكد لك انى جاهز للرد على أبتزازه ليكى.. وأنى مأمن نفسى كويس قوى.. ما تخافيش يا زينة.. أنا بحبك وهاحميكى... ما تخافيش.. وياريت تعرفى مصلحتك.. وتعرفى انه هو مش هايعملك حاجة طول ما أنا جانبك وياريت ما تفقديش توازنك وتقعى فى حباله.....الخ الخ الخ"

تعدت رسائله على الموبايل العشر رسائل فى يوم واحد.. كلها تحمل نفس المعنى.. ونفس التوتر..و نفس الدلالات القوية على أنه مختل عقلياً.. لا حدود فاصلة فى عقله بين الواقع والخيال.. فهو أخترع حكاية وأخذ يكملها دون توقف.. والغريب أنى عندما تأملت سلوكه لم أجده سوى "إبتزار مودرن" تسلح فيه بضعف الإناث فى هذا المجتمع ابن ال....... الذى يعطى للرجل سلطاته حتى على من تمنعن عليه.. دائما هى لعبة الصياد والفريسة ودائما الفرسية هى الضعيفة حتى بالرغم من كونها بريئة من أطماع الصياد ... ولكن طرق الصيد أو الأبتزاز أصبحت مبتكرة لتواكب عصرنا الألكترونى الحديث.

أرسل اليك رسالتى لأخبرك بهذه الواقعة التى مر عليها أكثر من أسبوع لأن الكيل قد فاض بى وطفح من رسائله التى لا تنقطع عن أنتظاره لى فى قهوة البستان فى كل يوم و معه نسخه من الفيلم ليثبت لى صدقه... ومدى مسانتده وح.............. الخ

أسفه يا فؤاد على إزعاجك بكل هذه التفاصيل ولكنى أطلب تدخلك فربما يهابك.. فأنا لا أريده أن يوترنى بعد الآن.. ولانى أيضا تعرفت اليه فى منزلك ولان لا أب لى سواك من بعد تيتمى فى الحياة... سأصل غدا الى القاهرة .. أشتاق الى حضنك .. ولكنى لا أستطيع زيارتك فالعربى شبه مقيم عندك وانا لا أرغب فى معرفته بعد الآن .. فأمى رحمها الله كانت تقول بصعيدتها " اللى يلاجى عوصة.. يلم هدومه" ........... سأراسلك من الساحل الشمالى حيث سأذهب بمجرد وصولى لأرض الوطن.. مع أنى مش عارفة يعنى أيه وطن!!!!!!!!

قبلاتى من بلاد المكرونة وال باتشنو ودافنشى
صغيرتك

زينة الحياة عبد الله

أصدقائى..

الرسائل لم تنتهى بعد، كما خمن معظمكم... فمازال هناك المزيد...

السبت، 13 ديسمبر، 2008

رسائل - الجزء الخامس






عتاب
الجيزة فى الأول من يوليو 2008








كتبتُ إليكِ من عَتَبِ...رسالةَ عاشقٍ تَعِبِ.
رسائلهُ... منازلهُ... يُعَمِّرها بلا سببِ.
يعود إليك عند الليل... حين تأوه القَصَبِ.
يسائلُ كيف حال الدار !!..كيف مطارح اللعب!!.
و يمسح دمعةً سبقتك... رُغْمَ تمنع الهُدُبِ.
أنا أعطيت هذا الليل... أسمائي و هاجر بي.
جعلت نجومه كتباً ... رسمتك نجمة الكتبِ.

صغيرتى زينة...

قبل أن أبدأ هجومى عليكِ أهديكى أغنية فيروز «نجمة الكتب» لأذكرك بغلاوتك التى لا تقل فى أى حال من الأحوال عن غلاة أبراهيم ولدى، ولكنى فى ذات الوقت لا أعتبرك ابنتى .. لأن ما بينى وبينك هو صداقة وندية لا مقام فيها لسلطة أب، أو صغر عمر ابنته.. وبالرغم من رعونتك المعهودة، الا أنى فى أحيانٍ كثيرة أشعر بأنك الأكبر سناً... وأنى أنا الأبن لا أنت.

يا صغيرتى أنا أشفق علي حالك الوَتّرِ... كما أشفق على جيلك بأسره.. ما أنتم يا غاليتى الا ضحايا هذا الزمن العويل .. فأنا أشهد أحوالكم عن بعد وتبهرنى قدرتكم على التأقلم مع منغصات الحياة. وربما أحد أسباب علاقتى الوثيقة بك هو رغبتى فى إبقاء نافذة مواربة على مجريات الأحداث، فى وطن كان لى يوما سكن.. ولم يعد منذ زمن طويل بعد الخيبات المتوالية التى دهست تطلعاتنا فى مصر أفضل. كنت -يوماً ما- أملك قلب أخضر كقلبك.. ولكنى لم يكن لى -أبداً- صلابتك ولا قدراتك على قهر كوابيس الحياة. ربما هذه هى المرة الآولى الى سأصرح لك فيها بسب حبى الشديد لك فأنت أدهشتينى بعد أن تعدى عمرى الخمسين حيث لا إحتمال جديد للدهشة.. حين أتيت الى وعمرك سبعة عشر عاما تطلبين العمل معى كمساعدة فى أحد أفلامى.. كنت فى ذلك الوقت منتشر ومن أكثر المخرجين عملاً. وعرفت منك أنك من الصعيد وأنك قد تحديت مجتمعك بأكمله كى تأتى الى القاهرة لدراسة السينما.. وراقبتك عبر خمسة عشر عاماً -هى تاريخ علاقتى بكِ ـ وفى كل خطواتك تبهرنى قوة قلبك التى كانت تتجسد لى حتى فى دموعك.. كنت -ومازلت أثق فى ذكاءك وأعلم أن مع كل دمعة تنزل من عينيك .. حكمة تصعد الى عقلك.. أنت بنت طيبة وقلبك نظيف خالى من العفن المنتشر فى النفوس ولكنك قليلة الحيلة أحيانا مع نفسك بالرغم من تظاهرك بعكس ذلك أقصد تحديدا موقفك مع العربى الشحات فقد كنت ضعيفة فى التعامل معه... وخطؤك كان فى إساءة التقدير. بمتهى البساطة عربى الشحات ليس مثلك وأنت تعاملتى معه بحسن نية (لا تمنع الهلاك»

دعينى أخبرك القليل عن العربى ابن الحقبة الساداتية التى أفرزت مجموعة من المشوهيين .. تمعنى فى شباب هذه الفترة وأشيرى لى على متفرد حقيقى بينهم!!، عن مبدع أصيل!!.، عن أنسان بمعنى الكلمة!!. كل أبناء عصر الإنفتاح - وأستثنى منهم القليل - يرفعون شعار «توتو على كبوتو» أو «أبجنى تجدنى». عصر مادى، لا مكان به للإنسانيات. والنتيجة أشباه آدميين والمسمى الأدق «طفيليات أنسانية» تعيش على الآخرين.

بأختصار العربى الشحات عاطل لا يعمل، ويتخذ الفن ناصية يجلس تحتها طوال الليل والنهار. فهو يبدأ يومه فى حوالى الثالثة عصراً أو ربما بعدها...ا يشرب قهوته وسجائره، ويرازى فى امرأته المريضة التى غالباً ما يرسلها الى أهلها معظم الوقت وهى ترضى لكونها مريضة ولكونه «فنان» فلابد له من الإنطلاق.. يخرج العربى من بيته بعد قراءة الصحف الى القهوة.. يجلس عليها طوال النهار يلعب «الطاولة» ويقابل الكثيرين من أمثاله العاطلين الذين يطلقون على أنفسهم «فنانين» وفى المساء يذهب الى أحد التجمعات المنزلية مثل بيتى الذى تسمينه انت « قهوة الحيارى» أو كما يسميه أبراهيم عندما يأتى لزيارتى «بيت من لا بيت له» حيث التجمعات اليومية للكثير من الأصدقاء الصحفيين، والكتاب، والمخرجين، والموسيقيين.

لقد أصبح العربى زبون دائم عندما جاء لزيارتى ذات مرة مع عبد الحفيظ الدراملى السناريست «منك لله يا عبد الحفيظ هو اللى بلانى بالبلوة السودا دى» منذ حوالى خمسة أعوام. وكان العربى قد فاز لتوه بجائزة الدولة التقديرية عن عمله الأوحد «مكتوب» ومنذ سلامى الأول عليه أقتحمتنى نظراته الثاقبة المتبجحة التى شعرت وكأنه يتسلح بها ضد حكم الناس عليه. فهو لديه عقد نفسية مرتبطة بأسمه وأخرى بمظهره.. حيث قصر قامته ـالتى لا تتعدى متر وأربعين سنتيمترا- ونحافته الشديدة.

المهم اعتاد العربى على زيارتى كل يوم تقريبا للعب الطاولة وأحيانا لإقتراض نقود ودائما لأن ليس لديه شيء آخر يفعله..أقول لك كل هذا لأوضح لكِ أنه ليس بصديق.. ولكنه مثل كثيرين غيره يقصدون منزلى لأعتقادهم بأنى عجوز خَرِّف يأكلون ويشربون وينامون على حساب صاحب القهوة اللى هو سيادتى... بإختصار أنا أشفق عليه لأنه مريض نفسى، ومنبوذ من الأوساط الأخرى؛ لأن ما فعله معك فعله من قبل مع كثيرات غيرك يا زينة. فلعبة «أنا شفتك فى فيلم جنسى» لعبة قديمة تبدأ عندما يحاول أن «ينط على واحدة» -آسف لأستخدامى لهذا اللفظ؛ ولكنه ضرورى لتبليغ المعنى المقصود.-.وترفضه.. هنا تطهر العقد النفسية و يبدأ هو الأسطوانة المشروخة أياه التى سمعتيهاا!!!. وأتوقع أنه بعد فترة سيحاول أقناعك بالزواج منه ككرت أخير... كما يفعل هو داذما.... آدى يا ستى رجالة ومبدعين آخر زمن!!!!!!!
على العموم أنتهزت هذه الفرصة السانحة لأستأصله من حياتى.. فهو كالمرض اللعين أذا تمكن من الجسد يصعب أيقاف زحفه.. فبعد أن وصلتنى رسالتك الماضية وعند أول زيارة له فى منزلى طردته على الفور وطالبته ألا يحاول الأتصال بك مجددا. وأعتقد أنه لن يزعجك بعد الآن.

فلنعود إليك أينها الحبيبة الزينة.. أنت مخطئة.. ولا أستطيع لوم أحد غيرك.. فحين جاء اليك ليبلغك أنه شاهدك فى فيلم جنسى كان لابد أن يكون ردك: وأنت مالك يا ابن ...... كذا.... وكذا... وكذا... أنا ولا مش أنا؟!!! وانت مال .... أمك!!!!!!! أيوا أنا بقى.. ليك حاجة عندى؟!! وعتبى الأعظم عليك هو لماذا أدخلتيه بيتك؟!! وأقول لك ختاماً قول يوحنا بولس الثاني «العالم كائن حي، لكل واحد منا شيء يحصل عليه من الآخرين، وشيء آخر يعطيه لهم».

كل الحب والحنان من
فؤاد الراهب

أصدقائى...

الحكاية قربت تخلص

الخميس، 11 ديسمبر، 2008

رسائل - الجزء الرابع



سلبية
الساحل الشمالى فى منتصف يوليو 2008

أبى العزيز ... فؤاد...

أتمنى أن تصلك رسالتى وأنت فى أتم صحة وعافية. وأرجو أن لا يعصبك -كالمعتاد - مناداتى لك بوالدى.. ولكن حقا هذا هو شعورى.. فمنذ وفاة والدى -وحتى قبل وفاته- وأنت أبى الروحى ... هذا بالأضافة لكونك صديقى وحبيبى «وبطاطسيتى كمان»

آآآآه... لقد أتعبتنى القاهرة يا فؤاد.... وضقت بجوها الحار وأهلها غلاظ القلوب فقررت الهروب الى الساحل الشمالى. ولكن كل هذه الشكاوى لا تنفى إشتياقى لأحضانك الدافئة.. التى تشبه الوحى فى إحساسها... نعم يا أبى لديك حق فى كل كلمة ذكرتها فى رسالتك الأخيرة.. وأكتب لك لأعترف بخطأى من ساسى الى رأسى ..ولكنى سأقص عليك كيف دخل العربى الشحات الى منزلى..

لم تكن زيارته بدعوة منى ولكنه فرض نفسه على. ففى تلك الفترة التى كنت أنت خلالها فى باريس لزيارة زوجتك وولدك.. كان يتصل بى تليفونياً بين الآن والآخر لمتابعة حالة زوجته فى القصر العينى فكما تعلم هى مريضة سرطان وأنا عضوه نشطة فى جمعية لمكافحة هذا المرض اللعين ونقوم بعلاج بعض الحالات بالمجان وقد ساعدت زوجته فى عمل بعض الأشعة والتحاليل قبل عملية الإستئصال الأخيرة التى قامت بها.. وذات ليلة بعد خروج زوجته من المستشفى هاتفنى طالباً رؤيتى لأهدائى نسخة من الطبعة الثانية لروايته «مكتوب» وتعللت معتذرة بإنشغالى بعرض فيلمى الوثائقى الأخير لمجموعة من الأصدقاء فى منزلى.. فما كان منه الا أن قال: خلاص هاعدى عليكى وأتفرج معاكم على الفيلم وبالمرة أديلك الرواية

وهنا تكمن مصيبتى الكبرى يا فؤاد فأنا لا أعرف أن أقول لا... ولا أستطيع أحراج الناس .. فصمت وتلجلجت وفهم ردة فعلى على أنها موافقة ضمنية ودعوة صامتة ..حاولت التملص ولكن دون فائدة.. وفى النهاية قلت لروحى: خليه يجى وأصحابك هنا وأهو تتدارى فيهم وعلشان يعرف ان موضع أنه يعمل علاقة معاكى ده موضوع مستبعد تماماً ....وحضر العربى فى وسط أصدقائى ولكن فى حوالى الحادية عشرة والنصف مساءاً وقد كنت أبلغته أننا سنبدأ العرض فى تمام العاشرة... وبعد الإنتهاء من العرض فتح حوارات سفسطائية مفلطحة مع الحاضرين.. ولم يستطع أحد غيره التحدث فى هذه الليلة السوداء... ولقد ضايقنى إقتحامه لمنزلى ولكن سلبيتى حسمت الأمر فى تلك الليلة.. وأنصرف الجميع ماعدا سلمى صديقتى التى طلبت المبيت عندى ودخلت الى غرفة النوم مباشرة وطلبت منى إيقاظها قبل خروجى فى الصباح وخالد صديق سنوات المعهد ومساعد الأخراج فى الفيلم والأستاذ العربى الشحات.. وبدأت فى التثاؤب وكذلك خالد معلنين رغبتنا فى انهاء هذه الليلة ولكن لا حياة لمن تنادى يا أستاذى.. قاربت الساعة على الثانية بعد منتصف الليل والعربى مازال يتحدث عن أشعاره وقراءاته وكتبه .. ولمحت النوم يغازل عيون خالد فملت عليه طالبه منه ألا يغادر قبل أن يأخذ هذه المصيبة التى أحضرتها لنفسى معه...
ولا أحد بتحرك من مكانه.. فتفتق ذهنى عن حيلة سلبية مثلى فقلت :
طيب يا جماعة أنا هادخل أنام واعتبروا البيت بيتكم بس لو سمحتوا قبل ما تنزلوا حد يخبط عليا علشان أقوم أقفل باب الشقة وراكوا كويس... أصل الكالون بايظ ولازم يتقفل بالمفتاح

فاذا بالأستاذ العربى يسألنى: هو أنت ها تصحى بكره الساعة كام؟
صعقت من سؤاله وقلت متلجلجة: يعنى حوالى الساعة تمانية فقال: خلاص أنا هامدد هنا لغاية الصبح على الكنبة فى الأنتريه وأنت نازلة الصبح صاحينى علشان ميعاد آخر مترو فات من وقت طويل
نزلت على كلماته كالصاعقة.. واستغربت وقاحته.. ربما تشجع بفعل سلمى ولكن سلمى صدبقتى منذ سنوات وفتاة مثلى... أما هو فهذه أول مرة يدخل منزلى.. ولسنا بالأصدقاء المقربين .. فنحن مجرد معارف.. وأنا أسكن بمفردى.. فما كان منى الا أن سحبت خالد من يده الى المطبخ وتوسلت اليه الا ينزل من المنزل الا وفى يده هذه المصيبة الكحلى..
وبالعافية وافق خالد على البقاء حتى الصباح ودخلت غرفتى وأغلقت الباب من الداخل وأنا أرتعب من نطاعة هذا المخلوق أتعجب من أحوالنا جميعاً.. بدئاً من ضعفى وعدم قدرتى على طرده من منزلى أو إحراجه.. ربما أختلطت لدى الأمور بين موهبته كأديب وبين صداقته لك وبين حالة زوجته.. وأخذت أبرر له أختراقه لحياتى بأنه فى أوساطه هذا شئ طبيعى .. فهو كما يبيت فى منزلك اذا تأخر به الوقت ..يفعل المثل معى .. ولكن لا... هذا غير مسموح ولكن الخرس سيطر على ومنعنى حتى من الإنفعال بصوت عالٍ

أخذت أقرأ فى سريرى حتى الخيوط الأولى من الصباح والنوم يرفض ان يقابل جفونى.. وسلمى تشخر بجوارى غير مدركة لتوترى.. وفى السابعة صباحا خرجت من غرفتى يعد أن أيقظت سلمى وحكيت لها الأحداث التى فاتتها ... وخرجت الى الصالة لأوقظ خالد وكان العربى مستيقظا يعبث فى مكتبتى... وناديت على «أم شحته» حارسة العمارة «البوابة» كى تحضر لنا فول وطعمية وحضرت الشاى والقهوه للجميع .. وطلبت من سلمى أن تجارينى فيما سأفعله كى أخلى منزلى بعد أن لاحظت استرخاء الجميع بعد الفطور... وقلت:
أنا أسفة يا جماعة لازم ننزل كلنا من البيت دلوقتى علشان الباب ما بيتقفلش من بره لازم يتقفل بمفتاح... فماعلش لازم ننزل كلنا دلوقتى لأنى عندى محاضرة فى المعهد بعد ساعة

وخرج الجميع ورجعت الى غرفتى وبدلت ملابس ونمت بعد أن استعدت خصوصيتى...
ولكن هذا الموقف علمنى الكثير ... علمنى أن الخط الفاصل فى تقديرى للميدعين هو ثمن الكتاب الذى أشتريه لهم .. ولا بد من القصل بين الأنسان والمبدع ..... ولابد أن أتعلم قول لااااااااا

هارجع لما أستعيد شجاعتى

إمضاء
زينة

أصدقائى.... لاتعليق

الأربعاء، 10 ديسمبر، 2008

رسائل - الجزء الثالث



إعتذار
القاهرة فى الأول من أغسطس 2008

أولاً .. كنتي هايله ف «قناة دريم» وأنت بتتكلمى عن فيلمك التسجيلى اللى عنوانه «فتاة مستقلة» وكنت فخور وأنا باقول لهدى مراتى ان دي زينة صاحبتي اللي ساعدتنا وانتي تعبانه.. وسألتنى ان كنتى متجوزة ولا لأ واستغربت قوى ازاي واحدة بالجمال ده وعندها ستة وتلاتين سنة ولسه ما أتجوزتش!! وعجبها كلام بطلة الفيلم الأولى عن الرجل الشرقى .. وأزاى انه بيخاف من أستقلاليتها ونديتها .. بس ما أعرفش ازاى هدى استخدمته لتدعيم وجهة نظرها ف مسألة حجابها وكأنها بتقولى أهو كلام صاحبتك دليل قاطع!!

الحكايه وما فيها يا ستي إن واحد كان موثوق فيه تماماً بالنسبه لي قال لي الحكايه اللي قلتها لك دي. قال لى أنه شاقك فى فيلم سكس وكان مفروض يديني الفيلم نفسه عشان اشوفه، بس مكانش معايا فلاشه.. ووراني مشهد مشوش حوالي دقيقتين معاه علي الموبايل وأكد لي إن الفيلم نفسه واضح جدا صوت وصورة ومدته حوالي ساعة في تلات أجزاء وأكتر من 300 ميجا لأنه متصور بكاميرا ديجيجتال مش موبايل ولما سألته جابه منين؟!! قال من النت وانه شافك كام مرة ف تجمعات وما إتعرفتوش على بعض ومرة شاف معاكى واحده تشبه الخوجايه اللى المفروض معاكى ف الفيديو واللي بيرجح انها روسية... وكل ودا حصل ف مصادفات بيقول انها مستحيلة التوقع وأن دا اللى خلاه متأكد ان انت اللى فى الفيلم.

كان الكلام ده مع الصورة المشوشة على الموابيل قابل جداً للتصديق..

لو فاكره يوم ما وقعت مني كوباية القهوه وانا عند الأستاذ فؤاد.. يوميها كنت لسه سامع الكلام ده من صاحبى ومتوتر جدا.. بالظبط زي يوم ما قابلتك ف «استوريل».. مكانش ف دماغي حاجة محددة ولغاية ما جيتي كان تصوري شوية كلام ف أي حاجه وممكن أرميلك تلميح زي اليوم اللي قبله وخلاص .. كنت عايز اقول لك إن أنا أخوكي يا زينة ومعاكي لو في عندك مشكلة ومش عارف أقول ده ازاي من غير ما ينفرط مني الكلام اللي محشور ف زوري ومش عارف أفكر ف حاجه غيره .. حصل لي زي ما حصل لكباية القهوة اللي فلتت من ايدي عند فؤاد بالظبط ولقتني بقول لك أنى شوفت الفيلم والتفاصيل الي سمعتها علي أساس إني ممكن أستنتج من رد فعلك أى حاجه .. بس أنا أصلا معنديش معيار ومعرفش الناس بيتصرفوا ازاي لما يتقال لهم كلام زي كدا ويمكن أكون فسرت بعض الحاجات غلط .. وعارفه.. زي ما أكون أنا اللي متحامي فيكي مش انتي اللي محتاجه لحمايه حسب تصوري. ولقيت نفسي مش قادر أبعد عنك..، عشان كده لما اختفيتي فجأة بعد ما روحنا عند فؤاد حسيت بالرعب .. بجد.. مش خوف من أي حاجه محددة.. خوف وخلاص.. خلاني حتي أقولك الكلام الفارغ بتاع «ان وضعى مأمني كويس ضد أي ابتزاز وممكن اساعدك فعلاً لو حبيتي» .. المهم تصرفك بالشكل ده خلاني متأكد تماماً إن فيه فيلم يخصك مفروض إنى ح اخده ع الفلاشه -اللي كنت اشتريتها فعلاً- تاني يوم بعد الضهر ولما غير صاحبي ميعاده رحت لفؤاد لقيته بيقول لى: انت عملت ايه ف زينة؟! دي زعلانه وجايه دلوقتى وأنا مش عاوز دوشه ولازم تمشي حالاً عشان ما تتخانقوش!! ولأني مكنتش عارف انتي قلتي له أيه بالظبط فضّلت أمشي وكل اللي قاله انه شاف الرسايل!! واستغربت لأنه لغاية الوقت ده مكانش فيه غير رسالة واحدة.. والرسالة اللي اتبعتت لك غلط في أول رمضان واعتذرت عنها وقبلتي اعتذاري !!

ولأنك قولتي الكلام ده عند فؤاد وقدام آخرين!! وانتي عارفه ان اللي يسمع كلام ذى كده ح ينصرف ذهنه لمحاولة الفرجة ان كان دا ممكن!! فبقيت مُلزم بمواجهتك بالفيلم.. وأكدلي صاحبي انه هايجيبهولى تاني يوم... وبعتلك الرسالة بتاعة تقابليني ع البستان تخديه.. وماجاش صاحبي وقفل تليفونه ولحس الحظ ماجتيش انتي كمان.. وبقيت متأكد ان الموضوع فيه لغز.. واعتذر صاحبنا بأن الويندوز عنده سقط وإن فيه مشاكل في الجهاز وبعد كده قال لي انه ضيع كل المادة المتخزنه .. بس يقدر ينزّل نسخه تانيه من الموقع ورجع قال ان الموقع مقفول ف مصر و ح يحاول يخلي حد بره ينزله ويبعتهوله وبعدين صاحبه ده قاله انهم في الموقع ردوا عليه انه لازم يحدد الوقت والأسم اللي كان نازل بيه الملف.. ولما قالهم أنه ده كان من أكتر من سنتين تلاته وانه مش عارف الاسم قالوله ان السيرفر عندهم محدود ومبيحتفظوش بأى مادة أكتر من سنة واحدة وإنه بدون اسم مستحيل العثور علي أي شيء لأنها ملايين المواد وحيكون أسهل كتير العثور علي ابره ف كوم قش!! وقال لى انه ح يعمل محاولات تانيه.. وبعدين زاغ مني تماما

وبقيت مدين لكي بالاعتذار ده
وقلت لفؤاد يصالحنا علي بعض ويخليني أعتذرلك قدامه ..
وانا الحقيقه مش عارف ان كان الاعتذار ممكن يصلّح حاجات صعبه كده!!
عموما دا كلامي ف الموضوع ده ومعنديش غيره ..
أنا آسف يا زينة وكفايه اني اتحرمت منك طول الوقت ده.. ويا عالم بعد الكلام ده ح تسامحيني أو لأ..
بس أنا مراهن على نبلك لأنك حصان والأحصنه نبيله ممكن تسامح تور غبي أساء التصرف ورغم انه عارف كويس إن الطريق للجحيم مفروش بالنوايا الطيبه
ميقدرش يعتذر غير بحسن النيه؟
أمضاء
العربى الشحات
أصدقائى المتابعون للرسائل ...

فهمتوا حاجة؟!.... يمكن دى آخر البداية.... بس أولها لسه ما جاش

الاثنين، 1 ديسمبر، 2008

رسائل - الجزء الثانى



كلام
القاهرة فى الأول من سبتمبر 2008

الفيديو المرفق هو ذاته المشهد الذى شاهدته على تليفون صديقى المحمول.. ربما تقتنعى أنى لم أكن أهذى بمجرد كلمات.. أو أنى أختلقت حكاية لا أساس لها من الصحة.. «علي أساس إن أنا واحد بتاع حكايات مثلاً!!!»... وهذا أيضا صحيح ولكن بشكل آخر... فأنا روائى يا زينة. والروايات تقذف ف طريقى فعلاً!!

أنت أيضا مخرجة موهوبة.. وأنا أشهد لك بذلك.. وربما هذا هو ما يعنينى بشكل فعلى.. صدقينى .. وتعالى سوياً نحول هذه المادة كلها الى حكاية هائلة .. ربما تكون حالة أستثنائية فى الأدب الأنسانى كله وفى السينما بتاريخها أيضاً.. وحتى هذا ليس بالمهم.. المهم فعلاً هو أن نخرج لحيز الوعى فى مجتمعاتنا قطاع كبير من المخبأ فى أحوالنا والذى يربكنا بهذا الشكل وجعلنا لا يجدى معنا أى شىء.. لا علم ....ولا دين... ولا منطق.... ولا حكمة

«ولولا شوية الجنان دول كان زماني قاعد في الوكالة بتاعة ابويا ف دسوق بابيع اقفاص منجه وسبايط موز وكان زمانك ف بلدكم فى الصعيد متجوزه موظف ف مجلس المدينه بتغسليله شرباته!!!

يا شيخه !!!! لقد رويت لك أشياء لم أصرح بها لأحد من قبل على الإطلاق.. فقط لتأمنى لى ولكى نصبح أصدقاء.. لثقتى فى أهمية ذلك لك ولى.. أرجوكى صدقى بعض الشئ أن المصادفات التى وضعتنا فى طريق بعضنا البعض ورائها بعض الحكمة

الحياة محتاجه شوية خيال يا زينة وشوية جنان كمان عشان تستحق انها تتعاش..
بالطبع لا أقصد الفانتازيا والتوهيمات.. الخيال الذى أقصده هو خيال خشن واقعي ليس محلق أوحالم «زي بتاع الرومانتيكا اللي متفرقش عن الطهرانيه الدينيه ف حاجه)
هما بس شوية الخيال الخشن دول!!
الباقي كله فالصو.. تقليد زي القرود
مفيش أي فرق حقيقي فيه بين الناس والمواشي

اينشتاين -الشاب- كان ينصحه صاحبه أن يأخد شهادة جامعية لتحسين وضعه كموظف براءات اختراع. فقد كان أينشتاين لا يستطيع العيش ويضيع مجهوده ف أشياء عديمة الجدوى مثل أبحاث الضوء التى ينشرها دون عائد مادى.. وتجلب سخط رؤساءه عليه فكان اينشتاين يرد على صديقه قائلاً: اتنصحني بأن أكون مجرد قرد برجوازي يبحث عن الغذاء والكساء والمأوي والجنس والتكاثر؟!! وانا أريد تصحيح نظرة الإنسان للطبيعه !!

فسيبك بقى من حكاية الزعل مني دي لأني صحيح غلطان بس من غير قصد وبعدين أنا زعلتك ف أيه بالظبط!! حاجه تخصك اتقالتلي وقلتهالك وأنكرتيها وصدقتك واعتذرتلك!!ْ خلاص بقي يا ستي المسامح كريم

أليس هذا أفضل من أن كنت قد صدقت ما قيل من «كلام» وتعاملت معك على أساسه أو رويت الموضوع للآخرين.. وهذا النوع من «الكلام» تحديدا يتداول بسرعة البرق.. والناس تحب أن تصدق السوء فى الآخرين.. وعندها كنت ستجدىن نفسك محاصرة بنظرات وتصرفات غريبة دون معرفتك للسبب.. لأنه لا يوجد ساذج آخر غيرى سيواجهك بمثل هذا الشئ فتصبح النتيجة هى أن يخسرك.. أنا تصرفت معك بطربقة مستقيمة.. أعترف أنها كانت طريقة خاطئة ولكنها أبدا لم تكن خبيثة.. وأستسمحك أن ترسلى هذه الرسائل الى من رويتى لهم الموضوع كى يخرجوه من أذهانهم.. فأنت الأخرى قد تصرفتى بشكل خاطئ.. مستقيم ولكنه خطأ أيضا.ً

الآن أصبحت أنا مقتنع فعليا بأنك لست البنت فى الفيديو ولكن الآخرين ممن رويتى لهم الحكاية سيبحثون عنه كى يشاهدوه

إمضاء
العربى الشحات


أصدقائى القراء... البداية قادمة... تحلوا بالصبر فهو مفتاح الفرج


الأحد، 30 نوفمبر، 2008

رسائل - الجزء الأول




صباح السعادة
القاهرة فى الأول من أكتوبر 2008

«إن هذا العالم يمثّل وعداً بسعادة لا نظير لها
سعادة لسنا مُعدين بما يكفي للإمساك بها»

هكذا يصف «لورنس داريل» معرفته بالوجود في رائعته «رباعية الأسكندرية... لا أدرى أن كنتى قد قرأتيها أم لا.!!. ولكن أعتقد أنه لابد لكى من قراءتها.. ليس لكونها رواية أستثنائية كتبها شاعر وغيرت تاريخ الرواية فى الكون وفقط!!! ولكن أيضا لأوجه التشابه بينك وبين «جوستين» كما كتبها داريل وكما رأيتك أنا.. أو كما هُيأ الى... لا أدرى!!!

الأجزاء الأربع: «جوستين» و «بالتازار» و»ماونت أوليف» و»كليا».. كانت قد طبعتهم دار (سعاد الصباح) بترجمة (فخري لبيب) في التسعينات ومن الممكن أن تجديهم علي سور الازبكيه!! لأن الدار اختفت بعد فترة.. . أن لم تستطيعى العثور عليها أستطيع أن أهديها لكى.... يعني... لو تسمحين لي طبعاً..

دا بس عشان تعرفي انتي غاليه عندي قد أيه ووحشاني قد ايه.. والله..

وأصبحت حتى لا أستطيع استطلاع أخبارك أو الإطمئنان عليكِ... لأنى لا أتحدث الى الأستاذ فؤاد منذ أكثر من شهر... وأكتفى بأن أهاتفك على تليفونك المحمول وعندما لا تغلقين الخط فى وجهى أطمئن... لأنك - على الأقل- موجده وبخير.

متبقيش قاسيه كده بقي يا شيخه.. أنا مابقتش عارف اعتذر ازاي!!

أرجوكى سامحينى هذه المرة.. وبعدها لن تجدى منى سوى كل الود والأهتمام كأخوات وأصحاب
ليس هذا فقط هو كل ما أستطيع أن أقدمه لك بل أقسم بالله أنى مستعد -لو ترضى طبعاً- أن أذهب معكى الى أهلك فى الصعيد وأتزوجك شرعاً كى أصلح الغلطة الشنيعة التى أقترفتها فى حقك!!! وربما يصلح هذا الوضع الكثير من الأمور فى حياتك...

وبعد كده كل واحد يشوف طريقه، لأني بتركيبتي المزاجيه المعقدة مينفعنيش وميستحملنيش غير مراتي وانتي غالبا مينفعكيش حد!!

أيضا أنت تعلمين أن هدى -زوجتى- لن تستطيع الأنجاب بعد عملية الإستئصال الأخيرة.. وإن أصبح لى طفل منك سأكون أسعد البشر.. لأنى أؤمن بكى وأعلم علم اليقين أنك إن وهبك الله الولد ستحسنين تربيته.. ولكن أن أنجبتى بنتاً سنعطيها لهدى كى تربيها حتى تصبح متدينة وخوافة كى لا تشب على جنونك فتصير مثلك فى واقع لا يحتمل جنان البنات.. ليعاملهن بمنتهى العنف والغباء

-أعتقدأن هذا هو أغرب عرض جواز وصلك!!-

فكك بقي يا شيخه من الخصام ده وخلينا نعرف نتكلم مع بعض جد..

إمضاء

عرابى الشحات


أرجوكم قرائى الأعزاء لا تستعجلوا النهايات.. فما قرأتموه للتو هو النهاية أما ما سأرويه لكم فى المرات -القريبة- القادمة ربما يكون هو البداية...

تتبع

الأربعاء، 26 نوفمبر، 2008

سرير واسع



جلس وحيدا فى غرفته الوحيدة فى بيته الأوحد على طرف سريره الواسع.. بين بقايا أطعمة وزجاجات مياه فارغة وأخرى مملؤة.. وقشر موز وخبز عفن وبطانيته البالية .. بثيابه الرثة المليئة بالثقوب من فعل تساقط سجائره الملغومة وأخذ يحدث نفسه قائلاً:

- أبويا مات.. وأمى ماتت.. وجدى مات .. وجدتى ماتت.. وأخويا مات.. وأخويا مات.. وأختى ماتت.. وجدتى ماتت.. وجدى مات.. وعمى مات.. وعمى مات.. وعمى مات.. وعمتى ماتت.. وخالى مات.. وخالى مات.. وخالتى ماتت .. وخالتى ماتت

ونظر عاليا وضحكة طفولية تملأ وجهه لتكشف خلو فمه من الأسنان وقال:
- يعنى بقيت أنا كبير العيلة... وملأت جلجلة ضحكته فراغ الغرفة المظلمة
- بقيت الكبير لناس ما أعرفهمش ....قالها وهو يغلق عينيه الضيقتين ليفرد جسده على السرير الواسع

الأحد، 23 نوفمبر، 2008

القاهرة ليل داخلى (٤)


ف بحر الضلمة رأيت على بعد
شبح إنسان
حققت بعينى
لقيتها يمامة وكاسرة الطوق
كرابيج الليل
ناقشينها جراح
من تحت لفوق
والأسى فى عينيها
مصحى الشكوى تقول حواديت





حواديت .... حواديت ... قرب.... جرب ... خدلك كام حدوتة

ما أروع الإحساس بأن تملأنى «زوزو» فأرى بعيون محبة وأتنفس بعنفوان الصبا وأحلم بسذاجة الطفولة .. أرقص وكأن الموسيقى تعشش بصدرى ... أتمايل على نغمى الخاص.. لا يعنينى أحد ولا تشغل بالى الأشياء.. سواء أكنت أرقص وحيدة أو مع دعاء وأسماعيل -خطيب دعاء الذى انضم لنا منذ منتصف الليلة- أو معى إيهاب..أو معهم جميعاً... لا تغير هذه التفاصيل الصغيرة من إحساسى اللحظى بالسعادة.. وكأن هذا المكان وهؤلاء الأشخاص هم هدية السماء لى الليلة... لتكافأنى على شيمة الصبر .. فأنا عطشى للسعادة كما أنا عطشى الآن لأى شئ يبلل ريقى .. استأذنت الجميع على حلبة الرقص وأتجهت الى البار... ماذا أشرب الليلة؟ أأشرب بيرة كإيهاب أم أشرب نبيذ كدعاء وأسماعيل؟! ...أنا لا أحب طعم البيرة.. ولا أدرى كيف يستسيغها الناس.. ومعدتى الضعيفة لا تحتمل النبيذ....أم لا أشرب خمر على الإطلاق؟ أنا لست ضد الخمر ولكنها أيضاً ليست احدى متعى فى الحياة.. ولكنى أسمح لنفسى ببعض منها فى المناسبات المتفرقة.. وغدا عطلتى الأسبوعية.. فليذهب العقل الى الجحيم ..

ورفعت صوتى كى يصل الى النادل عبر الموسيقى الصاخبة:
- ID بطيخ بعد اذنك .. كانت دعاء قد تبعتنى الى البار لتسألنى عن رأيى فى أيهاب فقلت: والله مش بطال فردت بصعيديتها الدبش:
- مش بطال؟! ماشى يا إختى.. دا البنات هاتتهبل عليه فى الجورنال بس هو اللى مابيحبش الصحفيات بيقول عليهم ما بيستحموش... هانعمل ايه بقى على رأى المثل «عدوك ابن كارك»
ضحكت من قليى لضحك هذه الطفلة المتخفية فى جسد امرأة جميلة.. وأخبرتها عن رأيى فى إيهاب وأقررت أنه فعلاً وسيم وقد يكون حلماً للكثيرات ولكنه حقا لا يروقنى .. أقصد لا بشدنى اليه كرجل ... لا يستفذ الأنثى بداخلى ... فأنا لا أحب الرجال بيض البشرة.. ينفروننى منهم.. أشعر أن الرجل الأبيض ناقص الذكورة.. لا يستهوينى .. تماما مثل نفور بعض الرجال من الفتايات صاحبات الصدور الضامرة أو المؤخرات الصغيرة.. أنا أعشق الرجل الأسمر.. هنا تبدا أولى مراحل الإعجاب..

ولكن كل هذا لا يعنى أن لست معجبة بإيهاب .. بل أنا معجبة به جدا ولكن فقط على مستوى أنسانى... تعجبنى كتاباته الصحفية .. يعجبنى تواضعه.. يستوفقنى حبه للحياة ... أود لو نصبح أصدقاء .. ولا أرغب بالمزيد...
وتوقفت عن الكلام وسحبت دعاء من يدها لنواصل الرقص وطلبت منها أن نترك لغطنا هذا ليوم آخر يكون الجد شعاره... ورقصنا ورقصت ورقصم معى وكأنى أهرب من السكون والملل لأغمس نفسى فى سعادة مؤقتة أستشعر قرب زوالها.. وكان إيهاب فى غاية اللطف والإنطلاق .. حوالى الثالثة صباحا.. تعبت من الرقص.. فجلست بجواره لنكمل تجاذب أطراف الحديث الذى لم ينقطع طوال الليلة عن الأدب والشعر والسينما والصحافة والحب .. كانت له طرقه الخاصة فى التعبير عن أرائه ... تبدو غريبة بعض الشئ ولكن تنبئك دون مجهود بأنه شخص استثنائى جداً....الآن تبدو عليه بوادر السكر .. ناولنى سيجارة من علبته «الكنت».. وبالرغم من أنى غير مدخنة فقد قبلتها منه ومال ناحيتى كى يشعلها.. وبعد أن سحبت أول نفس.. زاد ميله فى اتجاهى الى أن أختفى من مجال رؤيتى وهمس فى أذنى:
- عارفة؟! أنا نفسى فيكى النهارده
وكأن يدا خفية قد ضغطت زرار «Pause» بداخلى بالرغم من صخب المكان من حولى.. وانا انظر اليه وشبح ابتسامة قديمة على شفتى.. أحاول جاهدة ألا تهرب منى.. وعينى تنظران فى بؤرة عينيه وكأنى أفتقر الى حاسة البصر.. وبعد ثانيتين استعدت وعى الكامل وقلت:
-عارف يا إيهاب أنا مش زعلانة منك.. لأن سلوكك دا طبيعى.. فى مكان طبيعى لشخص سكران.... بس للأسف للشخص غير المناسب.. أنا مش هاخد الموضوع بشكل شخصى لأن طلبك بمنتهى البساطة بيعكس حالك مش حالى.. وعلى فكرة أنا كمان مش زعلانة منك

فوجئت بنفسى هادئة وغير مستفذة.. ليس لأن طلب أيهاب طبيعى .. بل كانت هذه هى المرة الأولى التى يقتحمنى رجل بمثل هذه الطريقة.. فهو لم يلف أو يدور كحال كل الرجال.. ولم يتصنع حب لا أساس له من الصحة كى يجرجرنى الى فراشه.. بل كان مباشرا وصريحا فى تعبيره عن رغبته... ماذا تريد أنثى وحيدة فى ليل هذه المدينة العاهرة التى تباشرنا فى عقولنا قبل قلوبنا؟!!.. انثى قيلت دعوة صديقتها كى تعرفها على رجل.. ماذا تريد؟ تريد حبا وحنانا؟

لقد صنفنى أيهاب ك«فتاة متحررة» وتحت هذه اليافطة العريضة «الحرية» وقع فى خطأ التعميم.. فشملنى ضمن هؤلاء الفتايات الأتى يسمحن لأنفسهن ببعض العلاقات بهدف تنفيث الطاقة الجنسية المكبوتة لا أكثر ولا أقل وبالطبع لا أقصد هنا الفتايات والنساء فى حالات الحب.. فهذا أمر طبيعى أو فلنقل مبرر الآن.. أما العلاقات الجنسية الحرة فهى تقتصر على من يطلقون على أنفسهم اسم « المثققون» وتحت هذا الشعار الجميع بلا قيود.. وكأن القيد مرادفه الجهل أما الثفاقة فتعنى الحرية.. وحرية الجسد هى الأولى بين الحريات.. ويصيح إشباع الجسد واجب انسانى للفرد المثقف بغض النظر -فى بعض الأحيان- عن الشريك.

هذا البار مكان طبيعى لهؤلاء «المثقفون» و»المثقفات».. ووجودى فى هذا المكان ورقصى وشربى وبساطتى أوهم إيهاب بأنى متحررة من الكلاكيع.. فبالرغم من أنى أعيش نموذج أقرب ما يكون للفتاة الغربية الا أنى فى نهاية المطاف مازالت بداخلى بقايا فتاة شرقية... أنا لست شرقية أو غربية أنا مزيج من الإثنين معاً. أنا نفسى... أنا حياة..

لماذا تقسو هذه المدينة على إناثها ؟
أنثى وحيدة فى قلب ليل القاهرة ثارت عندما عرض عليها شاب استثنائى أشباع جسدها؟ هل تنتظر حبا حقيقيا يصادفها فى بار فى منتصف المدينة؟ هل سياتى اليها فارس أحلامها الليلة؟ هل وهى فى الخامسة والثلاثين من عمرها مازلت تؤمن بخرافة الحب من أول نظرة؟ هل بعد كل تجارب الحب الفاشلة مازالت تؤمن بالحب من أساسه؟ هل مازالت تحلم بالحب كما فى كشكول الأسرار؟ ماذا تريد هذه الأنثى الوحيدة الحائرة؟ حب؟ الله يرحم أيام السذاجة... زوج؟ أصبح الزواج موضة قديمة فى دنيا الحريات

الأربعاء، 12 نوفمبر، 2008

شجرة أم طارق


إنتهيت من إجتماع عمل فى أحد البنوك الحكومية فى منطقة وسط البلد, وخرجت الى شارع محمد فريد لأنتظر مديرى -الذى سيصل فى غصون عشر دقائق - كى نذهب سوياً الى إجتماع آخر فى مدينة السادس من أكتوبر. إتجهت الى شجرة ضخمة أمام البنك بجوار كشك مراقبة.. تجلس تحت هذه الشجرة -على الأرض- امرأة بيضاء بدينة بعض الشئ, تفترش أمامها مجموعة من علب المناديل مصفوفة بعناية.. مناديل جيب.. مناديل سفرة.. مناديل مطبخ.. تتفاوت ألوانها وأحجامها.. وكيس بلاستيك كبير مليء بحبات الليمون. أقتربت منها ووقفت أحتمى بظلال الشجرة من الحر.. بجوارها يوجد كرسى خشبى متهالك مدهون باللون الأبيض.. وأمامها مباشرة يقف عسكرى كشك المراقبة بجسده النحيل وبشرته المصبوغة بلون الفقر.. لاحظ العسكرى وقوفى دون حراك فى مكان ليس بالمناسب لأى شئ سوى الأنتظار.. فتقدم منى ببدلته البيضاء وحذائه وحزامه الأسودين وعرض على الجلوس على الكرسى .. فشكرته وأكدت عدم حاجتى له.. فسحب الكرسى من جوارى تاركاً صوت جرجرته على بلاط الرصيف.. ليزيل الحاجز بينى وبين المرأة تحت الشجرة.. لا أدرى لماذا تسمرت عندما شاهدتها عن قرب.. شيئا ما فى هذا الوجه السمح ينادينى.. أحتميت بنظارتى الشمسية ووقفت أرقبها بنظرات مستحية غير مباشرة ورحت أغوص فى تفاصيلها..
بدت لى فى أواخر الخمسينات من عمرها وربما كانت فى السبعينات وملامحها لا تعلن عن ذلك.. فليس بوجهها أيه تجاعيد.. هى جميلة.. سمحة.. كحيلة العينان.. وجهها بدر منور.. بعينيها بريق يرفض الموت ويعلن عن أنوثتها الماضية.. تخبرك عيناها سراً أنها كانت أنثى مشتهاه من كل من يقع أسير عينيها.. تعلن شفتاها الرفيعتان عن حزم واضح وكبرياء.. . تفرد قدماها «المتفيلتين» أمامها كدليل على عمرها الذى تخفيه ملامحها الشابة...

إقتربت امرأة محجبة منها, بدت كموظفة فى إحدى الهيئات الحكومية المحيطة وقالت:
-إزيك يا أم طارق؟ والله ليكى وحشة .. وليكى حق تزعلى منى علشان ما بسألشى عليكى.
ودار حوار طويل بينهما عن أسباب غياب المرآة المحجبة.. وكانت «أم طارق» تقاطعها -فقط- بوصلات من الدعاء لها براحة البال.. وقبل أن تهم بالذهاب أخرجت ورقة نقدية بخمسة جنيهات وطوتها فى يدها وناولتها لأم طارق التى تمنعت لفترة ثم قبلتها ولكن فى الحال التقت أصابعها أحد الأكياس البلاستكية وملأته عن آخره ببعض علب المناديل وثمرات الليمون (ربما تعدت قيمة محتويات الكيس عن الخمسة جنيهات) ورفضت المحجبة أن تأخذه وأصرت أم طارق.
فأيقنت أن لأم طارق موريديها ولست وحدى ضحية تأثير وحضور هذه المرأة. وعندما عادت وحدها هى وفرشتها أخذت تنادى بصوت مليح : اللمووووووون (تمط فى نطقها وكأنها ترفض أن تنهى الكلمة من على لسانها).. ثم تصمت لثوان قليلة وتعاود : يا مسهل يا رب... يا رزااااااق ...... (صمت) اللمووووووون..... يا رب

كنت أوجه زاوية جسدى بعيداً عنها -متظاهرة بالشرود- كى لا تشعر بأختراق لمساحتها الخاصة و لكن عندما خلى الرصيف من المارة وبدون أى مقدمات تذكر نظرت الى وقالت:
-آه لو يرجع بيا الزمن وابقى فى شبابك؟!!!
فاجأتنى جملتها التى وصلتنى صائبة ..طيبة..رقيقة ..متحسرة فاقتربت منها بتحفظ وجلست على كعبى مستندة على ركبتى ورفعت نظارتى الشمسية كى أزيح ظلالها عن وجهها المشرق وقلت:
-كنتى ها تعملى أيه؟
ردت وهى تتنهد : - يآآآآه دا أنا كنت مابطلشى جرى وتنطيط... عارفة؟ أنا كنت بنت حلوة زيك كده .. بس الزمن ما بيسيبش حد على حاله..
بالرغم من المرارة التى حملتها كلماتها الا انى كنت فرحة بقربى منها .. وشجعنى حديثها الذى رحب بى فى عالمها الصغير أن أسألها: - هو أنت منين؟
أجابتنى بأبتسامتها الدؤب التى ترفض أن تفارقها: أنا جيت من قويسنا وأنا بت عمرى 12 سنة.. جوزونى وجيت هنا معاه وجيبت منه ست عيال.. ومات وسابهم لى .. عارفة؟ أنا ياما إتعرض عليا أخدم فى البيوت. وكنت أقول لأ أبدا عمرى ما أخلى عيالى يستعروا إن أمهم خدامة.. أنا أشتغل على فرشتى حرة.. ولا الحوجة... وياما والله يا بنتى إتعرض على -ومن رُتَب هنا- «مشيرة بيديها الى البنك.. وناس عازت تتجوزنى .. بس أنا عمرى ما سيبت فرشتى ولا رضيت أذل نفسى ولا عيالى لحد
ومدت يدها ذات الأصابع المتورمة والتقطت طرف طرحتها التى أنزلقت بعض الشئ وأعادت وضعها على رأسها فوق الإيشارب الأزرق الفاتح الذى يقمط رأسها بإحكام. وأكملت الحكى وكنت أنا صامتة ..أنظر اليها بإبتسامة خفيفة مشجعة على الأسترسال.. شعرت وكأنها تقرأ أفكارى.. كانت تتحدث دون توقف وتجيب على أسئلة لم تطرح بعد فى عقلى ولكنها حتماً كانت موجودة
- الحمد لله أنا ربيت عيالى كويس ..بس حتى اللى إتخرج منهم من الجامعة قاعد عاطل لغاية دلوقتى.. بس الحمد لله جوزت البنات.. أهو ربك كريم يا بنتى
كانت كل كلمة تخرج من شفتيها تصل الى قلبى مباشرةً وكأنى فى حضرة ولى..رن هاتفى المحمول وكان مديرى يعلن عن وصوله ..رفعت رأسى لأجدنى مازلت فى شارع محمد فريد ورأيت مديرى فى سيارته خلف شجرة أم طارق.. وكان على الذهاب .أخرجت ورقة نقدية وحاولت أن أناولها لها فرمقتنى بنظرة قاسية .. فسارعت بالقول: - إحنا بقينا أصحاب يا أم طارق مش كده؟
ورَدَتْ يدى وإجتذبتنى اليها وإحتضنتنى وقالت: بجد؟! فأكدت لها صداقتنا فقبلتنى وحاولت أعطائى بعض الليمون والمناديل وهى تودعنى بأبتسامتها قائلة:- هاستناكى ماتتأخريش عليَّ .... وتبعنى سيل من الدعوات الصادقة.

السبت، 8 نوفمبر، 2008

القاهرة ليل داخلى (٣) - البار

فى ذات الممر الضيق فى وسط البلد الذى أمر به كل ليلة الى «أفتر إيت», ألقى بتحية المساء على «عبد المولى» بائع السجائر الذى تحتل بضاعته أرفف خشبية متآكله تبدو وكأنها حفرت فى داخل الجدار العتيق.. يمد الى يده بعلبتى «كنت 6» لترتطم ذراعى دائماً بثلاجة الكوكاكولا التى تحتل أكثر من نصف عرض الممرء وأنا أخرج له النقود من جيب بنطالونى.. يتلمظ ببضع كلمات غير مفهومة أعتقد أنها قد تحمل معنى ضرورة توخى الحظر.. فأومئ برأسى فى أشارة حيادية لا تحمل أى معنى متجها الى مدخل البار. أنظر الى الأرض كى أعد بلاطات الأرضية المتآكلة للممر الضيق وأيضا كى لا أتعثر .. تتفحصنى عيون الجالسين على القهوة - التى تحمل نفس اسم البار- فى آخر الممر كعادتهم فى عمل مسح يصرى لجميع المارة وبالأخص زوار «أفتر إيت» الذىن يمثلون لهم «أهل الخمر» أما رواد القهوة فهم عمال وصانيعية من أبناء الثقافة الشعبية أصحاب «مزاج الدخان» الأرخص والأقوى تأثيراً..

عبرت الممر قافزا كعادتى بين الأحجار و البلاطات المتناثرة ودلفت من باب البار مسرعاً... تفقدت المكان بحثا عن دعاء وصديقتها التى أخبرتنى عنها ولم أجدهما وكان المكان غير مزدحم بعد.. نفس البشر .. نفس العيون فى كل يوم ... نفس الروتين اليومى للسُكر والرقص ... جلست على البار.. وطلبت زجاجة بيرة «ستلا» من رأفت النادل.. أخرجت سجائرى وأشعلت سجارة الإنتظار.. وسرحت فى حالى .. لكى أكون صادقا فأنا سرحت فى ليلى.. «ياااااه أخيرا بقيت حر.. ما أنكرشى انى لسه بحبها.. بس الحرية لا تكيل بالباذنجان... ياه دا الواحد عمره ضاع يا جدع شويه ورا وهم الحب وشويه ورا وهم الوطن ... ياخى صظ... وكاسك يا أستاذ حب... وفى صحتك يا عم الوطن ... وتحيا الحرية»... كنت أطوح بكأسى لصورتى المنعكسة على المرآة المقابلة للبار... ولمحت فى الضوء الخافت شعر رأسى الخفيف الذى حال لونه الى الأبيض .. وعلقت مرارة البيرة بحلقى ... ومر بجوارى شابين «روشين» وسمعت أحدهم يقول للآخر:
- هو البار دا بقى للمجانين ولا أيه؟!! بص للأثنين اللى قاعدين كل واحد فيهم بيكلم روحه!!! إلحق!!!
وإنطلقا الى خارج البار , فى الركن الذى أشارا اليه لا يوجد سواى أنا ورجل خمسينى.. يجلس وحيداً.. يحرك يديه فى الهواء وكأنه يحدث شريكا وهمياً, أستدرت بمقعدى العالى بزاوية 45 درجة كى ألمحه بطرف عينى وأصغيت جيدا وعندما هدأت الموسيقى بعض الشئ سمعته يقول « كل يوم سكر وجنس!!! كل يوم !!! كل يوم!!! دا الواحد تعب...آآآآآه
ابتسمت من هذا الثعلب العجوز.. وحسدته على ممارسته اليومية لهوايتى المفضلتين السكر والجنس.. فبعد أن طلقت ليلى وأنا أستعيض بالسكر عن كل شئ.. ورفعت كأسى مجددا فى الهواء وهمست : فى صحة الحرية !!!

وفى الحال لمحت دعاء تزيح الستار الأسود فى مدخل البار ورأيت صديقتها التى أدوشتنى بها ..كانت رقيقة .. جذابة.. ترتدى بنطلون جينز وبلوزة فيروزية تزينها وردات صفراء صغيرة لامعة عند الصدر.. تكشف عن كتفيها .. لهما استدارة مثيرة.... خصلات شعرها المتموج تضفى عليها طابع غجرى.. تقترب منى أكثر.. ما هذا؟ عيناها فيروزيتين؟ أم أنهما عسلينيان يطبع ضى بلوزتها الفيرورية هذا اللون على عينتها؟ الإضاءة ضعيفة ولا أستطيع الحملقة أكثر من هذا.. قدمتنا دعاء الى بعضنا البعض فقالت حياة:
- طبعا أنا أعرفك كويس ومعجبة جدا بمقالاتك الجريئة فى «الحياة البيروتية»
حمدت الله أنها ليست كما تبدو.. فمظهرها يوحى بأنها بنت سطحية وتافهة ... ولكن ما هو العيب فى البنات التافهات؟ ربما هن الأفضل لى فى هذه المرحلة!! ... خلعت نفسى من أقكارى وتبادلت مع «حياة» بعض الحوار وبدت لى لطيفة ولكن بها درجة من الغرور وربما هى ثقة زائدة بالنفس... لم تكن حياة جميلة بالمعنى التقليدى.. ولكنها كانت مثيرة بدرجة أستثنائية... أو ربما يكون إحساسى هذا وليد الموقف.. فأنا مطلق.. شبه مخمور... لم أمسس إمرأة منذ ما يقرب من الشهرين.....فى البداية كانت حياة ترقص بتحفظ ولكن بمرور الوقت أطلقت لساقيها حرية الإختيار ... وانتشت بالرقص وكأن بداخلها مارد مسحور .. أخرجته الإيقاعات من قمقمه.. وظهرت أنوثتها عندما قامت «دينا ال DJ» بلعب أغنية «يا واد يا تقيل» وعند هذه اللحظة أدركت أنى أمام أنثى خطرة.. تشبه الفخ.. لا تراه فى البداية ولكنك لا تفيق الا وأنت بداخله ولا حيله لك... رأيت أنوثة حقيقية فى هذه المرأة الثلاثينية... وهجرت أفكارى عن «ليلى» التى أصبحت ذكرى لا وجود لها الا بداخل عقلى.. وطلبت زجاجة بيرة أخرى كى أستعد لهذه الأنثى الشهية.. ولمحت بعينى الرجل الخمسينى مازال يحدث نفسه على البار...

الاثنين، 27 أكتوبر، 2008

القاهرة ليل داخلى (٢) - زوزو


عبر نافذة غرفة نومى لمحت القمر الناضج .. كان نوره عَفِى فاخترق ستارة النافذة الشفافة فى حياء .. ووصل الى سريرى.. وهمست نسمة هائمة فى أذنى بصفير ناعم كمناجة الأحباب .. فسرت كما المندوهة الى الشرفة.. يا لها من ليلة شتوية رائعة.. أضفت عليها زخات المطر المتباطئة عطر رومانسى.. فسكنتنى الطمأنينة وصعدت على إفريز الشباك القديم .. وفردت ذراعى .. وإخترقتنى موجة بادرة متوقعة.. فتنفست بعمق .. وشحنت رئتى بالهواء.. وسرت الى الأمام.. ولكن الهواء حملنى الى الأسفل .. ولم أفزع بل سعدت بالجاذبية .. فالأرض لا تستطيع فراقى .. أسعدنى طيرانى فى المساحة الفاصلة بين غرفتى و الشارع.. كنت كما المنتشية من فعل الحب .. رائقة البال.. تبتسم عيونى بلؤم أنثوى متوارى خلف هدوء ملامحى .. ولكن فجأة لسعنى البرد وغام ضوء القمر ومللت الطيران.. فإرتطمت رأسى برصيف الشارع ولكنى نهضت وأكملت السير فى عتمة تحاول أشعة القمر الفضية تبديدها ... كان جسدى ينرف بلا توقف وبلا ألم أيضاً .. تتبعتنى عيون العابرين دون استنكار لحالى .. وكأن حالى جزء من أحوالهم ..وسرت تاركة خلفى أثاراً واضحة من الدماء .. تتبعتها بعض الفتايات والنساء ... جميعهن يبدو عليهن الألم... وفجأة أصبحت أسير وسط جموع النساء.. خلفها ... ولم أعد أنا المرأة التى سقطت من النافذة... بل هى ... ولكنى كنت أنزف أنا الأخرى .. تفحصت نفسى بعناية ووجدت جرح مستتر بجوار الروح .. تفحصت الصبايا من حولى كان بكل منهن جرح غير واضح... وكانت هى تسير فى المقدمة.. متلألئة كعادتها... فهى السندريللا.. تنزف كعادتها فى الحزن دائماً .. لم أصدق عيناى أنى أراها رؤى العين للعين.. أقتربت أكثر وأكثر......

ورن جرس التليفون بعناد.. فأيقظنى رنينه المتواصل من نومى .. نظرت بلامبالاة الى شاشة إظهار الرقم.. وقرأت اسم «دعاء» صديقتى الصعيدية العنيدة التى بالبرغم من إختلافاتنا الشاسعة الا أنها دونت فى لوحى المحفوظ كصديقة عمر.. وجاءنى صوتها المرح بدون مقدمات البشر المعتادة:
- بت يا «حياة» يالا قومى البسى هاعدى عليكى ونروح «After Eight» (فى قاموس الصعايدة تحمل هذه الجملة الآمرة صيغة السؤال )
- مش عارفة... هايبقى دمى تقيل .. أصلى بردانة قوى... (وفى قاموسى يعنى هذا الرد الرفض المهذب)
- يالا أنت هاتعملى فيها أمينة رزق!! هاتيجى يعنى هاتيجى ... وماتقوليش لأ .. بصراحة بقى أنا النهارده هاعرفك على شخص جميل جداً..
- مين ده؟
- تعالى بس .. هو بنى آدم هايل .. وانت بقى اعرفيه زى ما تعرفيه.. فى كل الأحوال مش هايخَسَر... يا للا نص ساعة وهاعدى عليكى
... سلام.

وأغلقت صديقتى المهبوشة سماعة التليفون دون انتظار ردى... كانت أنفاسى مازالت متلاحقة من تأثير الحلم ب»سعاد حسنى»
نهضت من سريرى وفتحت نافذتى ربما تهدأ أنفاسى ... إرتكزت على حافة الشباك بمرفقى وأخذت أتأمل المبانى القديمة فى حى المنيل .. بدا النيل ساكناً.. كئيباً ....كان الجو شديد البرودة.. إنها إحدى ليالى شتاء القاهرة القارص.. ليلة ليس لها لون صريح... وفى مثل هذه الشعور اللالونى يزدهر الملل... ملل يغلفه إحساس رمادى... ليضاعف هذا اللون الغائم من شعورى بالوحدة.. ويساعد البرد على تكثيفها.. وسقطت قطرات ندية من عيونى... وتصاعد السؤال الأبدى الملازم لقشعريرة البرد: « وأيه آخرة الوحدة؟!»

وعاد الى الحلم ثانية ... لم أدرى أكان حلماً أم كابوساً؟! فلى مع «سعاد حسنى» تاريخ -لا ينسى- من طرف واحد. فعندما بدأت التمثيل فى مسرح الجامعة أطلق على أصدقائى اسم «زوزو» لا لأنى ابنة راقصة جامعية .. ولكن لعشقى ل «السندريلا» . فمنذ طفولتى وأنا مصابة بهوس لا شفاء منه أسمه «سعاد حسنى» كنت كلما رأيتها على الشاشة أصاب بالخرس طوال الفيلم.. ولم أجرؤ يوما على أن أفوت ميعاد عرض أحد أفلامها فى التليفزيون حتى وان كنت قد شاهدت ذات الفيلم عشرات المرات من قبل.. كنت أجلس فى صمت مصغية لكل كلمة .. منتبهة لأبسط لفتة.. مستمتعة بحضورها التليفزيونى والسينمائى الذى يحملنى الى حيوات شخصياتها الشيقة... تعلمت منها الرقص وحب الحياة والإنطلاق والبراءة والتلقائية .. كنت قد قصصت شعرى أيام الجامعة بقصتها الشهيرة وطوال عمرى أحرص على إنتقاء ملابسى - مثلها - بمعيارى الأنوثة والبساطة.. وكان التمثيل فى مسرح الجامعة لا لحبى للتمثيل ولكن لحبى لها فبالتمثيل وحده ستتاح لى فرصة تقمص روحها المنعشة التى كانت تغمرنى بطاقة عبقة بمختلف معانى الحياة..

ومنذ منتصف الثلاثينيات -وبعد وفاتها - وأنا أتحاشى مشاهدة أفلامها .. وكلما رأيتها مصادفة على الشاشة أبكى بحرقة من فقد أعز ما ملك.. و ترعبنى فكرة الرابط الخفى بينى وبين روحها.... أخشى أن أواجه نفس المصير الذى آلت اليه.. ليس الموت هو المصير الذى أقصده فأنا لا أخشى الطيران بل جل ما أخشاه هو الوحدة والعزلة بعد زوال الأنوثة الشابة .. الآن فقط استوعبت معنى الحلم بها وأيقنت الآن أنها أحبتنى كما أحببتها .. فأطلعتنى حلماً على سرها.

ولكن أين هى «زوزو» -المحبة للحياة- منى الآن؟! لماذا أخذها الخوف بعيدا عنى؟ أريد أن أعود ولو ليلة واحدة «زوزو بتاعة أيام زمان» .. أليست السعادة قرار كما أخبر أصدقائى عندما أرتدى قبعة الواعظ... لماذا لا إطبق نظرياتى إياها فى الحياة اليوم؟
سأصدر فرمان ملكى بالسعادة اليوم.. الماضى انتهى .... والحاضر أهدره فى النواح.. وأن لم أكن سعيدة الآن فكيف أفكر فى السعادة فى مستقبل لم أملكه بعد.... سأنتزع السعادة من البرد. اليوم أنا «زوزو» نفضت عنى ثقل العقل .. وقررت أن أحيى الليلة فى اللامعقول.. من الآن وحتى الساعات الأولى من الصباح أنا «زوزو».... الى After Eight والله يرحم «أمينة رزق».

يتبع

الأربعاء، 8 أكتوبر، 2008

هى وهى وهو



«النهاردة لازم أبقى حلوة قوى وشيك قوى وأنثى قوى قوى» هكذا حدثت نفسها فى مرآة الدولاب وهى تفتحه كى تنتقى ما سترتديه الليلة فى تلك الأمسية الشعرية التى ستديرها غريمتها وشريكتها فى قلب حبيبها أو فلنقل رجلها.

التقطت أصابعها الرشيقة فستان بنى غامق ليس بالقصير.. له خطوط أنثوية واضحة ليست بالزاعقة.. يكشف عن استدارة كتفيها المحببة اليه.. ولفت ايشارب أحمر قانى على جيدها الخمرى وأسدلته على فتحة الصدر كى توارى تلك المساحة البسيطة المتاحة للنظر من صدرها المتحفز.. يضيق الفستان على خصرها النحيل وينحدر بأتساع ليظهر القليل جداً من ساقيها الرشيقتين..
وضعت قرطا عربياً كبيراُ من الفضة ... وأسدلت عليه خصلات شعرها الغجرى المنطلق فى تموجات متمردة.. حددت عيونها العسلية بكحل عريض.. ولم تضع أحمر شفاة.. وإكتفت بهذا المقدار من الزينة التى لا تفسد بساطتها..

وذهبت الى غريمتها -الشاعرة المعروفة- التى تكبرها بخمسة عشرة عاماً ..كانت قد رأتها أكثر من مرة فى بعض التجمعات الثقاقية.. وتحفظ عن ظهر قلب ملامحها المطبوعة على غلاف ديوانها الأخير الذى قرأته عشرات المرات كى ترى رجلها بين سطوره.. الا أن هذه هى المرة الأولى التى تتاح لها فرصة تفحصها عن قرب.. أنها جميلة بالرغم من بعض علامات السن بين ملامحها.. ولكنها النقيض منها.. فهى فارعة الطول.. ممتلئة القوام بعض الشئ.. شاهقة البياض.. عيونها زرقاء تميل الى الرمادية.. ينسدل شعرها الفاتح القصير بنعومة على خديها.. ترتدى تنورة قصيرة وبلوزة رقيقة.. تعكس تفاصيلها أنوثة واضحة .. تتنافى مع ما أخبرها به عن برودها الجنسى.. شحذت كل حكاياته عنها ..

وصرخت بداخلها: «أول مرة أكتشف كدبه... لأ أنا اللى كذابة .. طول الوقت كنت عارفة انه «كداب عظيم» بس كنت برفض أصدق .. وأقول لروحى بلاش أوهام.. أنا اللى كنت بارفض أكون صادقة مع نفسى.. أنا اللى كدابة .. وكدبى ما كانش على حد غيرى»

تفحصتها مجدداً.. إن لم تكن غريمتها لكانت أعجبت بها.. فهى شاعرة موهوبة.. وإمرأة حساسة... راقية.... مثقفة.. هادئة ..والأهم من ذلك كله فهى انسانة صادقة

إختتمت ليلتها بقصيدة «هى وهى وهو» وكانت هى الأكثر وعياً وتفهماً وخبرة حين نظرت فى عينيها وكأنها تعرفها وأخبرتها بجملها الشعرية أن الخطأ يكمن فى تقبل كلاهما لوجود الأخرى .. وبالأدق تقبل كلاهما له فى ظل معرفة كل منهما بوجود الأخرى.. فهى بالنسبة لها جرح وذنب لا بغتفر... ولكنهما أعطياه حق المرع.. بعدم هجرهما له.. ونسيتا أنه هو المخطئ .. وبدأتا فى سن وتسليط سهام الغيرة والكراهية للأخرى - التى لا تعرفها - التى تشاركها رجلها.. هل سيرضى هو ذات يوم أن يشاركه آخر فى أيهما؟ بيت القصيد ليس به ولكن العيب بهما لتقبلهما ما لن يرضاه يوما لذاته...

بمجرد خروجها من «قصر المنسترلى» بعد أنتهاء ندوة غريمتها الشعرية.. هاتفته فلم يجب.. وأرسل لها رسالة قصيرة يعتذر عن عدم رده عليها فهو مع زوجته (غريمتها) الآن لشراء بعض مستلزمات البيت .. ورفضت أى دمعة أن تخفف من أحساسها بالغباوة.

حكايات برقوقة (١)




فى الغالب أنا مدمنة... مدمنة فاكهة.. لأن سلوكى فى تناول الفاكهة غير سوى على الإطلاق ... فعندما أعقف «أصابع» الموز- على سبيل المثال- أتحول من بنوتة وديعة لطيفة الى ما يشبه القردة و تحديدا «الأورانجوتان» .. أما عن المانجة فحدث ولا حرج.. أعود الى طبيعتى البدائية التى لا تعرف التحضر... فأحوط فص المانجة بيدى الإثنتين ونظرة استحواذ تطفو على عينى وكأنى عثرت مصادفةً على كنز غالى ... و أتناولها ببطء وتلذذ .. عكس سلوكى مع العنب الذى أبدو وأنا جالسة أما شاشة التليفزيون وفى حجرى طبق عنب من الحجم العائلى وكأنى فى سباق مع عقارب الساعة.. ويا عينى على البطيخ الساقع المتلج فى عز حر يوليو.. لما يروى العطش ويبل الريق.. وياسلام على المشمش ومزازته والخوخ وتسكيرته.. والكيوى وغلاسته.. والرمان ودوشته.. أما الموسم الشتوى آه من البرتقال واليوسفى .. أيه الحلاوة دى!! أقول أيه ... ولا أيه.... ولا أيه!!!

ونتيجة لهذا الحب المرضى المبالغ فيه فأنا أطلق أسماء الفاكهة على كل ما أحب ومن أحب.. كلُُ حسب حجمه ومذاقه.. واليوم أنا سأحكى لكم عن برقوقة:

هى بيضاء اللون.. عسلية العينين.. لها شعر طويل ناعم.. وملامح وجه «مسمسمة» جداً.. .طيبة.. ناعمة الطباع.. هادئة فى كثير من الأحيان ولكن لها شقاواتها التى لا تحتمل فى أحيان أخر.. هى لطيفة جدا.. جداً.. جداً.. ولكن قبل أن أسترسل فى الحكى أريد أن أخبركم أن برقوقة هى قطتى الرومىة التى أهداها لى أخى فى إحدى نوبات ألمى الشديدة وتوجعى من قسوة الحياة على البشر لكى يخرجنى من هذه الحالة و يساعدنى على المضى قدما فى دنيانا المتعبة .. كانت هذه هى أحدى الفترات التى يغيب فيها النور.. وتكثر الآهات وتتبع كل الكلمات المنطوقة والغير منطوقة بتنهدات عميقة.. وتذرف العين قدر المستطاع من الدموع.. التى قد تبلل نداوتها جدب الحياة الدائم.. وتتساءل الروح فى الحاح عن معنى الحياة وجدوتها حين تستعصى الضحكات .. كانت بإختصار حالة إكتئاب من الدرجة الأولى... التى عندها يختفى أنصاف الأصدقاء ويظهر للأنسان سنده الحقيقى. هذه الحالة غالبا ما يسببها الفقد.. فقد عمل.. فقد حبيب.. فقد قرصة ذهبية أياً كانت ... ويتجسد الإكتئاب فى روتين يومى حيث أذهب الى عملى فى الصباح.. أؤدى وظيفتى بدون حماسى المعتاد الذى عُرفت به.. أعود الى منزلى .. أدير جهاز التليفزيون.. وأجلس أمامه بالساعات.. ولا أرغب فى مزاوله نشاطاتى التى لا تعد فى أيامى اللامكتئبة.... آكل بنهم ..وأنام لساعات طوال.. ولا أهتم بأى شئ يجرى من حولى حتى وأن خربت الأرض.. وذات يوم عدت من العمل .. وأتجهت مباشرة الى غرفتى.. فاذا بقطة صغيرة جدا بلون الثلج تدنو منى .. فأقبلت عليها وأمسكت بها فى كفى وسألتها:
- انت مين يا حلوة انت؟
فأجابتنى بمواء ضعيف متقطع يشبه الإيقاع الموسيقى لكلمة برقوقة (أو هكذا خُيل لى) فقلت:
- أنت اسمك برقوقة ؟!... الله دا انت برقوقة حلوة ومسكرة وطعمة طعامة وتتاكلى أكل..!!

وأعادت لى برقوقة سلوك ظننته فقد ولم يعد موجود.. وهو الإهتمام.. صرت أهتم بهذا الكائن الصغير.. بطعامها و شرابها وتطعيماتها.. ورملها «كريه الرائحة» .. فى بداية الأمر تبرمت من مسؤليتها فقد كان على أن أحرص على العودة الى المنزل فى مواعيد ثابتة.. فهى لا تأكل إلا اذا أطعمتها قطعة بقطعة .. وكانت النتيجة أن قيدت برقوقة حريتى الشخصية.. وغيرت من مسار يومى.. فأصبحت وأنا أخطط ليومى أعتبر «الست برقوقة» .. ولكم كان مزعج مثل هذا القيد النفسى الذى كاد أن يخنقنى عندما اضطررت الى البقاء خارج القاهرة لمدة يومين ولم يكن بالبيت من يهتم ببرقوقة.. وعدت الى المنزل وأنا أرتعد خوفا من أجدها قد ماتت من الجوع ..وحدثتنى نفسى أنى لن أستطيع تحمل مسؤلية روح أخرى.. وفكرت مليا فى التخلص منها.. وقررت أن أؤجل قرارى لبعد حين.. وبدأت أقرأ عن تربية القطط.. وأصبحت أسأل أصدقائى «القططيين» عن سلوكهم

وبعد فترة قصيرة منحتنى برقوقة معنى المسؤلية عن الغير.. لطالما كنت فيما مضى شخصية مسؤلة عن نفسى .. عن وظيفتى.. بيتى ..طعامى.. شرابى .. صحتى.. مستقبلى.. كانت مسؤلياتى تتمحور حولى أنا فقط ولم أكن أبدا مسؤلة عن غيرى فطالما تهربت من القيود الإحبارية التى كانت كفيلة بأن تصيبنى بحالة فزع نفسى شديدة.. فسعىى كان دوما للقيود الإختيارية على شاكلة الأصدقاء حيث لا مجال لثقل وعبء حتمية القيد.. كنت أرتعد من فكرة «الجاذبية الأرضية» ويغازل الطيران أحلامى.. لأنعم بخفة الحرية

وفَجَر وجود «برقوقة» فى حياتى عدة تساؤلات : ماذا لو كنت متزوجة؟ ماذا لو كان لدى زوج وأطفال؟ هل كنت سأتبرم من مسؤليتهم؟ ماذا عن حريتى الشخصية؟ ماذا عن إهتماماتى الفردية؟ ماذا عن هواياتى؟ ماذا عن شطحات جنونى المحسوبة للتخفيف من ثقل دم الحياة؟ هل الحرية خيار لا مثيل له؟ وماذا عندما تصبح المسؤلية عبء؟ هل سأستطيع تحمل مسؤلية الغير؟ هل أنا حقا كائن لا تحتمل خفته؟ .

ولسه لحكاياتى أنا وبرقوقة بقية.....

الثلاثاء، 9 سبتمبر، 2008

إتنين فى الهوا




فى فضاء سماء صافية -إلا من عدد قليل من السحب- كانا يجلسان متجاورين.. يتناجيان بهمس.. يعقبان كل جملة بقبلة.. تحمل قبلاتهما من الاهتمام والحب أضعاف ما قد تحمله من رغبة...

أراه ينظر اليها مباشرةً فى عينيها - فقد كنت أجلس خلفهما فى الطائرة - وكلما أمعن النظر بداخلها.. زادت هى من إحكام قبضة يدها على أصابعه المستكينة فى كفها.. يتوج قبضتها خاتم من الألماظ يوثق للناظرين إرتباطهما الأبدى..

خجلت من نفسى .. ومن تركيزى اللا إرادى معهما.. فحاولت جذب انتباهى بعيدا... وأخذت أقرأ فى الكتاب الذى أحمله معى «The Power of Now» أو «قوة الآن» الذى يتحدث فيه العالم الروحانى «اكهارت تول» عن كيفية تطوير المهارات الذاتية للسيطرة على «العقل»... وأن علينا أن نصل بالعقل الى مستوى «العقل الواعى» والخطوة الأولى لذلك هو أن نعلم أن هناك فارق بين الأنسان وعقله.. «أنت ليس ما تفكر به.. أو ما يدور فى عقلك».. ووصف العقل بأنه اداة تفكير تعمل في اغلب الاحيان «ضدنا» .. فالعقل اما يعيش في الماضي أو يفكر في المستقبل وغير قادر على العيش «هنا والآن».

فالعقل يستخدمنا كـ"اداة" لأشباع رغبات اللاوعى.. ولكى نستريح من المعاناة التى تسببها لنا عقولنا علينا أن نراقب العقل «تعلم أن تفصل بينك وبين عقلك» وشيئا فشيئا سنفهم الميكانيزم الخاص به. هذه المراقبة والسيطرة هى التى تتيح للانسان عيش «الآن» و «هنا» من خلال وعي «الكينونة» او «التنوير» الداخلي «الروحاني» الذي يصفه بوذا بـ"نهاية الألم".

أعجبت بأفكار «تول» وقررت أن أحاول ممارسة العيش قى «الآن» فوضعت الكتاب جانبا كى أستمتع بلحظاتى الحالية دون القلق على المستقبل أو التفكير فى الماضى.. أخذت نفسا عميقا.. وملأت رئتى بالهواء.. وزفرت ببطئ .. ونظرت من النافذة المجاورة.. غصت فى شفافية السحب القطنية المتناثرة .. لمحت الأرض عن بعد.. شعرت وكأنى أمارس الطيران بأجنحتى الخاصة..حاولت أن أجرد نفسى من كافة المفردات المحيطة.. كى لا يبقى أمامى سوى الأفق.. أبحر فيه حتى أرسو على أرض غريبة.. ولكن عقلى عاد اليهما - الحبيبان - مرة ثانية كجزء من لحظتى «الآنيه»

تابعتهما بعينى من بين مفترق المقاعد.. ما أجملهما.. ما أجمل الإحساس بالحب.. رأيته يحيط رأسها وكتفيها بذراعيه لتستقر فى حضنه .. وشعرت ببرودة مفاجئة!! تلحفت ببطانيتى وتفحصتهما بعناية عَلِى أعثر على سر حبهما!!.. كانا فى أواخر العشرينات.. شاب وسيم.. وفتاة متوسطة الجمال... ترى هل يراها كما يراها الناس؟ أم هل هى بالنسبة له أجمل نساء الأرض؟ توالت متاهاتى فيهما وملأتنى الأستفسارات المحيرة... لماذا أنا محرومة من مثل هذا الإحساس؟ لماذا أفتقد دفء قصة حب مثل هذه ؟! كيف تخلُ حياتى من علاقة حب أشعر فيها بالاكتمال؟ وهل أنا فعلا غير مكتملة فى ظل غياب الحب؟ واين شعاراتى التى أرفعها عاليا عن التحقق والنجاح والإستقلال؟ لماذا لا يوجد لدى سند عاطفى فى هذه الدنيا؟! أين الخطأ؟ هل العيب بى؟ أم بالحياة التى نحياها؟ هل أنا شخصية متطلبة فى الحبيب؟ أم أننا نحيا فى زمن بخيل يرفض حتى الجود بالأحباب؟ بداخلى حب يكفى الكون بأكمله.. وليس لدى من أهبه هذه المشاعر.. أين الخطأ فى هذه المعادلة الإنسانية؟ هل الحب عملة صعبة فى هذا الزمان؟

هل المشكلة تكمن فى مفردات العصر «المبارك» الذى نحياه؟ هل لأننا نحيا فى زمن يصعب فيه الفكاك من ساقية الماديات.. فأصبح فيه الحب رفاهية لا يقدر عليها البشر؟.. هل كافة الإحباطات - الخاصة والعامة -المحيطة بنا قد أجهضت أحلامنا بالحب؟ هل الرجال ولاد ستين فى سبعين وأنانيين وخائنين ؟أم ان النساء هن ولاد تمانين فى تسعين وغدارات ونكديات ومتطلبات؟

راقبت تسلسل الأفكار السابقة بداخلى كما يدعو «اكهارت تول» كى أصل بنفسى الى سيطرة العقل الواعى.. وأيقنت أنى «الآن» مجرد أنثى وحيدة ...تشعر بالبرد... تتوق للحب... ولا تقوى على تحمل آلامه.. فنظرت للحبيبين أمامى وودعتهما وأحكمت إغلاق جفونى كى أسلم روحى لدنيا الأحلام حتى موعد وصول طائرتى..


الخميس، 28 أغسطس، 2008

ضربة شمس




إشتقت للطبيعة ..وخنقنى حر القاهرة المؤلم.. فعزمت الرحيل الى سيناء.. وهناك بعيدا عن عاصمة المخروسة -عفوا المحروسة - بدأت مشاكلى فى الزوال تدريجيا .. أصبحت قادرة على التنفس بانتظام وعمق... فتحت شهيتى للطعام .. اختفت حالات الأرق... بل أصبحت أتمتع بما يزيد عن ثمانى ساعات من النوم المتواصل يومياً.. انتهى الصداع المزمن .. وهدأت حركة الأفكار فى عقلى ..

بمجرد دخولى «قلعة زمان» أصابتنى حالة سكينة مفاجئة.... هذا المكان السياحى الذى بنى على بقايا قلعة قديمة .. صممت لتحمل زوارها الى أجواء القرون الوسطى.. كل شئ بحمل سحر مختلف.. سحر خاص جدا.. سحر أيام «زمان»..

جلست فى تأمل عميق لكل هذا الجمال المحيط بى.. هذه القلعة المتوارية فى حضن الجبال.. جارها البحر.. حدودها السماء.. كل شئ يسير ببطء ممتع ..حتى مستوى الخدمة.. سبحت لساعات فى حمام السباحة المحفور فى الصخور.. وخرجت أجفف جسدى بحرارة الشمس.. تناولت نظارتى الشمسية وارتديتها.. وارتميت على «الشيزلونج» وأخذت أتأمل الجبال من حولى.. على بعد أمتار قليلة توجد مجموعة من الفتايات يرقصن بحيوية وحب مفرط للحياة.. يثنين أجسادهن النحيلة على أنغام موسيقى «التكنو» ومن داخل القلعة يصلنى صوت «فرانك سيناترا» فى أغنيته «Fly me to the moon»
أشعر بجفونى ثقيلة... لدرجة الإغشاء. .. وفجأة أختفى هذا الأحساس عندما رأيته.. كان كفارس من العصور الوسطى.. طويل.. أسمر.. نحيف بعض الشئ.. له عينان غائرتان.. واسعتان حد توهان الننى .. أراه ينظر فى عينى مباشرة.. يقترب منى.. وقلبى يدق بعنف.. هل يقصدنى؟! ليته يقصدنى!! ما أروعه!!
تقدم منى ومد يده فى أشارة مهذبة لدعوتى للرقص. فكرت أن أرفض طلبه أو أتظاهر بعدم رؤيته.. ولكن ما حدث هو أن مددت له يدى.. فجذبنى اليه بنعومة بيده اليسرى وأحاط خصرى بيده اليمنى وبدأنا الرقص على أنغام «سيناترا»:

Fly me to the moon
Let me sing among those stars
Let me see what spring is like
On Jupiter and mars

كنت كما المسحورة.. تحدثنا ولا أدرى فى أى شئ.. فقط كنت أشعر وكأنى أعرفه منذ سنوات طوال.. هو فارسى من قديم الأزل.. جاء الى فى «قلعة زمان» كى يختطفنى ويحلنى من أسرى للمدنية ..كنت أعلم عنه كل شئ.. اسمه.. جدوده.. تاريخه.. وكل ذلك من نظرته..
وبعد توقف الموسيقى.. مد يده فى الفراغ خلفى.. وأعادها بزهرة القرنفل البيضاء التى أعشقها.. ووضعها بين خصلات شعرى.. وفجأة أخذنى من يدى وجرى كأنه تذكر شئ هام... كانت حركتى بطيئة.. فحملنى بين ذراعيه واستسلمت أنا بكامل إرادتى المسلوبة.. مررنا بدهاليز القلعة المضاءة بالشموع.. فتح احد الأبواب وأخبرنى ان هذه الغرفة تسمى «غرفة الكنوز» واختار لى منها غطاء رأس حريرى أبيض.. وأكمل جريه الى خارج القلعة.. وهناك ركب دراجته البخارية.. وأشار لى بالركوب خلفه.. طاوعته وقلبى يكاد يتوقف عن النبض من فرط السعادة.. فرررروووووومم... هو آخر ما سمعته قبل أن ينطلق بنا ليسكن صوت الريح أذنى.. وزاد من سرعته شيئا فشيئا.. لنسابق الريح.. الجبل عن يسارنا والبحر عن يميننا.. وكنت ممسكه بملابسه .. محتضنه وسطه من الخلف كطفلة صغيرة تخشى الكون بأسره الا هو.. ومالت الشمس للغروب.. فأوقف درجاته البخارية كى نستمتع بقدرة الخالق على الجمال قبل ان يغمرنا الظلام.. وسمعته ينادى اسمى عدة مرات.. ففتحت عيونى لأجد صديقتى تنادى على كى نرحل قبل حلول الليل.. كنت مازلت ممدة على الشيزلونج أمام حمام السباحة .. ومازالت الفتايات يرقصن بجوارى ولا وجود لفرانك سيناترا...

نهضت فى تكاسل .. وخيبة أمل واضحة ترتسم على ملامحى.. وسرت بجوار أصدقائى وأنا أتأفف كطفلة لا تود الرحيل وأمام «قلعة زمان» وجدت دراجة بخارية.. نعم هى دراجته.. ولكن من هو.. وكيف؟ هل كان حلماً؟! أم حقيقة؟ أم هل أنا جننت؟

وكانت قدماى بالكاد تحملانى.. وشعرت أننى أسقط فى ظلمة حالكة وانى أسير للخلف فى ممر ضيق .. وامتصنى الظلام عن آخرى.. وفتحت عيناى- لا أدرى متى- لأجدنى فى غرفتى .. وأخبرتنى صديقتى أنى أصيبت بضربة شمس.. وأيقنت أن فارسى لم يكن سوى نوبة هذيان عاطفى..

ملحوظة: أكد شهود عيان رؤيتهم لدراجة بخارية أمام «قلعة زمان»...

الخميس، 21 أغسطس، 2008

القاهرة ليل داخلى (١)



تعيش «حياة» فى بيت الجدة الهادئ فى أطراف منطقة المنيل.. وبالتحديد فى شارع «المقياس».. الذى سمى بهذا الإسم ـ وفقا لحكايات الجدة - لأنه يحوى جهاز مقياس منسوب مياة تهر النيل.. تعشق حياة حكايات الجدة وخصوصا عن المنيل.. تلك الجزيرة المربوطة بباقى العالم عن طريق الكبارى.. تحكى الجدة عن طفولتها فى المنيل فى نفس هذه البقعة عندما كانت فيلا قبل أن يحولها أخواتها الكبار الى عمارة سكنية لتدر عليهم دخلا شهريا بعد المعاش.. يسمى المربع الذى تسكنه الجدة بالمماليك وتروى الجدة سبب هذه التسمية بأن المماليك عندما أتى بهم محمد على الى مصر تعددت محاولات فرارهم.. وكانوا فرسان أقوياء يجيدون كافة فنون القتال وعندهم مهارات عالية جدا ..فاحتار محمد على فى السيطرة عليهم.. وقرر قهرهم بنقطة ضعفهم.. فأرسلهم الى جزيرة المنيل وتركهم بلا حراسة فقد عرف عنهم خوفهم العظيم من المياة وافتقارهم لمهارة السباحة.

وفى ليلة صيفية حارة.. تسحبت حياة من سرير جدتها فى هدوء كى لا توقظها.. وسارت على أطراف أصابعها.. واتجهت الى البلكونة وفى يدها «الخطة ب » و «كشكول الأسرار» لم ترغب فى أنارة لمبة البلكونة فقد كان القمر مكتملا و الأعلان الكبير لشركة السيارات الذى يحتل مساحة لا بأس بها من العمارة المقابلة قد بددا ظلمة الليل.. جلست حياة فى ركن البكونة وبدات فى قراءة «الخطة ب» من سلسلة روايات «رجل المستحيل».. أدهم صبرى.. أنه هوس أختها سلمى التى تكبرها بخمس سنوات.. تحلم به ليل نهار.. وكلما علقت احدى صديقاتها على أى شاب .. تهب بهم سلمى قائلة:
- ودا يجى ايه ده قى أدهم صبرى
بدأت حياة فى قراءة مغامرات أدهم صبرى أو (ن-1) حرف النون يعنى أنه فئه نادرة أما الرقم واحد فيعنى أنه الأول من نوعه.. هو رجل من نوع خاص.. يجيد استخدام جميع أنواع الأسلحة من المسدس الى القنابل ... وكل فنون القتال من المصارعة وحتى التايكوندو.. هذا بالأضافة الى أجادته التامة لست لغات حية.. وبراعته الفائقة فى أستخدام أدوات التنكر وقيادة السيارات والطائرات وحتى الغواصات...
وشردت حياة عن متابعة القراءة.. أن أدهم صبرى يدعو حقا للأعجاب ولكن فارسها مختلف.. وذهبت بعيدا .. بعيدا جدا.. وعندما عادت أخرجت «كشكول الأسرار» الذى تدون به أسرارها الطفولية البريئة. ولأول مرة ترسم بالكلمات حلمها.. فارسها.. وكنت أنا هذا الفارس.. اليكم ما كتبته عنى حياة ابنة العشرة أعوام:
متى ستاتى ايها الفارس؟.. أنا فى انتظارك.. هل ستاتى لى من البلكونة؟ ..لا أعتقد...هل سأقابلك صدفة؟.. أكيد
قرأت فى هاملت أن لا شئ فى الدنمارك يحدث صدفة..كل المنسوب الى الصدف مدبر..
لعل وعسى أن تكون مصر كما الدنمارك.. سأبنى خطتى على هذا الأساس.. وسأدبر صدفة لقاءنا.. ولكن كيف سيكون شكلك؟ سأرسم ملامحك .. بعد إذنك.. أنت وسيم جدا.. طويل ..بس مش حيطة.. مثلا يعنى 185 سم .. أسمر.. بس مش أسود زنجى.. يعنى سمار أحمد زكى كده.. جسمك حلو.. بناتى دى شويه؟ طيب خلينا نقول أنك زى «رجل المستحيل» مفتول العضلات .. بس من غير ضرب نار وحاجات من دى.. وعلى فكرة أنا مش بحب الناس اللى عضلاتهم ضخمة قوى .. أصلهم بيخوفونى.. خليك وسط.. بلاش تبقى هجمة.. يعنى خليك حلو وخلاص.. وأهم حاجة ما يكونش عندك كرش.. ويكون شعرك أسود زى الليل.. وناعم طبعا.. بس ما يكونشى سايح ونايح.. وسط بردوه.. عينيك عسلية.. «ولا قدك ميه يا أبو العين العسلية.. يا أبو عين غدارة ولما بشوفها بادارى .. تهرب من قلبى فاكرها شطارة» أيه الكلام الفارغ بتاع شادية ده؟ لأ مش عايزة عينيك غدارين ولا عايزاك تهرب منى.. عايزة عينيك بلون العسلية وحلاوتها .. آه بالمناسية أنا بحب العسلية قوى... لما تقابلنى صدفة «زى ما اتفقنا» هات لى معاك عسلية ودوم كمان.
نرجع لعينيك.. عايزاهم رايقيين.. صافيين.. ولازم كمان بيقى فيهم شقاوة وذكاء.. بيقولوا عنى أنا كمان كده عينيه مليانين شقاوة.. آه وتكون عينيك حنينة زى عينين جدتى .. مليانين دفا.. وتكون عينيك وااااااسعة ومحفورة جوا وشك .. يعنى تبقى شبه عمر الشريف كده شوية.. بس اوعى تكون بتتكلم زيه!! أصله مثأثأ ومابيعرفش يقول كلمتين على بعض.. وتكون مناخيرك مش كبيرة.. وودانك كمان . وشفايفك مش رفيعة زى ماما ... علشان ما تتطلعش عصبى زيها.. عايزة ملامحك تبقى منحوتة فى وشك زى التماثيل الرومانية.. والأهم من كلللل الحاجات دى تبقى حنين وطيب وبتحب الملاهى والرقص والأيس كريم والشعر والسنيما.. عايزاك لما تقابلنى صدفة تجيلى بقصيدة تحكى لى فبها عن السنين اللى كنت بتدور عليا فيها قبل ما تلاقينى.. تعالى لى على فيسبا صوتها عالى.. يصحينى من عز النوم.. وأقف تحت البلكونة واحدف لى وردة.. أخرج أنا على الصوت العالى ألاقيك قدامى .. لابس بنطلون جينز أسود.. وجاكيت جلد أسود .. ياريت يكون «هارلى» أصلى باشوف «ستيفين سيجال» لابس كده.. وشاور لى أنزلك.. وأنا أقولك لأ .. جدتى جوا... فتطلع الشجرة وتلف دراعك حوالين وسطى وتخطفنى وتهرب بيا... ولا أقولك لأ .. بلاش موضوع الهرب ده جدتى تزعل.. انت تعالى كل يوم لما الليل يحل.. وخدنى وراك على الفيسبا.. ولف بيا قى شوارع القاهرة الفاضية.. واحكى لى عن حبك ليا.. ورجعنى قبل ما الفجر يطلع لحضن جدتى.. أصلى ما بجبش أزعلها.. يا لا تصبح على خير.. هستناك ... صدفة
ملحوظة: عايزلك مؤدب .. يعنى ما تحاولش تبوسنى .. مفهوم!!
سلام
حياة

الحق يقال لقد استوقفتنى كلمات «حياة» البريئة .. المختلفة.. من بين كافة أفكار البنات وأحلامهم.. فقد اعتدت انا فارس الأحلام أن ترسمنى الفتايات بزي ناصع البياض لفارس من العصور الوسطى أمتطى جوادا عربيا أصيلا غالبا ما يكون هو الآخر أبيض.. ودائما أنا طويل القامة .. عريض المنكبين.. الأرجح هى صورة ذهنية شكلتها فى رؤسهن البشاير ألف ليلة وليلة.. فأذهب الى قلاعهن المهجورة لأحررهن من الأسر.. أما هذه الطفلة العجيبة فقد غيرت من زيي وألبستنى أسود أخذت منى حصانى وأعطتنى فيسبا وطلبت منى عسلية ودوم؟!!!
وكان هذا هو سرها وسرى فى دفتر الأسرار.. أحببت هذه الطفلة المنعشة.. بل وأدمنتها.. من خلال رسائلها لى عبر ليل القاهرة.. فكل ليلة بعد أن تتطمئن الى نوم جدتها الهانئ.. تخرج الى الشرفة حاملة كشكول الأسرار .. الذى بمرور الوقت صعب على تمييز هل هو كشكول أسرارها أم أسرارى معها..

الثلاثاء، 5 أغسطس، 2008

أبليس وحوا فى عشرة طاولة



فى قلب ليل القاهرة تقف «حياة» فى نافذة شباك «عم نجيب» ..صديقها العجوز .. الذى يرفض هذا الوصف.. فطالما طالب «حياة» ألا تنعنه بالعجوز.. وطالما أخبرها أن العجوز من العجز.. وهو يرفض فكرة العجز.. ويفضل الشايب أو حتى العايب..

تتطلع هى للبراح.. وترقب عن قرب الوجهات الخلفية لبعض العمارات القديمة...أمامها مباشرة سور قديم لملجأ تطل منه عشرات الاشجار لتتكئ برفق علي بقايا القاهرة القديمة..تقطع الكون نخلة تلمس السماء باباء ..والمدي تسكنه بيوت مصر القديمة .. يمتد النظر واصلا الي قمم عمارات القاهرة الجديدة بالمنيل.. ترى تلك العمارة الحديثة التى طالما أسمتها «عمارة بم بم» وهى الآن مضاءة باعلان لشركة عقارات بالنيون الابيض .. تلك الإضاءة الزاعقة التى لتفسد علي «حياة» متعتها في متابعة القمر الحيي الذي يتواري من عيونها خلف سحب رمادية.

تستنشق «حياة» الهواء بعمق.. وتنظر الى السماء.. لتري لوحة تسحر القلوب لفنان لا تنضب ادواته.. ياتي الي أذنيها صوت عبد المطلب وهو يغني :بتقول وتعيد لمين؟! .. وبتشكى لدا .. ودا.. !!! الناس المغرمين ما يعملوش كده..!!! ... دول مهما اتألموا...بيداروا ويكتموا.. ولا يوم يتكلموا.. ويشمتوا العدا.. الناس المغرمين ما يعملوش كده...!!!


يحملها صوت عبد المطلب الى زمن لم تنتمى اليه ابدا .. تتحرك أشجانها فتنتشي للكون وتتمايل مع الالحان الودودة لهذا الزمن الذى لا يوجد الا في بيت «عم نجيب» تتابع انفاسها وتاخذها اذناها لاصوات القاهرة القديمة من جديد... ترهف الحس للاصوات الضعيفة القادمة من البيوت فتملاها الحسرة علي هذا الشعب الطيب.. والزمن الغير طيب.. يوقظها صوت «عم نجيب» الذى يأتيها من داخل المنزل وكأنها يصلها عبر الأجيال قائلا:

-ما تيجي يا حلاوة اغلبك عشرة طاولة؟! فتجيبه - وهى لا تزال تتكئ على افريز النافذة- بطفولتها المحببة أليه :
-يالا يا عسل بس هو تصحيح بسيط.. انا اللي هاغلبك عشرة طاولة..
تنظر الى داخل الغرفة وتراه أمامها يبتسم لها بطفولة تضاهى براءة ضحكاتها و بأصرار يفوق عندها وحب وتحدى واضحان ويقول:

-عارفة يا بنت امبارح انتي انا اسمي ايه في المنتخب الدوري للطاولة؟؟...اسمي ابليس !!!
تبتسم له بكل الحب الذى تكنه ليس له وحده بل لزمنه بأكمله وتقول:
-عارف انى أدرجت مؤخرا فى المنتخب؟؟ واسمي المسجل رسميا عندهم أيه؟؟.. اسمي حوا !!!

وتقام عشرة الطاولة بين ابليس وحوا في الالفية الثالثة ...حوا في الثلاثين من عمرها وابليس في اوج ستيناته... والحق يقال لم يكتسب ابليس الاسم عن غير جدارة فهو له من الحيل الخادعة لابليس عجوز ما ليس لحواء التي تبني خططها على الهجوم دائما حتي و ان كان الدفاع خير وسيلة له...يلعب ابليس بحرفية الصائغ ويخدع الخصم بما لا يتوقع.. تسانده قوي خارقة من الحظ في بعض الاحيان حينما يوشك الدور علي الإنتهاء لصالح الخصم... اما حوا فهي بكل ذرة احساس حوا ...صبية .. طيبة .. تهوي الحياة التى سميت على اسمها...حساسة.. ساذجة في كثير من الاحيان رغم ادعئها النضوج ...وكل هذا الوصف لحوا لأن سياستها في اللعب تعكس حالها ....

أما عن حال أبليس فهو مأزوم بالوجود يأرق حاله الكون بأسره.. مثقل بهموم البشر.. يرفض الأنتماء اليهم.. والبعد عنهم.. يخشى على نفسه من نفوس البشر .. ودائما ما يبنى خططه لخداع الخصم فى الطاولة. تنخدع حواء بحيله النميسة.. فتتحرك بهجوم واضح لتعلم عند اقتراب النهاية أنه لم يكن سوى فخ من أبليس.. والغريب هو أن تفوز حوا فى نهاية العشرة عندما يدفع ابليس بنفسه للخسارة كي لا يزول بريق عينيها المحبب لديه.. كي لا يؤرق أبليس قلب العود الاخضر... كي لا تخسر حوا براءتها فتزول انوثتها....

ولأن اللعب على الخدمة فبعد انتهاء العشرة يذهب «أبليس» الى المطبخ لتجهيز الشاى وتعود «حياة» الى نافذة «عم نجيب» من جديد. ويأتها صوته مضفرا بعناية مع صوت عبد المطلب «الناس المغرمين بيكونوا حنينين ويخافوا ع الشعور ..الصبر بيخلقوه.. والبال بيطولوه.. ويشفوا الضلمة نور...الناس المغرمين ما يعملوش كده)

الأربعاء، 30 يوليو، 2008

أسطورة سائق البيجو



هذه ليست حكاية مع سائق تاكس.. بل هى حكاية غريبة حدثت لى وأنا فى عامى الأول الجامعى ... انتهت أحداثها فى «بيجو محافظات». بدأت الحكاية فى القاهرة.. فى مكتب دعاية وإعلان متواضع.. فى خلال الأجازة الدراسية حيث بدأت أولى محاولاتى للهاث وراء العمل وإثبات الذات.. كان اليوم هو الخميس.. موعد زيارتى الأسبوعية لأسرتى خارج زحام القاهرة.

اشارت الساعة الي الخامسة .. فبدأت فى لملمة أشيائى المبعثرة فى كل مكان واستعديت للانصراف. أستوقفنى احمد زميلي في المكتب وابلغنى انه يريد التحدث معى في موضوع ما. فوافقت ان يصطحبني الي محطة مصر سيرا علي الاقدام فمازال امامي ثلاث ساعات كاملة علي ميعاد القطار. وطوال الطريق من العباسية الي رمسيس كنا نتحدث ولا اتذكر مضمون الحوار ربما كان لا يوجد موضوع. ربما لم تكن أكثر من رغبة شاب و فتاة في الحوار والسير على الأقدام فى شوارع القاهرة. وصلنا محطة القطار فعرض على احمد ان نذهب الي كافيتيريا المحطة كي نشرب «أي شئ» قبل موعد مغادرة القطار. فراجعت نقودي ووجدت ان معي عشرون جنيها.. فحسبتها في مخي وقلت عشرة جنيهات تكفى لشرب «أى شئ» وعشرة جنيهات ثمن تذكرة القطار. فوجدت أن الحسبة تمام التمام... ورافقته الى الكافيتريا .. وشربنا «أى شئ» وتحدثنا فى «أى شئ» وحان ميعاد القطار فطلبنا الحساب واخرجت العشرين جنيها اليتيمة من حقيبتى كي ادفع حسابي.. ووضعتها فوق شيك الحساب في ذلك الطبق الأبيض الصغير . وجاء الجرسون وحمل الطبق بنقودى دون أن يدفع أحمد حسابه.. ورجع بباقى الحساب.. فقام أحمد شاكرا بمراجعه الحساب وتأكد من صحته و اخذ الجنيهات القليلة المتبقية ووضعها في جيبه!!!!

كان احمد مازال يتحدث وانا لا اسمعه.. فقط اري وجهه وشفتاه تتحركان.. ألقى بنظرى بين الحين والآخر الى جيب قميصه الاصفر الذي يظهر شبح نقودي من خلاله . كل ما يدور بذهنى هو كيف سأسافر الى عائلتى؟!.. شعرت بالخجل من ان احدثه عن الباقي.. ففعله وسلوكه صادم وغير متوقع فلجم لساني ولم انطق ... ولم يزل هو يتحدث... فقررت مقاطعته قائلة :انا مش هاركب القطر انا هاركب بيجو من احمد حلمي اصله ارخص ودلوقتي مش معايا فلوس كفاية..
فقام من مكانه وقال :ياللا هاوصلك لاحمد حلمي ...مشيت بجواره كالخرساء وانا اشعر اني امام كائن فضائي هلامي لا معالم له....وصلت الي البيجو وذهبت للسائق وقلت له:لوسمحت انا فلوسي ضاعت واهلي فب البلد اللي انت رايحها,ممكن اركب معاك ولما نوصل اديلك بطاقتي واروح اجيب فلوس من البيت وارجع علي طول.؟؟ فقال:اركبي يا بنتي.. .وتعالت اصوات باقي الركاب كل متطوع لدفع اجرتي .وعندما وصلت اخرجت بطاقتى الشخصية قائلة:5دقايق هارجع لحضرتك بالفلوس .فرد السائق يدى وحلف يمين طلاق بالتلاتة مانا سايبة البطاقة ولا راجعة بالفلوس ..

اليوم وأنا أسترجع هذا الموقف.. أشعر بسخط عظيم تجاه هذا الأحمد .. فقد كان فى منتصف العشيرنات من العمر وكنت صغيرة السن لا أملك الجرأة الكافية للتصدى لأنطاع الحياة من أمثاله.. لو حدث لى هذا الموقف الآن لما ترددت ثانية أن أطلب منه أن يدفع حسابه ويأن عطينى باقى نقودى. ولكن الموقف كان صادما لطفلة لم تتعدى السابعة عشر من عمرها..

والموقف الآخر لسائق البيجو.. هو الأهم هنا.. هذه هى الشهامة المعروفة عن أبناء مصر فى الأجيال القديمة.. أما جيلى وجيل أحمد فهذه الشهامة المزعومة ..أصبحت مجرد أساطير.

الاثنين، 28 يوليو، 2008

مرآة قديمة



سئمت هى كل قصص الحب التي لا تكتمل. تعبت روحها الملولة من تكرار سذاجة اللعبة في كل الحكايات. نظرت خلفها ووجدت ان اللعبة نمطية... تختلف الاضاءة و الملابس و الديكور و الاسماء ولكن المضمون متشابه الي حد التطابق. تتكرر في ذاكرتها المشاهد.. بابطال مختلفين.. أود أن أعلمكم بطبعها الاساسي ... «الملل» ... و طبعها الثانوي ... «عشق السباحة ضد التيار».

فهي باختصار مغامرة ملولة .. و ان اردتم بعض الملامح الاضافية اخبركم عنها ... هى طفلة... حنونة.... معطاءة... متدفقة.... دافئة ... محبة للحياة ... وللشجن في كثير من الاحيان ... عنيدة... مرهفة الحس ...



أما عنه.. فهو - بالرغم من إختلاف الأسماء - دائما فارس.. يعشق النساء..(فهى تعشق دور المحظية المصطفاة).. مقدام.. جسور... مختلف .. مثقف.. فنان.. حساس.. غالبا ما يكبرها بسنوات عديدة.. فالنضج الذى تضفيه سنوات العمر على الفارس .. يكسبه رونق شديد الخصوصية..

تدخل هي بكل معطياتها علاقة حب ... فلا يصمد امام تركيبتها الانسانية و الجسدية من تختاره... تبدا الحكاية من شهر عسل متدفق.. هي تحب العطاء... و هو طفل لا يمل من الاخذ الدائم.. خصوصا و ان كل عطاء منها هو نوع مختلف عن مثيله لدي الاخريات. فلديها في روحها دور خلقت لأدائه .. و لكنه لم يتاح لها يوما... كانت هى أم بداخلها.. وهو على الدوام طفل مترقب. والأم عندما تهب طفلها لا تنتظر منه شيئا سوي بنوته .. واذا تمرد هو علي الطفل بداخله و قرر الرجولة ياتي اليها مجددا فقد كانت انثي بكل المعاني.. لم تكن امومتها و انوثتها هو كل ما يحتاجه...اراد صديقا فكانت له كصديق رجل... اراد ندا فكانت له ... وكلما اراد هو ...كانت هي.

يبدا هو في التملل كطبع كل الرجال .. يريد خيانة ليتاكد من صدق مشاعره تجاهها.. وليؤكد لروحه انه لم يصبح طيع لها ..وان لديه مفتاح سري للهروب اذا ما أصابه الملل... فيذهب لأول خيانة.. و يعود مسرعا إلى حضن امه التي كسر مرآتها... فتتلقفه لانها رات الفزع في عينيه .. تغلق عليه ذراعيها.. وتضع ذقنها فوق راسه.. و تغمض هى عينيها كى ينام هو... و تسيل قطرات من الدموع لتبلل راسه ربما تلين...

تمر الاسابيع و يهدأ روع الطفل.. و تصلح هي مرآتها التى كسرت.. فيبقي اثر مستتر لشرخ ليس بالقديم........تراه هي بوضوح و يصعب علي عين الطفل التقاطه... و لكنها راضية بعودته اليها بعد رحلة صحراوية لم يخبرها بها.... ينعما سويا بروح جديدة ... فقد تعمق فيهما الحب وفرد جذوره في قلبيهما بعد خيانة تاكد هو من خلالها من حبه لها و تاكد لها بعودته دامعا مدي انتمائه اليها.

و يعود نهر العسل للتدفق ... وتزدهر الظلال الوارفة التي يحتميان بها من الحياة... فالحياة تعطيك حلمك ان كنت مخلصا له و لكنها تمارس عليك الغواية باحلام اخرى لها بريق مختلف... فيبدا هو فى التململ ثانية... و تتكرر الخيانة.. فهو لا يريد أي مسئولية ...حتي مسئولية اعترافه بالانتماء اليها... سقط عنها حلم الامومة لتبقي هى الانثي و الند...
«لا مسئوليات» اصبحت هي الحالة المشتركة .. هو برغبته وجزعه.. و هي من منطلق ما فيش حد احسن من حد.....

الآن تقف هى أمام مرآتها التى كثرت شروخها المستترة.. ترى ألف وجه.. وألف خيانة .. وصندوق ذكريات أليم .. تمعن النظر فى تفاصيل وجهها فترى بعض علامات العمر قد بدأت فى الزحف اليها .. فلا هى أم ولا هى حبيبة ولا هى حرة ...

رمت هى بمرآتها القديمة وابتاعت أخرى جديدة .. وكطفلة يتيمة تفرح بكل ما هو جديد.. فتحت نوافذها وأمسكت بالمرآه وعلقتها فى بؤرة الأضاءة.. وأستعدت للنظر الى روحها.. واستغربت بشدة عندما وجدت أن ملامحها كانت كما هى ..لم تتغير..


الأحد، 27 يوليو، 2008

كلام كبار





كان عيد ميلاد «ميمو» - ابن أخى والحفيد الأول فى العائلة -قد حان بعد عدة أيام.. ولما كانت زوجة أخى قد أرسلت لى «عطر باريسى» باهظ الثمن فى عيد ميلادى الأخير ووقعته باسم «ميمو» فقد توجب على أن أشترى له هدية تحمل طابع خاص.. ولحبى الشديد لهذا الطفل اللمض هاتفته وأجرينا الحوار التالى:
-قول لى بقى يا سى ميمو هاتكمل كام سنة؟
فأتانى صوته: دول.. بالطبع توقعت أنه يرينى عمره معتمدا على أصابع يده فقلت:
-دول يطلعوا كام يعنى؟!
- دول تلاتة يا عمتو ..أنت مش بتعرفى تعدى ولا أيه!!
أغاظتنى لماضته فقلت: لا يا حبيبى باعرف أعد. بس أنا بعيدة قوى عنك.. ومش شايفة كويس.. المهم قول لى تحب أجيب لك أيه فى عيد ميلادك؟
وجاوبنى الصمت فعلمت أنه أخذ يفكر ويفكر ..وفاجأنى قائلاً:
-تسمعى عن حاجة اسمها كومبيوتل (يقصد كمبيوتر فهو ألثغ فى عدة حروف)؟
ولما كانت إجابته فى شكل سؤال ينتظر إجابة وأنا لا أريد أن أضحك فدائما بيننا «معاهدة ناس كبار» فى إدارة أى حوار فجاوبته باحدى ردودى المائعة: يعنى.. بس انت هاتعمل ايه بالكمبيوتر ده؟
وكانه انتظر سؤالى طويلاً..فانطلق كالسهم شارحاً: بصى يا ستى أنا أدوس على أول زلال (زرار) يطلع لى تايجل (تايجر بلغتنا العربية المنقرضة).. أدوس على تانى زلال (زرار) يطلع لى هاييناص (مش عارفة يعنى أيه ساعتها)... أدوس على تالت زلال (زرار) يطلع لى.....وصرخ بعلو صوته ... ليون كينج.
سألته بتردد شديد: هو يعنى أيه هاييناص يا ميمو؟
فرد مسرعاً: يعنى..يعنى.. مش عالف (عارف) بقى بس هو شبه الكلب وخلاص
وعندما ذهبت لمحل لعب الأطفال الشهير كى ابحث عن كمبيوتر لعبة أخبرتنى البائعة أن لديها كمبيوتر لشخصيات الكرتون الشهير «ليون كينج» سألتها بخجل: طيب والهاييناص دا يطلع أيه؟ فأخبرتنى انه الضبع باللغة الإنجليزية.



وفى يوم ميلاده أهديته الكمبيوتر فلم يبدى أى فرحة زائده و بعد اطفاء الشمع أخذنى من يدى وسحبنى الى غرفته وقال:
-تعالى نتكلم كلام كبارل (كبار)
-ياللا
- ألا قولى لى يا عمتو.. هو انت ليه مش عايشه فى بيت باباكى؟
فاجأنى السؤال وكعادتى معه فى معاهده الناس الكبار أن أرد له السؤال اذا لم أستطيع الرد فقلت: تفتكر انت ليه يا ميمو؟
-علشان انت بتشتغلى فى مصل (مصر).
وصمت بعض الشئ ثم قال وكأنه تذكر شيئاً: بس أنت ليه مش بتشتغلى هنا؟
وأعدت الكره ورددت له السؤال ثانية: تفتكر انت ليه؟
-علشان الشغل بتاعك موجود فى مصل (مصر) وهنا مافيش شغل كويس
أدهشنى هذا الببغاء الصغير.. لابد أنه سمع هذا الحوار أو بعض منه من قبل.. فمن المؤكد أن سنوات عمره الثلاثة لا تستيطع حمله على التفكير بهذا الشكل. فسألته:
-ألا انت مش شايف ان الكلام ده كلام ناس كبار قوى
- أه مش أحنا بنتكلم دلوقتى كلام ناس كبال (كبار)؟
- ماشى.. بس انت سمعت الكلام ده فين قيل كده؟
فضحك بلؤم طفولى جميل ووضع كفه الصغير على فمه وإقترب منى وخفض صوته الضاحك قائلاً:-
-أصل أنا سمعت ماما وتيته بيقولوا الكلام ده النهالده (النهارده) الصبح.
وبنفس طبقة صوته الهامسة سألته: ولما انت سمعتهم بيقولوه النهارده الصبح بتسألنى تانى ليه؟
فاجأنى برده بعد أن عاد لنبرة صوته العالية الواثقة وقال: لأ أنا بس حبيت أتأكد من المصدل (المصدر)
لم أملك الا ان أحتضنه وأزغزغه وأفعصه من اللعب وأكله عن آخره .. وانا أردد: يا خراشى على اللماضة!!!
علمنى ابن أخى فى عيد ميلاده الثالت أن الهاييناص هو الضبع وان على أن أتأكد من صحة الأخبار من مصادرها وأن اللماضة ذلك الكنز الذى لا يفنى هو شعار الجيل القادم. وسلم لى على اللغة العربية المنقرضة.


الاثنين، 21 يوليو، 2008

رحيل حبيبتى




رن هاتفى حوالى الخامسة صباحا.. وكانت أختى تخبرنى بوفاة جدتى.. آآآه جدتى وأمى وحبيبتى.. فى قرية عائلتى ينادون الجدة بالحبيبة.. لقد ماتت حبيبتى.. دق قلبى بعنف داخل صدرى وغرقت فى حالة سكون.. وتعجبت من حالى.. أين دموعى؟! لماذا أنا صامتة حد الخرس؟! تذكرت دموعى التى كانا تنهال من عينى أثناء مرضها اذا ما مر بذهنى أنها قد لا تكون موجودة فى عالمى ذات يوم!!...كيف لا أبكى جدتى الآن عند رحيلها؟! أكل ما أملكه هو دقات قلب عنيفة؟!

نهضت من سريرى.. وفتحت دولابى أبحث عن ملابس سوداء.. لم أجد سوى بنطلون أسود وقميص كحلى.. أرتديتهم بهدوء وبطء.. نظرت لنفسى فى المرآه أبحث عن أى انفعال أو تعبير.. وكان وجهى مقنعا بالصمت!!

إتجهت إلى موقف عبود وهناك ركبت ميكروباص أو بيجو لا أستطيع التذكر.. فقد كنت لا أعى أى شئ مما يدور حولى.. وطوال الطريق كان ذهنى ساكن.. يكاد يكون خالى من الأفكار.. وبالرغم من ذلك أرسلت كافة الرسائل إلى مكتبى أبلغهم فيها بحالة الوفاة.. وبتغيبى لثلاثة أيام -وفقا لقانون العمل- وأرسلت رسائل لزملائى كى يتابعوا عملى فى غيابى.. كل ذلك وانا لا أدرك أى شئ.. هناك طاقة ما تكمن فى العقل البشرى لا نعلم عنها الكثير. عندما تستكين أمواج الأفكار المتلاطمة.. تستطيع هذه الطاقة دفينة الأعماق أن تخرج من وإلى الوعى.

وصلت الى قرية جدتى فى ريف الدلتا.. صعدت سلالم منزل العائلة.. وجدت عدد وفير من النساء الملتحفات بالسواد فى كافة أرجاء البيت.. إتخذت ركن قصى وجلست صامتة.. أنظر الى تفاصيل الدار التى تحمل ذكريات طفولتى بين جدرانها.. إلى أن مرت إحدى خالاتى بجوارى ونظرت إلى بعينين متورمتين شديدتا الحمرة وقالت:
-إنت قاعدة هنا ليه زى الغريبة؟!
وإحتضنتنى وبكت.. وكانت نهنهاتها ترجرج جسدى الضئيل وأنفاسها الحارقة تلفح رقبتى.. نظرت من خلال حضنها الى منزل جدتى وشعرت بيتم مفاجئ.. أخذتنى من يدى وقالت:
-تعالى إقعدى معاها لآخر مرة.
هنا تيقظت بعض الشئ وكأنى أدرك الآن فقط أنى لن أراها بعد اليوم.. تسارعت ضربات قلبى و زادت عنفا وأنا أسير بين جموع النساء...دخلت غرفتها ورأيتها نائمة على سريرها...شديدة البياض بزرقة خفيفة...نحيلة جدا...بإختصار كانت هى.. وليست هى.. كنت أعلم أنها هى.. ولكن فى هيئة أخرى.. وضعت يدى فوق يدها الباردة المتخشبة.. وجلست بجوارها.. أقرأ لها القرآن ولا أبكى.. فقط صامتة.. ماذا يعنى هذا الصمت؟! أين أفكارى المتلاحقة؟! لا شئ بعقلى.. فقد كنت ساهمة.

حضرت مراسم الغُسل.. ومشطت لها شعيراتها البيضاء القليلة فى ضفيرتين تماما كما كانت تفعل معى وأنا صغيرة.. دثروها فى الكفن ووضعوها فى صندوق خشبى.. ودخل حشد من الرجال إلى غرفتها كى يحملوها.. ولكن إلى أين؟! إلى القبر؟! كيف تذهب هى وتتركنى أنا هنا؟! كيف أحيا فى كون أعلم أنا أنفاسها لم تعد تعطر هواءه بعد الآن؟!
يا الله.. انها فعلا ذاهبه!! تبعتها الى الخارج وأوقفنى أحد الرجال قائلا:
-فى بلدنا ما عندناش حريم بيحضروا الدفنة
نظرت اليه وكأنى لا أسمعه وتبعت الصندوق الخشبى.. فأشار له خالى أن لا فائدة من منعى.. وسرت وراءهم وسارت معى بعض خالاتى متشجعات بصمتى.. وصلنا قبور «سيدى خلف».. هنا ستدفن حبيبتى.. ماذا؟! تدفن؟! أيهيلون عليها التراب؟! أستترك فى ظلمة القبر وحدها؟!

وعندما رأيت الرجال يغلقون باب القبر عليها نزلت أول دمعة من عينى.. لن أرى حبيبتى مجددا..أصبح الأمر مؤكدا الآن.. وفُتحت كل طاقات الدموع المحبوسة منذ ساعات طوال.. كأنهار لا يحكمها سدود.. كفيضان يأبى السكون.. لا تهدئه انقضاء الساعات والأيام.. الى أن إحتضنى خالى وأبلغنى أنهم كانوا يخفون عنى حقيقة مرضها.. لتعلقى الشديد بها.. أخفوا عنى أنها أصيبت بسرطان الكبد.. فى عمر لا يحتمل فيه جسدها الهرم العلاج الكيميائى.. كان عليهم اما أن يقتلوها بالدواء أو يتركوها تموت بورمها.. ولقد إختاروا لها الموت دون الكيماوى.. الآن فقط أدرك أن جدتى قد تحررت من آلام المرض.. من الآن فصاعدا هى حرة من كافة أوجاع الجسد.. حتما هى الآن أسعد حالاً.. الأن فقط أدرك مقدار أنانيتى المفرطة.. أكتشف الآن أنى أبكى حالى دون جدتى.. ولا أبكيها هي.. أبكى وحدتى وإشتياقى الى أحضانها الدافئة.. ولا أبكيها هى.. أبكى إفتقادى لصديقة عمر تعلم عنى كل شئ.. حتى وان لم أحكى لها أى شئ.. أنا أبكى غياب حبيبتى عنى..عند هذه اللحظة توقفت دموعى.. وسكننى الصمت من جديد.