الأربعاء، 12 نوفمبر، 2008

شجرة أم طارق


إنتهيت من إجتماع عمل فى أحد البنوك الحكومية فى منطقة وسط البلد, وخرجت الى شارع محمد فريد لأنتظر مديرى -الذى سيصل فى غصون عشر دقائق - كى نذهب سوياً الى إجتماع آخر فى مدينة السادس من أكتوبر. إتجهت الى شجرة ضخمة أمام البنك بجوار كشك مراقبة.. تجلس تحت هذه الشجرة -على الأرض- امرأة بيضاء بدينة بعض الشئ, تفترش أمامها مجموعة من علب المناديل مصفوفة بعناية.. مناديل جيب.. مناديل سفرة.. مناديل مطبخ.. تتفاوت ألوانها وأحجامها.. وكيس بلاستيك كبير مليء بحبات الليمون. أقتربت منها ووقفت أحتمى بظلال الشجرة من الحر.. بجوارها يوجد كرسى خشبى متهالك مدهون باللون الأبيض.. وأمامها مباشرة يقف عسكرى كشك المراقبة بجسده النحيل وبشرته المصبوغة بلون الفقر.. لاحظ العسكرى وقوفى دون حراك فى مكان ليس بالمناسب لأى شئ سوى الأنتظار.. فتقدم منى ببدلته البيضاء وحذائه وحزامه الأسودين وعرض على الجلوس على الكرسى .. فشكرته وأكدت عدم حاجتى له.. فسحب الكرسى من جوارى تاركاً صوت جرجرته على بلاط الرصيف.. ليزيل الحاجز بينى وبين المرأة تحت الشجرة.. لا أدرى لماذا تسمرت عندما شاهدتها عن قرب.. شيئا ما فى هذا الوجه السمح ينادينى.. أحتميت بنظارتى الشمسية ووقفت أرقبها بنظرات مستحية غير مباشرة ورحت أغوص فى تفاصيلها..
بدت لى فى أواخر الخمسينات من عمرها وربما كانت فى السبعينات وملامحها لا تعلن عن ذلك.. فليس بوجهها أيه تجاعيد.. هى جميلة.. سمحة.. كحيلة العينان.. وجهها بدر منور.. بعينيها بريق يرفض الموت ويعلن عن أنوثتها الماضية.. تخبرك عيناها سراً أنها كانت أنثى مشتهاه من كل من يقع أسير عينيها.. تعلن شفتاها الرفيعتان عن حزم واضح وكبرياء.. . تفرد قدماها «المتفيلتين» أمامها كدليل على عمرها الذى تخفيه ملامحها الشابة...

إقتربت امرأة محجبة منها, بدت كموظفة فى إحدى الهيئات الحكومية المحيطة وقالت:
-إزيك يا أم طارق؟ والله ليكى وحشة .. وليكى حق تزعلى منى علشان ما بسألشى عليكى.
ودار حوار طويل بينهما عن أسباب غياب المرآة المحجبة.. وكانت «أم طارق» تقاطعها -فقط- بوصلات من الدعاء لها براحة البال.. وقبل أن تهم بالذهاب أخرجت ورقة نقدية بخمسة جنيهات وطوتها فى يدها وناولتها لأم طارق التى تمنعت لفترة ثم قبلتها ولكن فى الحال التقت أصابعها أحد الأكياس البلاستكية وملأته عن آخره ببعض علب المناديل وثمرات الليمون (ربما تعدت قيمة محتويات الكيس عن الخمسة جنيهات) ورفضت المحجبة أن تأخذه وأصرت أم طارق.
فأيقنت أن لأم طارق موريديها ولست وحدى ضحية تأثير وحضور هذه المرأة. وعندما عادت وحدها هى وفرشتها أخذت تنادى بصوت مليح : اللمووووووون (تمط فى نطقها وكأنها ترفض أن تنهى الكلمة من على لسانها).. ثم تصمت لثوان قليلة وتعاود : يا مسهل يا رب... يا رزااااااق ...... (صمت) اللمووووووون..... يا رب

كنت أوجه زاوية جسدى بعيداً عنها -متظاهرة بالشرود- كى لا تشعر بأختراق لمساحتها الخاصة و لكن عندما خلى الرصيف من المارة وبدون أى مقدمات تذكر نظرت الى وقالت:
-آه لو يرجع بيا الزمن وابقى فى شبابك؟!!!
فاجأتنى جملتها التى وصلتنى صائبة ..طيبة..رقيقة ..متحسرة فاقتربت منها بتحفظ وجلست على كعبى مستندة على ركبتى ورفعت نظارتى الشمسية كى أزيح ظلالها عن وجهها المشرق وقلت:
-كنتى ها تعملى أيه؟
ردت وهى تتنهد : - يآآآآه دا أنا كنت مابطلشى جرى وتنطيط... عارفة؟ أنا كنت بنت حلوة زيك كده .. بس الزمن ما بيسيبش حد على حاله..
بالرغم من المرارة التى حملتها كلماتها الا انى كنت فرحة بقربى منها .. وشجعنى حديثها الذى رحب بى فى عالمها الصغير أن أسألها: - هو أنت منين؟
أجابتنى بأبتسامتها الدؤب التى ترفض أن تفارقها: أنا جيت من قويسنا وأنا بت عمرى 12 سنة.. جوزونى وجيت هنا معاه وجيبت منه ست عيال.. ومات وسابهم لى .. عارفة؟ أنا ياما إتعرض عليا أخدم فى البيوت. وكنت أقول لأ أبدا عمرى ما أخلى عيالى يستعروا إن أمهم خدامة.. أنا أشتغل على فرشتى حرة.. ولا الحوجة... وياما والله يا بنتى إتعرض على -ومن رُتَب هنا- «مشيرة بيديها الى البنك.. وناس عازت تتجوزنى .. بس أنا عمرى ما سيبت فرشتى ولا رضيت أذل نفسى ولا عيالى لحد
ومدت يدها ذات الأصابع المتورمة والتقطت طرف طرحتها التى أنزلقت بعض الشئ وأعادت وضعها على رأسها فوق الإيشارب الأزرق الفاتح الذى يقمط رأسها بإحكام. وأكملت الحكى وكنت أنا صامتة ..أنظر اليها بإبتسامة خفيفة مشجعة على الأسترسال.. شعرت وكأنها تقرأ أفكارى.. كانت تتحدث دون توقف وتجيب على أسئلة لم تطرح بعد فى عقلى ولكنها حتماً كانت موجودة
- الحمد لله أنا ربيت عيالى كويس ..بس حتى اللى إتخرج منهم من الجامعة قاعد عاطل لغاية دلوقتى.. بس الحمد لله جوزت البنات.. أهو ربك كريم يا بنتى
كانت كل كلمة تخرج من شفتيها تصل الى قلبى مباشرةً وكأنى فى حضرة ولى..رن هاتفى المحمول وكان مديرى يعلن عن وصوله ..رفعت رأسى لأجدنى مازلت فى شارع محمد فريد ورأيت مديرى فى سيارته خلف شجرة أم طارق.. وكان على الذهاب .أخرجت ورقة نقدية وحاولت أن أناولها لها فرمقتنى بنظرة قاسية .. فسارعت بالقول: - إحنا بقينا أصحاب يا أم طارق مش كده؟
ورَدَتْ يدى وإجتذبتنى اليها وإحتضنتنى وقالت: بجد؟! فأكدت لها صداقتنا فقبلتنى وحاولت أعطائى بعض الليمون والمناديل وهى تودعنى بأبتسامتها قائلة:- هاستناكى ماتتأخريش عليَّ .... وتبعنى سيل من الدعوات الصادقة.

هناك 20 تعليقًا:

زوج مخنوق يقول...

رائعة كالعادة يا عبير
كأني أرى المشهد بكل تفاصيله

اسامه عبدالعال يقول...

برافو عبير

أحمد يقول...

راااااااااائعة :D

كنت باكل كيس شيبسي وأنا بقرا تتابع الأحداث في أسلوبك الشيق، لغاية ما تجمدت رقاقة البطاطس وهي في طريقها لفمي، ده كان بالزبط لما وصلت لنقطة أنها كلمتك فجأة!، فمن هنا أخذت القصة مسار ديناميكي قوي ..


أحسنتِ للغاية، وهذه أول زيارة لي وآمل أن لا تكون الأخيرة :)

Askandarani يقول...

a story of lots of independent women. thanks for sharing

أحمد عبد اللطيف يقول...

جميل يا عبير
التفاصيل الصغيرة عادة ما تأسر ، خاصة عندما تكون صادقة
استمري يا صديقة

M.K يقول...

أعجبتني شخصية أم طارق...
محافظه على كرامتها...
وترسم البسمه على الوجوه...
وتأكل وتطعم أبنائها من عرق جبينها...
إمرأه حديده قد يقول البعض..
أو إمرأه عن مئة رجل...
مطلقا ...
إنها الأنثى الحق...
.........
سلمت يداكي عبير..

Abdou Basha يقول...

شعرت أنني أمام مشهد في مسلسل جديد ليسرا بهيبتها وهي تطل على الفقراء والمعوزين وتتبنى ألامهم وقضاياهم.. النص تطبيق لنظرية الرجل الأبيض التي نمارسها داخل مجتمعنا.. محاولة لطمأنة الفئة التي تعيش داخل مجتمعات التكييف، بأن الناس الفقراء الطيبين لا يحقدون عليهم، وانهم يحبونهم، وان هناك علاقات انسانية جميلة قد تحدث..الخ
لو كان للنص تكملة، فمن يعلم ربما تقع الفتاة الجميلة في هوى ابن المرأة المنوفية، وتحاول مساعدته وتدخل في صراع ضد المجتمع

sham3on يقول...

وشوفت الحركه لما قلعت نضاره الشمس اكيد لمت شعها لورت وهي بتبص للكاميرا
احسنت يا عبدو باشا

السنونو يقول...

الغريب إنها قصة ممكن تحصل لأى شخص بالعكس أنا واثقة إنها حصلت لكتير ويمكن أنا منهم بصورة مختلفة ومع ذلك شدتنى جداًكأنى أقرأ شئ خيالى
الواقع رغم مرارته له جماله الخفى

Abeer Soliman يقول...

عبده باشا...

لسوء حظك دى أول مرة أرد على انتقاد يوجه لما أكتب.. دائما كنت ألتزم الصمت ...بس لأول مرة يستفزنى تعليق للرد عليه .. لأن تعليق سيادتك يدل على حال البلد اللى زى الزفت.. حتى اللحظات الصادقة فى حياتنا فى ناس أمثال سيادتك بيشوفوها فبركة سينمائية وغير قادرين على التقاطها...

للأسف ردك هو نمزذج حى لقاسم السماوى مع الأعتذار لأحمد رجب

Abeer Soliman يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
أحمد حشمت يقول...

ايما كان التعبير
فإن لكل عبير
..............
تعبيراتك صادقة
وواقعية
وفيها خيال منطقي

أحمد حشمت يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
أحمد حشمت يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
Abdou Basha يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
Abdou Basha يقول...

جميل..
السيد قاسم السماوي يشكرك على اهتمامك بالرد على تعليقه، ويخبرك أنه كان فقط يبحث في اسباب كتابة هذا النص
ويؤكد أنه هو أيضا استفزه ما كتبتيه بنفس القدر الذي استفزك به تعليقه

Tarek Elkhatib يقول...

يتغير الزمان يتغير المكان تتغير الفصول يتغير الأنسان يتغير المعاد يتغير الجماد ,, إلا البداية والنهاية والحقيقة والميلاد !!
والحقيقة أن أم طارق رغم كل الصعاب اللى شافتها وواجهتها فى حياتها إلا أن الأنثى (الحقيقة) جواها لسة حية وموجودة وتمثلت لعيونها فيكى وفى شبابك ونضارتك,, وتمثلت الحقيقةليكى برضوا فى أحساسك بيها وأكتشافك جمالها !!!
لا تلتفتى لفاقدى البصيرة فهم محترفوا لغو ولا أمل فى الأرتقاء بنفوسهم فهى أشياء لا تُشترى

theodora يقول...

جميله قوى
حتزوريها تانى ؟؟

Abeer Soliman يقول...

Theodora,

أم طارق بقت صديقة يعنى عمود فى حياتى بتسند عليه من القبح المحاصر للمدينة

Abeer Soliman يقول...

طارق..

أعتقد أن عبده باشا قدر يحس اللقطة بس ماعرفش سبب كتابتى التفصيليه ليها.. علشان كده انا مش زعلانة