الخميس، 23 أبريل 2009

مفتاح الحياة



دخلت القطار الإسبانى المتجه الى الأسكندرية وأنا أبحث بعينى عن مقعد خالى. ولكن القطار كان كامل العدد كما أبلغنى موظف شباك التذاكر. فآثرت التوجه الى البوفية مباشرة قبل أن يصبح كامل العدد هو الآخر. ولكنى أكتشفت أنه لا توجد به كراسى, فالبوفية المذكور ليس سوى عربة تخصص للثلاجات وسخانات المياه ولعمال البوفية وللتدخين. وبمجرد دخولى هذه العربة وصلت لأذناى معاكسة لطيفة غير مستفزة من عامل البوفيه الخمسينى وآخر فى أوائل العشرينات. نظرت الى الفتاة الجميلة التى تجلس على طاولة معدنية بجوار النافذة العريضة وقالت باسمة: بيعاكسوكى ..الحقى!!!
كنت اتخبط فى الممر الضيق لباب العربة بحقيبتى الكبيرة وأشيائى الكثيرة التى أحملها وجاوبتها بأنى لم اتبين المعاكسة جيدا ووقفت أعدل حالى فقال العامل الكبير: - أصلنا بنحب القطط قوى
ابتسمت للطفه ولم تزعجنى معاكسته بل أطرت على مما شجعنى أن أسأله:
- أنا بادور على مكان أقعد فيه
وقبل أن أكمل جملتى أجابتنى الفتاة التى يبدوا أنها تعمل فى محطة السكة الحديد: نعمل مكان للقطط تقعد فيه
وجاء العامل الخمسينى بصندوق معدنى ووضعه بجوار الطاولة التى تجلس عليها الفتاة أمام النافذة.. سأطلق على الفتاة اسم برلنتى.. لأنها كثيرة الشبه ببرلنتى عبدالحميد.. بيضاء.. ملفوفة القوام.. ممتلئة بعض الشئ.. غائرة العينين لها خدود وافرة وشعر بنى قصير ناعم.. ترتدى تنورة سوداء قصيرة الى الركبة وقميص حرير أحمر قانى لامع ومن فوقه بلوفر أسود صوف.. تضغ قليل من المكياج وتبدو شخصيتها القوية المرحة واضحة فى طريقة كلامها
جلست على الصندوق المعدنى بعد أن وضعت عليه البالطو الأسود كى يحمينى من برودة الحديد.. وأخرجت رواية «تغريدة البجعة» لمكاوى سعيد من حقيبة يدى وكان بين صفحاتها « Book Marker» أو محدد لصفحات الكتاب من النحاس على شكل «مفتاح الحياة» فتحت الكتاب وأمسكت بمفتاح الحياة الذى ترددت كثيرا فى شرائه.. فقد رأيته أول مرة فى مكتبة ديوان بالزمالك . أمام الكاشيير وأنا أحاسب على مجموعة من الكتب.. استوقفتنى رقة صنعه.. فقد كان مصنوع من النحاس الأصفر والأبيض متداخلين يربط بينهما سلك نحاسر رفيع.. أغرمت به ونظرت الى ثمنه، وكان ستون جنيهاً.. ترددت فى شرائه وحسمت أمرى فى أن أتركه لصاحب نصيبه بعد أن راجعت ميزانيتى التى أخربتها لهذا الشهر.. وزار «مفتاح الحياة» خيالى فى كل مرة أستخدم المحددات الورقية لتعليم صفحات الكتب التى أقف عندها.. وظل يظهر لى فى كل مرة أدخل بها مكتبة «الديوان» الى أن قررت شرائه بالرغم من الستين جنيهاً.
رفعت رأسى لأجد شابين إيطاليين يدخلان العربة.. فهما زميلان لا مكان لهما فى القطار.. قابلهما العامل الكبير الذى سأطلق عليه «عم محمد» بود شديد وأخذ يؤكد للعامل الصغير الذى سأطلق عليه «ملاك» بأنهما صديقاه.. وأنهما يسافران معه فى كل أسبوع فى نفس الميعاد .. بدأت برلنتى التى تفرض قوتها على الجميع تتحدث الىهما بود.. طلبت شاى بالنعناع من عم محمد.. وبدأ ملاك يجهز العربة المتحركة التى سيجول بها فى القطار كى يلبى طلبات الركاب.. ودخل شاب صغير يبدو أنه فى السنوات الأولى العسكرية.. نحيف.. طويل جداً.. يرتدى زى الكلية الحربية.. حليق الرأس والذقن.. يحمل فى يده كيساً بلاسيتكية من الحجم الكبير مليئ عن آخره بالشيبسى والبسكويت والكاراتيه والمولتو فبادرته برلنتى التى تثبت انطلاقها وقوتها وسط هذا الحشد من الرجال:
- انت رايح حضانة ولا أيه!! قالت مازحة
فرد عليها بسخافة واضحة وهو يتصنع وجه طفل غتيت وقال:
- أيوا رايح الحضانة
صدمتها سماجته ولكنها آثرت عدم الرد عليه ودخلت فى حوار مع عم محمد لاحظ ملاك الموقف فسارع بالتوجه الى «الظبوط الصغير» وقال:
- حضرتك تشرب أيه يا كابتن؟!
- أنا مش هاشرب حاجه وأنا مش كابتن
تدخل عم محمد وقال: - طيب اتفضل يا أستاذ امشى من البوفيه لو مش هاتشرب حاجة
رد «الظبوط الصغير» متبجحاً: - يا سلام .. هو الناس اللى واقفين هنا دول كلهم بيشربوا حاجات؟
قال عم محمد:- حضرتك بتاكل فى مكان المفروض انه بيقدم أكل. أنت ينفع تدخل مطعم ومعاك شنطة أكل؟! دا يا أستاذ مطعم
فرد «الظبوط الصغير» بسفالة وتحدى: لأ مش هاطلع.
تدخلت برلنتى وقالت: - تعرف انك قليل الأدب وأنا بقى اللى هاخرجك من البوفيه لو مالمتشى نفسك
صرخ بها الظبوط الصغير بصوت خرج مشروخ متقطع:
- انت ازاى بتكلمينى كده وهو يشوح بيديه فى وجهها
تدخل الجميع وعلت الأصوات وتشابكت بعض الأيدى.. لتمنع ملاك من الوصول الى الظبوط الصغير الى أن أرسلت السماء ظابط «بحق وحقيقى» يزدحم كتفيه بالنجوم والدبابير والنسور الى آخره من العلامات الذهبية التى لا أفهم دلالتها ودخل العربة وسحب الظبوط الصغير بهدوء الى خارجها بعد أن استمع الى رواية عم محمد.. وبعدها علت الأصوات فى العربة لإناس لا أرى معظمهم من مكانى:
- يا لهوى أمال دا لما يتخرج ده هايعمل ايه فى البشر؟!
- هما بيعلموهم فى كليتهم أنهم أحسن من باقى البشر
- اللى له ضهر ما يتضربش على قفاه!!
- أنا -والله العظيم تلاتة- الواد أخويا الصغير بيجى لغاية النهاردة يلبسنى الجزمة .. أخويا ده رائد دلوقتى

عدت الى «تغريدة البجعة»: المشحونة لدرجة الضجيج بهلاوس مصطفى - بطل الرواية والراوى - وهلاوس المجتمع، بشيزوفرانيا مصطفى ومجتمعه، حتى ليتساءل مصطفى ـ وأنا معه ـ من هو المصاب بالشيزوفرانيا حقيقة، نحن أم المجتمع الذي اندعك كسيارة خارجة لتوها من حادث مأساوي ـ كما يقولون ـ فلم يعد بالإمكان فصل السيارة عن راكبيها، ولم يعد أحدنا يعرف حقيقة ما إذا كانت هذه البقع التي ترسم لوحتها العبثية على السيارة هي تقيحات من طلاء قديم للسيارة أم من تجلط الدم على الأنسجة الهشة لراكبيها...
لامست يدى «مفتاح الحياة» وقبضت عليه فى يدى.. وكأنى أؤكد لنفسى أنى أمتلكه الآن عن حق.. لأنه كان قد هرب منى بعد شرائه مباشرة.. فبعد خروجى من «الديوان» فابلت نوارة صديقتى فى «سيلنترو» شربنا القهوة سويا ودردشنا فى حكايتات البنات وأوصلتنى بعدها الى منزلى بسيارتها ونسيت بداخل سيارتها الحقيبة الورقية التى بها الكتب الجديدة ومفتاح الحياة .. ظننت أنه يهرب منى.. أو كأنى ليس مكتوب على أن أملكه

عدت الى تغريدة البجعة وغصت بعيدا جداً فى عالمها:
« تخليت مؤخراً عن عمل توازونات بين الشر والخير، فكل ما أريده خيراً ينقلب على شراً محضاً.. أحس أن ملاك اليمين عندى عاطل عن العمل.. أنا من أنصار المدرسة القديمة فى الدراما.. أن يكون هناك جانب خَيّر وجانب شرير، وأن يحدث بينهما صراع ينتصر فيه أحدهما على الآخر، وأعتقد أن الدنيا كلها بنيت على هذا الصراع، وأنه بلا وجود للشر لا وجود للدنيا من أساسها.. بقاؤنا يعتمد على الصراع. وصراعنا من أجل البقاء.. وهكذا ندور فى حلقة مفرغة..»
وشعرت بمفتاح الحياة يسقط من يدى لمحته وهو يقع بين الصندوق المعدنى الذى أجلس عليه وبين حائط العربة تحت النافذة الزجاجية الكبيرة .. كنت منغمسة فى أحداث الرواية .. فحدثتنى نفسى أن ألتقط مفتاح الحياة لاحقاً قبل نزولى من القطار وعدت للرواية
وقاطعنى صوت عم محمد:
- القطط تشرب حاجة تانى؟
- نسكافيه بعد إذنك..
ورفعت رأسى لأجد حولى أناس كثر يدخنون ويتحدثون.. الشابان الأيطاليان يتحدثان الى «الظبوط الصغير» -الذى يقف بسلام فى العربة» بأنجليزية ركيكة وبرلنتى وملاك يمرحان بالكلام.. الآن أرى ملاك عن قرب.. ممتلئ بالحياة وبالدهون أيضاً.. خفيف الدم له ضحكة طفولية ذات رنين حاد.. يخبر برلنتى أن لديه أحدث الأفلام السينمائية على «الهارد ديسك» تتحايل عليه أن يعطيها نسخة من الأفلام.. تطلب منه أن يصورها بهاتفها المحمول كى تضغ الصور على «الفيس بوك» لا يملان من الضحك.. يمسك بهاتفها لآرى صليب موشوم على معصمه.

هممت بالتقاط «مفتاح الحياة» فى نفس اللحظة التى أتى فيها عم محمد بالنسكافيه ووضعه أمامى .. تذكرت حين قررت وأنا فى عامى الأول الجامعى أن أشترى سلسلة على شكل مفتاح الحياة.. وكنت أرتديها طوال الوقت حول رقبتى.. وكانت أمى توبخنى عليها كثيراُ وكانت ترفض أن أرتديها لأنها تشبه الصليب.. وهكذا سيظن الناس أنى مسيحية... مما سيوقف حالى

حاولت جاهدة أن أتذكر كيف تخليت عن مفتاح الحياة ومتى فارق رقبتى ولكن لم تسعفنى ذاكرتى.. كل ما أذكره أنى كنت أرفض أن أتخلى عنه مهما كان الثمن.. أين هذه السلسلة الآن وكيف ضاعت؟ لا أدرى

سمعت ضجة من حولى.. ورأيت الركاب يحملون حقائبهم استعدادا للنزول فى محطة سيدى جابر التى قاربت فسألت عم محمد ان كانت وجهتى أقرب لسيدى جابر أم محطة مصر فـأخبرنى أنى على أن أهم بالنزول فى المحطة القادمة
ما كنت قد دفعت حسابى بعد فأسرعت بإخراج النقود من حقيبتى ولملمة أشيائى وأخذت البالطو وحملت حقيبة سفرى الضخمة وتناولت باقى حسابى من عم محمد وهو يودعنى:
- أحلى سلام للقطط
وقفت فى الصف الطويل أنتظر النزول من القطار.. وصلت محطتى النهائية وسرت أبحث عن سلالم الخروج وما أن تحرك القطار حتى تذكرت أنى نسيت أن ألتقط «مفتاح الحياة» الذى سقط منى تحت نافذة القطار.

هناك 7 تعليقات:

حياة يقول...

رائعة مع الاحتياج لقراءة مرة اخرى والتعليق

تحياتى

عندما تكون ميمى وحاجات كتير مع بعضها كده يقول...

انا كمان كان عندى مفتاح الحياه ومش فاكره راح فييين يجد كتابتك جميله اوى بتخليى الواحد يدخل فى مود مختلف

الفراغ يقول...

اول مره اقرأ هنا
بس قصتك شدتنى..وسردك للاحداثمشوق وكل كلمه لها مغزاها
ولكنك حتى الان لا تملكين مفتاح حياتك
هل لانك تضيعنه برغبتك وعن قصد
ام انه يضيع منك فى زحمة الحياه
انتظر الاجابه

بسنت يقول...

هى كدا دايما الاشياء اللى بنتعلق بيها ونعتقد انها تطارد فكرنا ونحصل عليها لابد ان نفقدها مره اخرى
انا فاهمه كلماتك هنا جدا لان اللحاح الفكرى للاشياء واللى بنعتقد انها هتمثل حاجه لينا وتفضل فى فكرنا ارتبطت معى بقصه ولم ارتاح الا لما اشترتها بالفعل


اما تغريده البجعه فقد مثلت حاله فاصله فى حياتى منذ قرأتها روايه تستحق فعلا جائزه

الى الامام دايما يا عبير
بالتوفيق

Abeer Soliman يقول...

الفراغ..

أعتقد أن رحلة البحث عن مفتاح الحياة يشبه لعبة القط والفأر وأن المتعة الحقيقية هى فى البحث عنه لا فى امتلاكه
أعتقد أنى أفقد الفتاح بلا وعى كامل منى كى أبحث عنه من جديد.. وربما هو يهرب منى كى أبحث عنه

هى متاهة الحياة

غير معرف يقول...

كتاباتك رائعة جدا مش عارفة اقول اكتر من كدة وحلو كتير شكل المدونة الجديد

انتي قولتي انك هتنزلي كتاب
هينزل امتى وفين؟؟

وانا متأكدة انه ان شاء الله انه هيبقى كتاب تحفة

منتظرة الكتاب

Mohamed يقول...

مدونتك رائعه التنظيم وكتاباتك ممتازة
بالتوفيق ان شاء الله
Fkrny