الخميس، 30 أبريل، 2009

فى عشق الصفيحة



فى الصف الدراسى الثالث الأبتدائى عرف لنا أستاذ إبراهيم أستاذ اللغة العربية والمواد الأجتماعية الوطن بأنه مكان إقامة الأنسان ومقره، ولد به أم لم يولد.. واستنتجت حينها أن مصر هى وطنى. وعشت فى طفولتى ومراهقتى أردد «مصر هى أمى نيلها جوا دمى، شمسها فى سمارى شكلها فى ملامحى، حتى لونى قمحى، لون خيرك يا مصر، مصر.. مصر» ولكن بانتهاء دراستى الجامعية تلاشت أوهامى وصدمت بواقعنا الفج، لم أجد مصر هى الأرض التى أستطيع العيش بها أو عليها. فتطلعت لوطن آخر يحضن أحلامى البكر, أرض تحقق لى سعادتى المرجوة، وكانت أمريكا هى أرض الأحلام فى ذلك الحين. وصرحت للجميع بأنى خلقت لأكون أمريكية، فلا يوجد فى أرضى الحالية من يستطيع تفهم عقليتى الفذة، وأطلقت على مصر اسم «الصفيحة». آشارة الى صفيحة الزبالة. فهي مستنقع الشكاوى حيث الفساد بفروعه المتنوعة والفقر والقهر والبطالة وتدهور الأخلاق العامة لصالح الماديات، نعم نحن أصحاب حضارة عريقة ولكنا للأسف لا نملك مستقبل مشرق ولا مال ولا بشر. وحدهم المصريين يشيرون الى مصر بأم الدنيا. ولكنى أبداً لم تربطنى بأمى «التى هى من لحم ودم» علاقة حميمة. فحدثتنى نفسى: اذا كانت أمى اللى هى أمى بجد مش واخدة بالها منى.. فما بالك بأم من حجر.. وكان الرحيل الى أرض الأحلام

رحيلاً رحيلاًًًً بغير هوادة
رحيلاً فإن الرحيل سعادة
عبادة
إرادة
سيادة
ولادة

فى أمريكا عشت فى غاية السعادة والأنطلاق. ففى أرض الأحلام كانت تكمن مفردا ت سعادتى.. حيث العمل الجاد والمال والحرية والديموقراطية والأصدقاء وراحة البال... عشت مأخوذة من النظام والنظافة والحياة السريعة الصاخبة والدولارات وكافة أشكال الأنطلاق تماما كما حلمت بها.. ونهلت من مصدر سعادتى لأشهر طوال. كنت أستيقظ فى الخامسة صباحا أستقل الأتوبيس الى مقر عملى.. الذى يبعد بساعتين عن سكنى. أعود فى الثامنة مساءا منهكة القوى.. أهاتف أصدقائى يومياً للخروج والتنزه والمشاركة فى الحياة الثقافية فى قلب عاصمة المال والحرية. ولكن بعد عده أشهر تبدل حالى فلم أعد أقوى على الخروج حتى فى الأجازة الأسبوعية. فقدت متعة السهر.. وأصبحت أمل الأماكن خصوصا الصاخبة منها. حتى الأعمال الفنية وجدتها فاترة شديدة البعد عن ذوقى، بمرور الوقت أصبحت أرى الحياة مملة وروتينية.. كل شئ متشابه.. طعم الحياة ماسخ.. الوجوه متشابهة، الطعام بلا مذاق، والعمل مرهق، ولا رحمة فى أرض الأحلام، وعلى أى فرد أن يكون متيقظ طوال الوقت. فقدت عزيمتى التى هى كل رأس مالى. أصبحت متجهمة دائما وأبدا.. أشتقت لأمى -برغم قسوتها- أشتقت لأخوتى ، بدأ الحنين يأكل قلبى. تكاسلت عن كل شئ. الا عن العمل. ولكنى كنت أؤديه بفتور واضح. أصبحت أعود من العمل أستلقى على الأريكة أمام التليفزيون حتى يغلبنى النعاس.. لأستيقظ فى الصباح التالى - بعد ليالى يملأها الأرق - لأؤدى عملى بلا همة.
قلت أنشطتى الأجتماعية تدريجياً الى أن أنعدمت. فنصحنى أحد الأصدقاء بعد أن أصبحت منعزلة تماما بداخلى بزيارة طبيب أمراض نفسية للحديث معه. واستجبت بلا حماس. وبعد جلسات معدودة نصحنى الطبيب بالعودة الى بلادى لأنى أعانى من حالة متقدمة من الإكتئاب سببها الحنين الى الوطن. ضحكت مستنكرة وأخبرته أنى أبدا لم أشعر بالإنتماء الى بلدى وأنى أطلق عليها اسم الصفيحة فأخبرنى أن البشر فى كثير من الأحيان لا يعرفون قيمة الأشياء و الأشخاص والأماكن الا عند فقدها أو الإبتعاد عنها ونصحنى بالعودة فى أجازة قصيرة الى الصفيحة وبعدها أتبع أحساسى أينما يقودنى.

زرت مصر فى أجازة قصيرة وبدون أي مقدمات وبلا أى سبب يذكر عادت الى طبيعتى التى تاهت منى فى شوارع نيويورك. عادت الى ضحكتى التى فارقتنى وأنا غافلة عنها. وجدت سعادتى المفقودة. مازالت كل الأشياء التى عانيت منها فى مصر على سابق عهدى بها. ولكن أحساس الألفة بالأشياء والوشوش أعاد لى طمأنينة لا وجود لها على أرض الأحلام. أصبحت أنام ملئ جفونى دون أن أخشى شئ. عادت روح الفكاهة الى كلماتى. شعرت وكأن روحى المسلوبة قد ردت الى بعد موات طال وسخف. أيقنت حينها أن أمريكا هى حقاً أرض الأحلام ولكنها أحلام مستنسخة.مرتبطة داذما بالأشياء أما الإنسان ففقد قيمته الحقيقية وأصبح مجرد ترس فى ماكينة الرأسمالية الأمريكية التى تعزز «دولة الرفاهية» المدارة بالقروض الميسرة والتى تسهل شراء كل شى, حتى الأجازات تقضى بالقروض. ثم يربط الفرد فى ساقية السداد الى نهاية العمر .. دائرة لا نهاية لها. وبمجرد دخولها يصبح الفرد مجرد ترس فى ماكينة عظمى و لا يملك حق التوقف متى شاء.

فعدت نهائياً الى الصفيحة وكلى حنين وحب.. كقطة شريدة وجدت قوتها ومأواها فى الصفيحة


احبها وهي مالكه الأرض شرق وغرب
وباحبها وهي مرمية جريحة حرب
باحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء
واكرها والعن أبوها بعشق زى الداء

ومرت سنوات عديدة وظهرت فى الأقق العالمى محطة جديدة للأحلام.. عاصمة جديدة لرأس المال, ولكنها هذه المرة عاصمة عربية.. دبى.. فهاجر طيور البيزنس الى عش جديد وطرت مع سرب الحالمين أصحاب السترات الأنيقة وأربطة العنق باهظة الثمن. دون أن يغلبنى الحنين, هذه المرة أنا فى أرض أحلام شقيقة، على الأقل سأنعم بالحديث بلغتى الأم. و بعد ثلاثة أشهر -رغم المال الوفير الذى كنت أتقاضاه- ويصرف بأكمله على الحياة باهظة التكاليف. كنت أسير فى الشارع - رغم حرارة الجو الخانقة - وأنا أصرخ:
- عايزة اشوف تراب.. عايزة أشوف مبانى قديمة.. عايزة أشوف زبالة علشان أتأكد أنى عايشة.. هو احنا عايشين فى«فيديو جيم»..؟! هى الحياة دى حقيقية؟!.. كل حاجة حواليا بلاستيك.. مافيش روح ؟!!

كنت أشعر كأنى أعيش داخل فيلم «ماتريكس» كل شئ غير حقيقى.. وكدت أجن من البشر المسحوبين فى دوامة الماديات حيث كل شئ له ثمنه.. أحلام البشر لا تتعدى الحلم ببيت وسيارة وأجهزة اليكترونية حديثة ويخوت وسهرات.... وفقط
أفتقدت كل أصحابى.. أفتقدت شوارع القاهرة العتيقة.. وبالأخص شوارع وسط البلد... الكنائس.. الجوامع.. كلاب الشوارع الضالة التى تؤنسنى وأنا عائدة الى بيتى.. قطط العمارة التى تعيش على صفائح القمامة .. وجوه المصريين المميزة والملفوحة بلون الشقاء... أشتقت للأسكندرية ومرسى علم وسيناء.. أشتقت لتفاصيل طبيعة بلادى التى هجرتها لأعيش فى مبانى مكيفة على مدار أربع وعشرين ساعة
فهجرت -دبى- هذه المدينة المستنسخة التى يتباهى قادتها بتكديسها ب «أفعل التفضيل» فى العالم دائما. فبها «أعلى» ناطحة سحاب فى العالم و «أكبر» مجمع تجارى و «أضخم» مدينة ملاهى و «أمهر» الأقتصاديين و «أوسع» صالات المؤتمرات و «أضخم» الفنادق فى العالم ... إلخ من الأعظم والأفضل فى العالم. وهربت قبل أن تدهسنى عجلاتها الى مصر -وطنى- وأنا مليئة بيقين الحب والإنتماء هذه المرة.. فمازلنا -نحن المصريين - بشر لنا طابعنا الخاص وهويتنا الفريدة.. قاطعت المطاعم والمنتجات الأمريكية.. وكرهت العولمة والرأسمالية التى مسخت معالم الشعوب.. لتقربها من الحلم الأمريكى الذى أكتشفت أنه ليس سوى كابوس دائرى يصعب الفكاك منه

الآن أفخر عن أيمان بأن مصر هى وطنى. ولكن للوطن تعريف خاص فى تجربتى الشخصية فهو الأمان والألفة وأنتماء الأفكار وأنتعاش الروح وليس هو مقر أقامة الفرد كما علمنى أستاذ إبراهيم مستندا الى تعريف المعجم الوجيز التابع لمجمع اللغة العربية فى طبعتة الخاصة بوزارة التربية التعليم

الآن عن يقين أسلم مع العظيم «صلاح جاهين» بأن:

شبكة رادار قلبي جوه ضلوعي مظبوطة
على اسم مصر

الخميس، 23 أبريل، 2009

مفتاح الحياة



دخلت القطار الإسبانى المتجه الى الأسكندرية وأنا أبحث بعينى عن مقعد خالى. ولكن القطار كان كامل العدد كما أبلغنى موظف شباك التذاكر. فآثرت التوجه الى البوفية مباشرة قبل أن يصبح كامل العدد هو الآخر. ولكنى أكتشفت أنه لا توجد به كراسى, فالبوفية المذكور ليس سوى عربة تخصص للثلاجات وسخانات المياه ولعمال البوفية وللتدخين. وبمجرد دخولى هذه العربة وصلت لأذناى معاكسة لطيفة غير مستفزة من عامل البوفيه الخمسينى وآخر فى أوائل العشرينات. نظرت الى الفتاة الجميلة التى تجلس على طاولة معدنية بجوار النافذة العريضة وقالت باسمة: بيعاكسوكى ..الحقى!!!
كنت اتخبط فى الممر الضيق لباب العربة بحقيبتى الكبيرة وأشيائى الكثيرة التى أحملها وجاوبتها بأنى لم اتبين المعاكسة جيدا ووقفت أعدل حالى فقال العامل الكبير: - أصلنا بنحب القطط قوى
ابتسمت للطفه ولم تزعجنى معاكسته بل أطرت على مما شجعنى أن أسأله:
- أنا بادور على مكان أقعد فيه
وقبل أن أكمل جملتى أجابتنى الفتاة التى يبدوا أنها تعمل فى محطة السكة الحديد: نعمل مكان للقطط تقعد فيه
وجاء العامل الخمسينى بصندوق معدنى ووضعه بجوار الطاولة التى تجلس عليها الفتاة أمام النافذة.. سأطلق على الفتاة اسم برلنتى.. لأنها كثيرة الشبه ببرلنتى عبدالحميد.. بيضاء.. ملفوفة القوام.. ممتلئة بعض الشئ.. غائرة العينين لها خدود وافرة وشعر بنى قصير ناعم.. ترتدى تنورة سوداء قصيرة الى الركبة وقميص حرير أحمر قانى لامع ومن فوقه بلوفر أسود صوف.. تضغ قليل من المكياج وتبدو شخصيتها القوية المرحة واضحة فى طريقة كلامها
جلست على الصندوق المعدنى بعد أن وضعت عليه البالطو الأسود كى يحمينى من برودة الحديد.. وأخرجت رواية «تغريدة البجعة» لمكاوى سعيد من حقيبة يدى وكان بين صفحاتها « Book Marker» أو محدد لصفحات الكتاب من النحاس على شكل «مفتاح الحياة» فتحت الكتاب وأمسكت بمفتاح الحياة الذى ترددت كثيرا فى شرائه.. فقد رأيته أول مرة فى مكتبة ديوان بالزمالك . أمام الكاشيير وأنا أحاسب على مجموعة من الكتب.. استوقفتنى رقة صنعه.. فقد كان مصنوع من النحاس الأصفر والأبيض متداخلين يربط بينهما سلك نحاسر رفيع.. أغرمت به ونظرت الى ثمنه، وكان ستون جنيهاً.. ترددت فى شرائه وحسمت أمرى فى أن أتركه لصاحب نصيبه بعد أن راجعت ميزانيتى التى أخربتها لهذا الشهر.. وزار «مفتاح الحياة» خيالى فى كل مرة أستخدم المحددات الورقية لتعليم صفحات الكتب التى أقف عندها.. وظل يظهر لى فى كل مرة أدخل بها مكتبة «الديوان» الى أن قررت شرائه بالرغم من الستين جنيهاً.
رفعت رأسى لأجد شابين إيطاليين يدخلان العربة.. فهما زميلان لا مكان لهما فى القطار.. قابلهما العامل الكبير الذى سأطلق عليه «عم محمد» بود شديد وأخذ يؤكد للعامل الصغير الذى سأطلق عليه «ملاك» بأنهما صديقاه.. وأنهما يسافران معه فى كل أسبوع فى نفس الميعاد .. بدأت برلنتى التى تفرض قوتها على الجميع تتحدث الىهما بود.. طلبت شاى بالنعناع من عم محمد.. وبدأ ملاك يجهز العربة المتحركة التى سيجول بها فى القطار كى يلبى طلبات الركاب.. ودخل شاب صغير يبدو أنه فى السنوات الأولى العسكرية.. نحيف.. طويل جداً.. يرتدى زى الكلية الحربية.. حليق الرأس والذقن.. يحمل فى يده كيساً بلاسيتكية من الحجم الكبير مليئ عن آخره بالشيبسى والبسكويت والكاراتيه والمولتو فبادرته برلنتى التى تثبت انطلاقها وقوتها وسط هذا الحشد من الرجال:
- انت رايح حضانة ولا أيه!! قالت مازحة
فرد عليها بسخافة واضحة وهو يتصنع وجه طفل غتيت وقال:
- أيوا رايح الحضانة
صدمتها سماجته ولكنها آثرت عدم الرد عليه ودخلت فى حوار مع عم محمد لاحظ ملاك الموقف فسارع بالتوجه الى «الظبوط الصغير» وقال:
- حضرتك تشرب أيه يا كابتن؟!
- أنا مش هاشرب حاجه وأنا مش كابتن
تدخل عم محمد وقال: - طيب اتفضل يا أستاذ امشى من البوفيه لو مش هاتشرب حاجة
رد «الظبوط الصغير» متبجحاً: - يا سلام .. هو الناس اللى واقفين هنا دول كلهم بيشربوا حاجات؟
قال عم محمد:- حضرتك بتاكل فى مكان المفروض انه بيقدم أكل. أنت ينفع تدخل مطعم ومعاك شنطة أكل؟! دا يا أستاذ مطعم
فرد «الظبوط الصغير» بسفالة وتحدى: لأ مش هاطلع.
تدخلت برلنتى وقالت: - تعرف انك قليل الأدب وأنا بقى اللى هاخرجك من البوفيه لو مالمتشى نفسك
صرخ بها الظبوط الصغير بصوت خرج مشروخ متقطع:
- انت ازاى بتكلمينى كده وهو يشوح بيديه فى وجهها
تدخل الجميع وعلت الأصوات وتشابكت بعض الأيدى.. لتمنع ملاك من الوصول الى الظبوط الصغير الى أن أرسلت السماء ظابط «بحق وحقيقى» يزدحم كتفيه بالنجوم والدبابير والنسور الى آخره من العلامات الذهبية التى لا أفهم دلالتها ودخل العربة وسحب الظبوط الصغير بهدوء الى خارجها بعد أن استمع الى رواية عم محمد.. وبعدها علت الأصوات فى العربة لإناس لا أرى معظمهم من مكانى:
- يا لهوى أمال دا لما يتخرج ده هايعمل ايه فى البشر؟!
- هما بيعلموهم فى كليتهم أنهم أحسن من باقى البشر
- اللى له ضهر ما يتضربش على قفاه!!
- أنا -والله العظيم تلاتة- الواد أخويا الصغير بيجى لغاية النهاردة يلبسنى الجزمة .. أخويا ده رائد دلوقتى

عدت الى «تغريدة البجعة»: المشحونة لدرجة الضجيج بهلاوس مصطفى - بطل الرواية والراوى - وهلاوس المجتمع، بشيزوفرانيا مصطفى ومجتمعه، حتى ليتساءل مصطفى ـ وأنا معه ـ من هو المصاب بالشيزوفرانيا حقيقة، نحن أم المجتمع الذي اندعك كسيارة خارجة لتوها من حادث مأساوي ـ كما يقولون ـ فلم يعد بالإمكان فصل السيارة عن راكبيها، ولم يعد أحدنا يعرف حقيقة ما إذا كانت هذه البقع التي ترسم لوحتها العبثية على السيارة هي تقيحات من طلاء قديم للسيارة أم من تجلط الدم على الأنسجة الهشة لراكبيها...
لامست يدى «مفتاح الحياة» وقبضت عليه فى يدى.. وكأنى أؤكد لنفسى أنى أمتلكه الآن عن حق.. لأنه كان قد هرب منى بعد شرائه مباشرة.. فبعد خروجى من «الديوان» فابلت نوارة صديقتى فى «سيلنترو» شربنا القهوة سويا ودردشنا فى حكايتات البنات وأوصلتنى بعدها الى منزلى بسيارتها ونسيت بداخل سيارتها الحقيبة الورقية التى بها الكتب الجديدة ومفتاح الحياة .. ظننت أنه يهرب منى.. أو كأنى ليس مكتوب على أن أملكه

عدت الى تغريدة البجعة وغصت بعيدا جداً فى عالمها:
« تخليت مؤخراً عن عمل توازونات بين الشر والخير، فكل ما أريده خيراً ينقلب على شراً محضاً.. أحس أن ملاك اليمين عندى عاطل عن العمل.. أنا من أنصار المدرسة القديمة فى الدراما.. أن يكون هناك جانب خَيّر وجانب شرير، وأن يحدث بينهما صراع ينتصر فيه أحدهما على الآخر، وأعتقد أن الدنيا كلها بنيت على هذا الصراع، وأنه بلا وجود للشر لا وجود للدنيا من أساسها.. بقاؤنا يعتمد على الصراع. وصراعنا من أجل البقاء.. وهكذا ندور فى حلقة مفرغة..»
وشعرت بمفتاح الحياة يسقط من يدى لمحته وهو يقع بين الصندوق المعدنى الذى أجلس عليه وبين حائط العربة تحت النافذة الزجاجية الكبيرة .. كنت منغمسة فى أحداث الرواية .. فحدثتنى نفسى أن ألتقط مفتاح الحياة لاحقاً قبل نزولى من القطار وعدت للرواية
وقاطعنى صوت عم محمد:
- القطط تشرب حاجة تانى؟
- نسكافيه بعد إذنك..
ورفعت رأسى لأجد حولى أناس كثر يدخنون ويتحدثون.. الشابان الأيطاليان يتحدثان الى «الظبوط الصغير» -الذى يقف بسلام فى العربة» بأنجليزية ركيكة وبرلنتى وملاك يمرحان بالكلام.. الآن أرى ملاك عن قرب.. ممتلئ بالحياة وبالدهون أيضاً.. خفيف الدم له ضحكة طفولية ذات رنين حاد.. يخبر برلنتى أن لديه أحدث الأفلام السينمائية على «الهارد ديسك» تتحايل عليه أن يعطيها نسخة من الأفلام.. تطلب منه أن يصورها بهاتفها المحمول كى تضغ الصور على «الفيس بوك» لا يملان من الضحك.. يمسك بهاتفها لآرى صليب موشوم على معصمه.

هممت بالتقاط «مفتاح الحياة» فى نفس اللحظة التى أتى فيها عم محمد بالنسكافيه ووضعه أمامى .. تذكرت حين قررت وأنا فى عامى الأول الجامعى أن أشترى سلسلة على شكل مفتاح الحياة.. وكنت أرتديها طوال الوقت حول رقبتى.. وكانت أمى توبخنى عليها كثيراُ وكانت ترفض أن أرتديها لأنها تشبه الصليب.. وهكذا سيظن الناس أنى مسيحية... مما سيوقف حالى

حاولت جاهدة أن أتذكر كيف تخليت عن مفتاح الحياة ومتى فارق رقبتى ولكن لم تسعفنى ذاكرتى.. كل ما أذكره أنى كنت أرفض أن أتخلى عنه مهما كان الثمن.. أين هذه السلسلة الآن وكيف ضاعت؟ لا أدرى

سمعت ضجة من حولى.. ورأيت الركاب يحملون حقائبهم استعدادا للنزول فى محطة سيدى جابر التى قاربت فسألت عم محمد ان كانت وجهتى أقرب لسيدى جابر أم محطة مصر فـأخبرنى أنى على أن أهم بالنزول فى المحطة القادمة
ما كنت قد دفعت حسابى بعد فأسرعت بإخراج النقود من حقيبتى ولملمة أشيائى وأخذت البالطو وحملت حقيبة سفرى الضخمة وتناولت باقى حسابى من عم محمد وهو يودعنى:
- أحلى سلام للقطط
وقفت فى الصف الطويل أنتظر النزول من القطار.. وصلت محطتى النهائية وسرت أبحث عن سلالم الخروج وما أن تحرك القطار حتى تذكرت أنى نسيت أن ألتقط «مفتاح الحياة» الذى سقط منى تحت نافذة القطار.

الأحد، 19 أبريل، 2009

الحجيجة

آه ما أقسى الجدار
عندما ينهض في وجه الشروق

سمعت هذا البيت من قصيدة حكاية المدينة الفضية لأمل دنقل، وأنا أسير فى الممر المؤدى الى غرفتى فى المدينة الجامعية. كان الصوت خارجا من غرفة رقم 12، التى تسكنها بعض الزميلات. دخلت الغرفة على الفور دون أستئذان، فقد كان -ومايزال- الشعر نقطة ضعفى. وجدت فتاة صعيدية واثقة فى نفسها تلقى الشعر على شلة من الفتايات. وبعد الشعر طال حديثها عن حلمها بالصحافة. وحكت أنها تعمل فى إحدى الصحف الأسبوعية. ولم تكن أعمارنا تتعدى السادسة عشر فى ذلك الوقت.

أستوقفتنى هذه الصحفية الصعيدية الجميلة بقوة شخصيتها وأصبحنا صديقتين. كنت فيما بعد أتحين الفرص بعد العشاء والتمام المسائى وأذهب الى حجرتها فى المبنى الرئيسى، وهو نفس المبنى الذى أسكن به. أغرمت بحكاياتها عن الصعيد وأهله وعن أخيها الطبيب والشاعر الذى إختصته بمعظم الحكايات.. روت له وعنه أشعاراً.. أحببته من ذكريات طفولتها ومراهقتها معه. حفرت هذه الحكاية -على لسانها- ملامحه الأنسانية فى خيالى:
فى يوم رجعت من المدرسة فى غاية السعادة.. بتنطط من الفرحة.. سألنى أحمد أخويا عن السبب فحكيت له:
-النهاردة مدرس الرياضيات حط مسألة صعبة قوى على السبورة وقام ولد يحلها وما عرفشى... راح المدرس مشاور لى وقال لى قومى انت حليها.. وحلتها صح فقال الأستاذ للولد:
-مش عيب عليك وقفتك دى.. بص دا البنت حلت المسألة!!!
وسألنى أحمد وأنت مبسوطة أنه قال كده؟
-طبعاً
-يا حبيبتى الجملة دى معناها: شوف دا حتى الكائن اللى أقل منك حلها.. وأنت مش أقل ذكاء ولا مقدرة من الولد علشان تفرحى بالجملة دى.. أنت زيك زى الولد وأحسن كمان.. أوعى تخلى حد فى يوم من الأيام يحسسك انك أقل منه علشان انت بنت.

أيدنى أحمد -دون سابق معرفة شخصية- فى رفضى للمعاملة التى أتلقاها كفتاة فى بيئتى الريفية التقليدية التى تفرق بين الولد والبنت. أيدنى -فى كافة حكايات أخته عنه- فى معان وقيم أخرى طالما حلمت بها فى الحياة. فأحببت -دون تردد- هذا، الطبيب، اليسارى، الصعيدى،المثقف، الذى يعيش حياته بالطب والناس والأدب

وفى يوم قالت لى صديقتى: أحمد مسافر بكره ليبيا وهايعيش هناك.. وهو هنا النهادرة فى القاهرة لآخر يوم.. تعالى أعرفك عليه.
تزينت لأقابل فارسى أحلامى.. الذى أعرف عنه الكثير, وهو لا يعرف عنى شئ. وذهبت معى صديقتى الى قهوة فى وسط البلد، وهناك شاهدته.. كان أسمر بلون الجنوب.. مديد القامة بكبرياء.. له ملامح حادة.. توحى ببعض القسوة ولكن نظرة عينيه بها سر ضعفه وحنينه.. لمحت فى عينيه الهموم.. هموم خاصة.. هموم أسرية.. هموم وطن بأكمله، و ألم مستتر خلف نظرة عينيه المنطلقة.

تعارفنا ببساطة وبعد فترة وجيزة، حان موعد أغلاق بوابة المدينة الجامعية وأسرعت أخته تستعجلنى. وأحمد سيسافر غداً الى ليبيا ولا خطة لرجوعه فى بحور السنوات القادمة.. اذا هى فرصتى الوحيدة لأعرفه اليوم ربما لن أراه حتى مماتى.. فقررت البقاء مع أحمد ولتذهب قوانين المدينة الجامعية الى الجحيم.. وطلبت من صديقتى أن تمضى بالنيابة عنى فى دفتر التمام المسائى حتى لا يفتضح أمرى. وسأهيم على وجهى حتى الصباح الباكر مع حلمى الخاص فى شوارع القاهرة.

ذهبنا الى بار «على بابا» وكانت أول مرة أدخل بار. جلست أمام أحمد بجثته الضخمة,كتلميذة ترقب أستاذها عن قرب. كان يشرب البيرة دون أن تمر على لسانه. يرسلها فى جرعات الى حلقه. سألته ببراءة:
- أنت بتحب طعم البيرة؟
-الحجيجة «الحقيقة» لأ.. مرارة البيرة بتنسينى مرارة الحياة وجسوتها «قسوتها»

أستمعت الى حكاياته عن أمه.. أبيه.. أخوته البنات.. دراسته فى كلية الطب.. أحلامه فى عالم مليئ بالحب.. جنونه.. لم يخجل فى فتح قلبه لعابرة سبيل فى دنيا الهوى. كلانا يعلم أنها ليلة واحدة.. حكى عن كل شئ.. حكى عن خطيبته.. عن حلمه فى الحياة.. تقاربنا.. كنت أعرفه جيداً. لم يكن غريباً عنى. كنت أكمل عنه حكاياته وكأنى شاهدتها أو عاصرتها من قبل. فتح قلبه وباح بأوجاعه. كانت مصر هى الوجع الأكثر صخباً فى صدره. تؤرق حاله. وهو عاجز عن التغيير وحده. فقرر الهرب الى ليبيا من أجل مصلحة أسرته المادية.

تركنا بار «على بابا» وجلسنا فى ميدان التحرير. قرأ لى من ذاكرته قصصه القصيرة. كان يقرأها وكأنه يعبر بعينيه صفحات مكتوبة. أسمعنى بعض قصائده التى أختتمها بقصيدة «الأرض الشراقى»
-عارفة أيه هى الأرض الشراقى؟ الأرض اللى ما بتوصلهاش مياه النيل.. وأن إرتوت جادت.
كنت أسيرة لكنته الصعيدية.. يتحدث وكأنى أمام مبعوث من أهل الجنوب يعلمنى معانى الحياة. جوبنا شوارع وسط البلد حتى الصباح الباكر والكلام لا ينتهى، والدهشة لا تزول، والبرد لا وجود له فى قاموسينا. كنت مشدوهة بهذا العملاق الإنسانى الذى أنهل من كلماته، وعذوبته، وقسوته حتى على نفسه.
سألنى من ضمن ما سأل:
- حبيتى جبل «قبل» كده؟
- الحئيأة «الحقيقة» .. لأ
-عارفة يا جمر «قمر» فيه كلمات لما بتتنطج «بتتنطق» غلط بيروح معناها عنها.. يعنى انتى بتقولى «الحئيأة» بس هى اسمها «الحجيجة».. جربى تنطجيها.. الحجيجة.. هاتحسى أن معناها إختلف.. يعنى مثلا أنا أبقى رجل جلنف لو قولت لك أنت بنت رجيجة «رقيقة».. مخارج ألفاظى جاسية «قاسية». الصح أنى أقولك أنت بنت رئيأة.. والحقيقة أقسى وأوقع من رقة بنت جميلة زيك

بقيت كلمات أحمد محفورة بداخلى. وصدى صوته مازال يرن فى ذاكرتى. لم تكن ليلتنا سوياً هى ليلة رجل وامرأة متجاذبان فى شوارع القاهرة, بل كانت ليلة إنسانية لروحين .. تعارفا منذ قديم الأزل .. ربما منذ عهد آدم وحواء... وتاها فى صحراء لا أول لها ولا آخر.. وتقابلا صدفة فى واحة خضراء، فوقفا يستظلان من جدب الحياة الدائم.. وأفترقا دون وعود ولا آمال. إفترقا لأن الحياة تقف بينهما كجدار يحجب الأمل فى لقاء ثان.

تابعت أخبار أحمد على مدار السنين..وكان يبعث بسلامه لى فى مكاتباته لأخته. كنت أستمع لأخباره منها.. وكأنها حقى.. تابعت زواجه، وإنجابه، أسأل باستمرار عن أبنائه.. علمت أنه بدأ مشروع لمحو أميه القبيلة التى يعيش وسطها فى ليبيا.. لم أتعجب فهذا هو أحمد الذى عرفته جيداً، هذا هو الإنسان كما ينبغى له أن يكون

قابلت أحمد بعد عشر سنوات، ليلة زفاف أخته , وتحدثنا عل أستحياء عن ليلتنا الوحيدة فى شوارع القاهرة. وكان كما هو وأن زاد العمر ملامحه ليناً. أما أنا فكنت كما الأرض الشراقى عطشى للحب الذى لا يصلنى فى زمن الجدب العاطفى. وأنطلق لسانى -دون إذن منى- يودعه بنفس القصيدة التى عرفت بها أخته:

آه ما أقسى الجدار
عندما ينهض في وجه الشروق
ربما ننفق كل العمر .. كي نثقب ثغرة
ليمر النور للأجيال .. مرة !
ربما لو لم يكن هذا الجدار
ما عرفنا قيمة الضوء الطليق !!