الأربعاء، 30 يوليو، 2008

أسطورة سائق البيجو



هذه ليست حكاية مع سائق تاكس.. بل هى حكاية غريبة حدثت لى وأنا فى عامى الأول الجامعى ... انتهت أحداثها فى «بيجو محافظات». بدأت الحكاية فى القاهرة.. فى مكتب دعاية وإعلان متواضع.. فى خلال الأجازة الدراسية حيث بدأت أولى محاولاتى للهاث وراء العمل وإثبات الذات.. كان اليوم هو الخميس.. موعد زيارتى الأسبوعية لأسرتى خارج زحام القاهرة.

اشارت الساعة الي الخامسة .. فبدأت فى لملمة أشيائى المبعثرة فى كل مكان واستعديت للانصراف. أستوقفنى احمد زميلي في المكتب وابلغنى انه يريد التحدث معى في موضوع ما. فوافقت ان يصطحبني الي محطة مصر سيرا علي الاقدام فمازال امامي ثلاث ساعات كاملة علي ميعاد القطار. وطوال الطريق من العباسية الي رمسيس كنا نتحدث ولا اتذكر مضمون الحوار ربما كان لا يوجد موضوع. ربما لم تكن أكثر من رغبة شاب و فتاة في الحوار والسير على الأقدام فى شوارع القاهرة. وصلنا محطة القطار فعرض على احمد ان نذهب الي كافيتيريا المحطة كي نشرب «أي شئ» قبل موعد مغادرة القطار. فراجعت نقودي ووجدت ان معي عشرون جنيها.. فحسبتها في مخي وقلت عشرة جنيهات تكفى لشرب «أى شئ» وعشرة جنيهات ثمن تذكرة القطار. فوجدت أن الحسبة تمام التمام... ورافقته الى الكافيتريا .. وشربنا «أى شئ» وتحدثنا فى «أى شئ» وحان ميعاد القطار فطلبنا الحساب واخرجت العشرين جنيها اليتيمة من حقيبتى كي ادفع حسابي.. ووضعتها فوق شيك الحساب في ذلك الطبق الأبيض الصغير . وجاء الجرسون وحمل الطبق بنقودى دون أن يدفع أحمد حسابه.. ورجع بباقى الحساب.. فقام أحمد شاكرا بمراجعه الحساب وتأكد من صحته و اخذ الجنيهات القليلة المتبقية ووضعها في جيبه!!!!

كان احمد مازال يتحدث وانا لا اسمعه.. فقط اري وجهه وشفتاه تتحركان.. ألقى بنظرى بين الحين والآخر الى جيب قميصه الاصفر الذي يظهر شبح نقودي من خلاله . كل ما يدور بذهنى هو كيف سأسافر الى عائلتى؟!.. شعرت بالخجل من ان احدثه عن الباقي.. ففعله وسلوكه صادم وغير متوقع فلجم لساني ولم انطق ... ولم يزل هو يتحدث... فقررت مقاطعته قائلة :انا مش هاركب القطر انا هاركب بيجو من احمد حلمي اصله ارخص ودلوقتي مش معايا فلوس كفاية..
فقام من مكانه وقال :ياللا هاوصلك لاحمد حلمي ...مشيت بجواره كالخرساء وانا اشعر اني امام كائن فضائي هلامي لا معالم له....وصلت الي البيجو وذهبت للسائق وقلت له:لوسمحت انا فلوسي ضاعت واهلي فب البلد اللي انت رايحها,ممكن اركب معاك ولما نوصل اديلك بطاقتي واروح اجيب فلوس من البيت وارجع علي طول.؟؟ فقال:اركبي يا بنتي.. .وتعالت اصوات باقي الركاب كل متطوع لدفع اجرتي .وعندما وصلت اخرجت بطاقتى الشخصية قائلة:5دقايق هارجع لحضرتك بالفلوس .فرد السائق يدى وحلف يمين طلاق بالتلاتة مانا سايبة البطاقة ولا راجعة بالفلوس ..

اليوم وأنا أسترجع هذا الموقف.. أشعر بسخط عظيم تجاه هذا الأحمد .. فقد كان فى منتصف العشيرنات من العمر وكنت صغيرة السن لا أملك الجرأة الكافية للتصدى لأنطاع الحياة من أمثاله.. لو حدث لى هذا الموقف الآن لما ترددت ثانية أن أطلب منه أن يدفع حسابه ويأن عطينى باقى نقودى. ولكن الموقف كان صادما لطفلة لم تتعدى السابعة عشر من عمرها..

والموقف الآخر لسائق البيجو.. هو الأهم هنا.. هذه هى الشهامة المعروفة عن أبناء مصر فى الأجيال القديمة.. أما جيلى وجيل أحمد فهذه الشهامة المزعومة ..أصبحت مجرد أساطير.

الاثنين، 28 يوليو، 2008

مرآة قديمة



سئمت هى كل قصص الحب التي لا تكتمل. تعبت روحها الملولة من تكرار سذاجة اللعبة في كل الحكايات. نظرت خلفها ووجدت ان اللعبة نمطية... تختلف الاضاءة و الملابس و الديكور و الاسماء ولكن المضمون متشابه الي حد التطابق. تتكرر في ذاكرتها المشاهد.. بابطال مختلفين.. أود أن أعلمكم بطبعها الاساسي ... «الملل» ... و طبعها الثانوي ... «عشق السباحة ضد التيار».

فهي باختصار مغامرة ملولة .. و ان اردتم بعض الملامح الاضافية اخبركم عنها ... هى طفلة... حنونة.... معطاءة... متدفقة.... دافئة ... محبة للحياة ... وللشجن في كثير من الاحيان ... عنيدة... مرهفة الحس ...



أما عنه.. فهو - بالرغم من إختلاف الأسماء - دائما فارس.. يعشق النساء..(فهى تعشق دور المحظية المصطفاة).. مقدام.. جسور... مختلف .. مثقف.. فنان.. حساس.. غالبا ما يكبرها بسنوات عديدة.. فالنضج الذى تضفيه سنوات العمر على الفارس .. يكسبه رونق شديد الخصوصية..

تدخل هي بكل معطياتها علاقة حب ... فلا يصمد امام تركيبتها الانسانية و الجسدية من تختاره... تبدا الحكاية من شهر عسل متدفق.. هي تحب العطاء... و هو طفل لا يمل من الاخذ الدائم.. خصوصا و ان كل عطاء منها هو نوع مختلف عن مثيله لدي الاخريات. فلديها في روحها دور خلقت لأدائه .. و لكنه لم يتاح لها يوما... كانت هى أم بداخلها.. وهو على الدوام طفل مترقب. والأم عندما تهب طفلها لا تنتظر منه شيئا سوي بنوته .. واذا تمرد هو علي الطفل بداخله و قرر الرجولة ياتي اليها مجددا فقد كانت انثي بكل المعاني.. لم تكن امومتها و انوثتها هو كل ما يحتاجه...اراد صديقا فكانت له كصديق رجل... اراد ندا فكانت له ... وكلما اراد هو ...كانت هي.

يبدا هو في التملل كطبع كل الرجال .. يريد خيانة ليتاكد من صدق مشاعره تجاهها.. وليؤكد لروحه انه لم يصبح طيع لها ..وان لديه مفتاح سري للهروب اذا ما أصابه الملل... فيذهب لأول خيانة.. و يعود مسرعا إلى حضن امه التي كسر مرآتها... فتتلقفه لانها رات الفزع في عينيه .. تغلق عليه ذراعيها.. وتضع ذقنها فوق راسه.. و تغمض هى عينيها كى ينام هو... و تسيل قطرات من الدموع لتبلل راسه ربما تلين...

تمر الاسابيع و يهدأ روع الطفل.. و تصلح هي مرآتها التى كسرت.. فيبقي اثر مستتر لشرخ ليس بالقديم........تراه هي بوضوح و يصعب علي عين الطفل التقاطه... و لكنها راضية بعودته اليها بعد رحلة صحراوية لم يخبرها بها.... ينعما سويا بروح جديدة ... فقد تعمق فيهما الحب وفرد جذوره في قلبيهما بعد خيانة تاكد هو من خلالها من حبه لها و تاكد لها بعودته دامعا مدي انتمائه اليها.

و يعود نهر العسل للتدفق ... وتزدهر الظلال الوارفة التي يحتميان بها من الحياة... فالحياة تعطيك حلمك ان كنت مخلصا له و لكنها تمارس عليك الغواية باحلام اخرى لها بريق مختلف... فيبدا هو فى التململ ثانية... و تتكرر الخيانة.. فهو لا يريد أي مسئولية ...حتي مسئولية اعترافه بالانتماء اليها... سقط عنها حلم الامومة لتبقي هى الانثي و الند...
«لا مسئوليات» اصبحت هي الحالة المشتركة .. هو برغبته وجزعه.. و هي من منطلق ما فيش حد احسن من حد.....

الآن تقف هى أمام مرآتها التى كثرت شروخها المستترة.. ترى ألف وجه.. وألف خيانة .. وصندوق ذكريات أليم .. تمعن النظر فى تفاصيل وجهها فترى بعض علامات العمر قد بدأت فى الزحف اليها .. فلا هى أم ولا هى حبيبة ولا هى حرة ...

رمت هى بمرآتها القديمة وابتاعت أخرى جديدة .. وكطفلة يتيمة تفرح بكل ما هو جديد.. فتحت نوافذها وأمسكت بالمرآه وعلقتها فى بؤرة الأضاءة.. وأستعدت للنظر الى روحها.. واستغربت بشدة عندما وجدت أن ملامحها كانت كما هى ..لم تتغير..


الأحد، 27 يوليو، 2008

كلام كبار





كان عيد ميلاد «ميمو» - ابن أخى والحفيد الأول فى العائلة -قد حان بعد عدة أيام.. ولما كانت زوجة أخى قد أرسلت لى «عطر باريسى» باهظ الثمن فى عيد ميلادى الأخير ووقعته باسم «ميمو» فقد توجب على أن أشترى له هدية تحمل طابع خاص.. ولحبى الشديد لهذا الطفل اللمض هاتفته وأجرينا الحوار التالى:
-قول لى بقى يا سى ميمو هاتكمل كام سنة؟
فأتانى صوته: دول.. بالطبع توقعت أنه يرينى عمره معتمدا على أصابع يده فقلت:
-دول يطلعوا كام يعنى؟!
- دول تلاتة يا عمتو ..أنت مش بتعرفى تعدى ولا أيه!!
أغاظتنى لماضته فقلت: لا يا حبيبى باعرف أعد. بس أنا بعيدة قوى عنك.. ومش شايفة كويس.. المهم قول لى تحب أجيب لك أيه فى عيد ميلادك؟
وجاوبنى الصمت فعلمت أنه أخذ يفكر ويفكر ..وفاجأنى قائلاً:
-تسمعى عن حاجة اسمها كومبيوتل (يقصد كمبيوتر فهو ألثغ فى عدة حروف)؟
ولما كانت إجابته فى شكل سؤال ينتظر إجابة وأنا لا أريد أن أضحك فدائما بيننا «معاهدة ناس كبار» فى إدارة أى حوار فجاوبته باحدى ردودى المائعة: يعنى.. بس انت هاتعمل ايه بالكمبيوتر ده؟
وكانه انتظر سؤالى طويلاً..فانطلق كالسهم شارحاً: بصى يا ستى أنا أدوس على أول زلال (زرار) يطلع لى تايجل (تايجر بلغتنا العربية المنقرضة).. أدوس على تانى زلال (زرار) يطلع لى هاييناص (مش عارفة يعنى أيه ساعتها)... أدوس على تالت زلال (زرار) يطلع لى.....وصرخ بعلو صوته ... ليون كينج.
سألته بتردد شديد: هو يعنى أيه هاييناص يا ميمو؟
فرد مسرعاً: يعنى..يعنى.. مش عالف (عارف) بقى بس هو شبه الكلب وخلاص
وعندما ذهبت لمحل لعب الأطفال الشهير كى ابحث عن كمبيوتر لعبة أخبرتنى البائعة أن لديها كمبيوتر لشخصيات الكرتون الشهير «ليون كينج» سألتها بخجل: طيب والهاييناص دا يطلع أيه؟ فأخبرتنى انه الضبع باللغة الإنجليزية.



وفى يوم ميلاده أهديته الكمبيوتر فلم يبدى أى فرحة زائده و بعد اطفاء الشمع أخذنى من يدى وسحبنى الى غرفته وقال:
-تعالى نتكلم كلام كبارل (كبار)
-ياللا
- ألا قولى لى يا عمتو.. هو انت ليه مش عايشه فى بيت باباكى؟
فاجأنى السؤال وكعادتى معه فى معاهده الناس الكبار أن أرد له السؤال اذا لم أستطيع الرد فقلت: تفتكر انت ليه يا ميمو؟
-علشان انت بتشتغلى فى مصل (مصر).
وصمت بعض الشئ ثم قال وكأنه تذكر شيئاً: بس أنت ليه مش بتشتغلى هنا؟
وأعدت الكره ورددت له السؤال ثانية: تفتكر انت ليه؟
-علشان الشغل بتاعك موجود فى مصل (مصر) وهنا مافيش شغل كويس
أدهشنى هذا الببغاء الصغير.. لابد أنه سمع هذا الحوار أو بعض منه من قبل.. فمن المؤكد أن سنوات عمره الثلاثة لا تستيطع حمله على التفكير بهذا الشكل. فسألته:
-ألا انت مش شايف ان الكلام ده كلام ناس كبار قوى
- أه مش أحنا بنتكلم دلوقتى كلام ناس كبال (كبار)؟
- ماشى.. بس انت سمعت الكلام ده فين قيل كده؟
فضحك بلؤم طفولى جميل ووضع كفه الصغير على فمه وإقترب منى وخفض صوته الضاحك قائلاً:-
-أصل أنا سمعت ماما وتيته بيقولوا الكلام ده النهالده (النهارده) الصبح.
وبنفس طبقة صوته الهامسة سألته: ولما انت سمعتهم بيقولوه النهارده الصبح بتسألنى تانى ليه؟
فاجأنى برده بعد أن عاد لنبرة صوته العالية الواثقة وقال: لأ أنا بس حبيت أتأكد من المصدل (المصدر)
لم أملك الا ان أحتضنه وأزغزغه وأفعصه من اللعب وأكله عن آخره .. وانا أردد: يا خراشى على اللماضة!!!
علمنى ابن أخى فى عيد ميلاده الثالت أن الهاييناص هو الضبع وان على أن أتأكد من صحة الأخبار من مصادرها وأن اللماضة ذلك الكنز الذى لا يفنى هو شعار الجيل القادم. وسلم لى على اللغة العربية المنقرضة.


الاثنين، 21 يوليو، 2008

رحيل حبيبتى




رن هاتفى حوالى الخامسة صباحا.. وكانت أختى تخبرنى بوفاة جدتى.. آآآه جدتى وأمى وحبيبتى.. فى قرية عائلتى ينادون الجدة بالحبيبة.. لقد ماتت حبيبتى.. دق قلبى بعنف داخل صدرى وغرقت فى حالة سكون.. وتعجبت من حالى.. أين دموعى؟! لماذا أنا صامتة حد الخرس؟! تذكرت دموعى التى كانا تنهال من عينى أثناء مرضها اذا ما مر بذهنى أنها قد لا تكون موجودة فى عالمى ذات يوم!!...كيف لا أبكى جدتى الآن عند رحيلها؟! أكل ما أملكه هو دقات قلب عنيفة؟!

نهضت من سريرى.. وفتحت دولابى أبحث عن ملابس سوداء.. لم أجد سوى بنطلون أسود وقميص كحلى.. أرتديتهم بهدوء وبطء.. نظرت لنفسى فى المرآه أبحث عن أى انفعال أو تعبير.. وكان وجهى مقنعا بالصمت!!

إتجهت إلى موقف عبود وهناك ركبت ميكروباص أو بيجو لا أستطيع التذكر.. فقد كنت لا أعى أى شئ مما يدور حولى.. وطوال الطريق كان ذهنى ساكن.. يكاد يكون خالى من الأفكار.. وبالرغم من ذلك أرسلت كافة الرسائل إلى مكتبى أبلغهم فيها بحالة الوفاة.. وبتغيبى لثلاثة أيام -وفقا لقانون العمل- وأرسلت رسائل لزملائى كى يتابعوا عملى فى غيابى.. كل ذلك وانا لا أدرك أى شئ.. هناك طاقة ما تكمن فى العقل البشرى لا نعلم عنها الكثير. عندما تستكين أمواج الأفكار المتلاطمة.. تستطيع هذه الطاقة دفينة الأعماق أن تخرج من وإلى الوعى.

وصلت الى قرية جدتى فى ريف الدلتا.. صعدت سلالم منزل العائلة.. وجدت عدد وفير من النساء الملتحفات بالسواد فى كافة أرجاء البيت.. إتخذت ركن قصى وجلست صامتة.. أنظر الى تفاصيل الدار التى تحمل ذكريات طفولتى بين جدرانها.. إلى أن مرت إحدى خالاتى بجوارى ونظرت إلى بعينين متورمتين شديدتا الحمرة وقالت:
-إنت قاعدة هنا ليه زى الغريبة؟!
وإحتضنتنى وبكت.. وكانت نهنهاتها ترجرج جسدى الضئيل وأنفاسها الحارقة تلفح رقبتى.. نظرت من خلال حضنها الى منزل جدتى وشعرت بيتم مفاجئ.. أخذتنى من يدى وقالت:
-تعالى إقعدى معاها لآخر مرة.
هنا تيقظت بعض الشئ وكأنى أدرك الآن فقط أنى لن أراها بعد اليوم.. تسارعت ضربات قلبى و زادت عنفا وأنا أسير بين جموع النساء...دخلت غرفتها ورأيتها نائمة على سريرها...شديدة البياض بزرقة خفيفة...نحيلة جدا...بإختصار كانت هى.. وليست هى.. كنت أعلم أنها هى.. ولكن فى هيئة أخرى.. وضعت يدى فوق يدها الباردة المتخشبة.. وجلست بجوارها.. أقرأ لها القرآن ولا أبكى.. فقط صامتة.. ماذا يعنى هذا الصمت؟! أين أفكارى المتلاحقة؟! لا شئ بعقلى.. فقد كنت ساهمة.

حضرت مراسم الغُسل.. ومشطت لها شعيراتها البيضاء القليلة فى ضفيرتين تماما كما كانت تفعل معى وأنا صغيرة.. دثروها فى الكفن ووضعوها فى صندوق خشبى.. ودخل حشد من الرجال إلى غرفتها كى يحملوها.. ولكن إلى أين؟! إلى القبر؟! كيف تذهب هى وتتركنى أنا هنا؟! كيف أحيا فى كون أعلم أنا أنفاسها لم تعد تعطر هواءه بعد الآن؟!
يا الله.. انها فعلا ذاهبه!! تبعتها الى الخارج وأوقفنى أحد الرجال قائلا:
-فى بلدنا ما عندناش حريم بيحضروا الدفنة
نظرت اليه وكأنى لا أسمعه وتبعت الصندوق الخشبى.. فأشار له خالى أن لا فائدة من منعى.. وسرت وراءهم وسارت معى بعض خالاتى متشجعات بصمتى.. وصلنا قبور «سيدى خلف».. هنا ستدفن حبيبتى.. ماذا؟! تدفن؟! أيهيلون عليها التراب؟! أستترك فى ظلمة القبر وحدها؟!

وعندما رأيت الرجال يغلقون باب القبر عليها نزلت أول دمعة من عينى.. لن أرى حبيبتى مجددا..أصبح الأمر مؤكدا الآن.. وفُتحت كل طاقات الدموع المحبوسة منذ ساعات طوال.. كأنهار لا يحكمها سدود.. كفيضان يأبى السكون.. لا تهدئه انقضاء الساعات والأيام.. الى أن إحتضنى خالى وأبلغنى أنهم كانوا يخفون عنى حقيقة مرضها.. لتعلقى الشديد بها.. أخفوا عنى أنها أصيبت بسرطان الكبد.. فى عمر لا يحتمل فيه جسدها الهرم العلاج الكيميائى.. كان عليهم اما أن يقتلوها بالدواء أو يتركوها تموت بورمها.. ولقد إختاروا لها الموت دون الكيماوى.. الآن فقط أدرك أن جدتى قد تحررت من آلام المرض.. من الآن فصاعدا هى حرة من كافة أوجاع الجسد.. حتما هى الآن أسعد حالاً.. الأن فقط أدرك مقدار أنانيتى المفرطة.. أكتشف الآن أنى أبكى حالى دون جدتى.. ولا أبكيها هي.. أبكى وحدتى وإشتياقى الى أحضانها الدافئة.. ولا أبكيها هى.. أبكى إفتقادى لصديقة عمر تعلم عنى كل شئ.. حتى وان لم أحكى لها أى شئ.. أنا أبكى غياب حبيبتى عنى..عند هذه اللحظة توقفت دموعى.. وسكننى الصمت من جديد.

الأحد، 20 يوليو، 2008

فـاطـــمـة




قصة حقيقية من واقع الصعيد المصرى جرت أحداثها بدءاً من عام 1955 حتى الآن


- العُُدََّّّيْْسََات 1959 - أنا فاطمة.. أخت سالم.. أبلغ من العمر خمسة عشر عاما, بدأت مأساتى عندما قابلت طليقة أخي "ألطاف" تحت السقيفة فى مدخل العُُدََّّّيْْسََات وأنا فى طريقى إلى بيت صديقتى مريم فى شق النصارى, قابلتنى ألطاف بدموع غزيرة منددة بما فعله بها أخي فقد طلقها منذ أسبوع لتصبح أول حالة طلاق تشهدها قريتنا. الطلاق فى الصعيد من المحرمات المجتمعية بالرغم من كونه محللاً شرعا, وإن كان أبغض الحلال عند الله.
أصبحت ألطاف حديث أهل القرية. تعاطفت معها وإحتضنتها, وكففت دموعها الملتاعة. طلبت ألطاف منى أن أصطحبها الى دار أبيها فمن كثرة دموعها لا تستطيع أن تتبين طريقها بمفردها. وافقت على الفور فهى لا حول ولا قوة لها. وعند باب الدار هممت بالإنصراف فإذا بألطاف تسقط مغشيا عليها. صرخت بكل ما أوتيت من قوة أنادى أهل الدار. فخرج الشيخ محمود وزوجته "والدا ألطاف" وحملاها إلى داخل الدار وساعدتهم لوضعها فى فراشها. وبمجرد أن دخلنا الغرفة واستلقت ألطاف على سريرها فتحت عيناها ورفعت حاجبها الأيمن وارتسمت إبتسامة ساخرة على شفتيها. نظرت للشيخ محمود فإذا به يغلق باب الغرفة ويهم بخلع ثيابه. أما أم ألطاف فقد تلقفتنى بين ذراعيها وهى تحاول تجريدى من ثيابى. وما حدث بعد ذلك بالكاد أذكره.


- أنا مريم.. صديقة فاطمة, تشاركنا نفس يوم الميلاد, وجمع هذا الحدث بين أسرتينا. فكبرنا سويا.. وتشاركنا كل شئ.. الألعاب.. الملابس.. الطعام.. الإهتمامات.. فنشأنا متشابهتين فى كل شئ. كنا لانفترق إلا أيام الآحاد. فأنا مسيحية و فاطمة مسلمة. كنت أذهب مع أسرتى كل أحد إلى كنيسة دير القديسين بجبل الطََّّوْْد فى البر الشرقى لمدينة الأقصر. حيث كان أقباط 14 قرية -تابعة لمدينة الأقصر- يسكنها أكثر من 1300 أسرة مسيحية,لايجدون مكانا يصلون فيه إلا دير القديسين. فكان أكثر من ثمانية آلاف قبطى يقطعون عدة كيلوميترات للصلاة وعماد الأطفال وزواج الأبناء والصلاة على موتاهم. حلمت أنا وفاطمة فى طفولتنا بكنيسة فى العُُدََّّّيْْسََات كى لا نفترق كل أحد.


- أنا سالم ولدت عام 1938 لأسرة صعيدية فقيرة. عشت طفولتى و شبابى فى العُُدََّّّيْْسََات مع أبى وأمى وأختى الوحيدة فاطمة التى تصغرنى بخمس سنوات. كم أعشق هذه الطفلة الجميلة. هى بالنسبة لى مصدر الحياة. يكفينى أن أرى إبتسامتها الودودة كى تهون على مصائب الكون. كانت أمى هى صاحبة الكلمة فى الدار - كحال معظم نساء الصعيد- أما والدى فكان وجوده شرفى. ولكن أمام الناس كانت أمى حريصة أن تظهر والدى هو صاحب الكلمة العليا والكل فى الكل. أنا الوحيد المتعلم فى أسرتى. صممت منذ صغرى على إستكمال تعليمى حتى التحقت بجامعة الأزهر فنزحت إلى القاهرة. ولكن أجازاتى السنوية كنت أقضيها فى حضن عائلتى فى العُُدََّّّيْْسََات, التى يكمن فيها حبى الأول "مريم" ابنة عم ملاك وصديقة طفولتى أنا وفاطمة. فبالرغم من أن المسحيين كانوا يقطنون منطقة خاصة فى القرية يطلق عليها (درب النصارى) أو (شق النصارى) الا أن بيوت القرية فى أى منطقة كانت مفتوحة للجميع. كنا ونحن أطفال نلعب "الحََجْْلة" فى مدخل درب النصارى الذى كان عبارة عن شارع ضيق يبلغ عرضه حوالى ستة أمتار. ومنذ ذلك الحين وحب مريم متأصل فى روحى.. ولكن لم أقدر يوماً على البوح به حتى لذاتى .. فمريم قبطية وأنا مسلم ولن يقبل أحد بهذا الحب المحرم.
فى السابعة عشر من عمرى وفى إحدى أجازاتى السنوية قابلت ألطاف. فتاة صعيدية جميلة لا أدرى ماذا حدث لى عندما نظرت فى عينيها إجتاحتنى مشاعر قوية لم أقدر على تفسيرها, فهرعت الى أمى كى تزوجنى إليها. ففى ذلك الحين كان سن الزواج فى الصعيد يبدأ من الرابعة عشر. ولكنى صدمت برفض أمى. وصارحتنى أنها لا ترفض فكرة زواجى ولكن ما ترفضه هى تلك العائلة ولم تزد حرفا واحدا. ورفضت بإصرار وصمت. ولأنى ابن أمى فقد ورثت عنها العند والإصرار وصممت أنا الآخر على الزواج من ألطاف. وليتنى سمعت نصيحة أمى فقد كان زواجى بألطاف بداية مأساة أختى فاطمة.


- أنا ألطاف زوجة سالم. وابنة الشيخ محمود, لم يكن والدى شيخاً بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة فهو لم يقم بدراسة علوم الإسلام ولكن لقب الشيخ أطلق عليه لإشتهاره بأعمال السحر ليس فقط فى العُُدََّّّيْْسََات ولكن فى صعيد مصر كله. كانت تأتيه الجموع من أجل تيسير الأمور وبالأخص لربط الرجال الذى تلجأ اليه بعض النساء للإنتقام من أزواجهن إذا ما أقدموا على الزواج من أخريات. فكان الربط هو السبيل الوحيد لجعل الزوج غير قادر جنسيا إلا مع الزوجة التى قامت بربطه. وربما كان عمل أبى هو السبب فى رفض أم سالم زواجى بإبنها.
كنت معجبة بسالم ولكنه كان بعيد المنال فهو الجامعى الوحيد فى العُُدََّّّيْْسََات فلم أجرؤ قط على الحلم بالزواج منه. و لخبرة أمى بأمور الحياة بل ولفهمها العظيم لأمور الرجال طمأنت قلبى. وعلمت منها أن أبى صنع عمل سفلى لسالم كى يقربه منى ويزوجنى له. وفى صيف 1955 طلبت منى أمى أن أذهب الى السقيفة فى مدخل القرية لأبتاع لها قليلا من الكيروسين – المعروف لدينا بإسم الجاز- اللازم لإنارة البيت. وأنا فى طريق عودتى إلى دارنا قابلت سالم فارتبكت وسقطت زجاجة الجاز من يدى فإقترب منى لمساعدتى وربما لنتجاذب أطراف الحديث. وبعدها بليلتين دق باب الدار فإذا به سالم يطلب يدى من أبى ويطالب بسرعة إتمام اجراءات الزواج قبل إنتهاء أجازته. علمنا منه رفض أهله لزواجه, فصمم والدى على ألا يكسر قلبينا. تزوجت سالم فى غرفة فى دار أبى و بعد سنة رزقنا الله بطفلة جميلة, أصر سالم على تسميتها فاطمة على إسم أخته.... و ليته لم يفعل فقد أصابتها لعنة الإسم.


- أنا فاطمة.. ابنة سالم.. سُُميت على إسم عمتى الغالية التى يعشقها أبى. أما أمى وجدتى كانتا تناديانى ب" اللى ما تتسمى" كنت أعلم أنهما لا تحبان عمتى, ليس لعيب بها ولكن لحب أبى العميق لها, ولأنها تمثل حب أبى لأسرته التى رفضت زواجه بأمى, و أيضا لكونها صديقة مريم التى أستشعرت أمى حب أبى الدفين لها. كنت أرى عمتى فاطمة بين الحين و الآخر عندما تسترق بعض الزيارات –بدون علم والدتها- لدارنا كى تطمئن على, خاصة فى فترات غياب أبى فى المواسم الدراسية.
أنا الآن عمرى ثلاثة سنوات. أبى فى القاهرة وأمى وجدتى مشغولتان بأعمال الدار أما جدى فهو يحلق الآن ذقنه. يضع جدى أمامه مرآة صغيرة وبجواره كوب به ماء فاتر. يضع قليل من معجون سميك على ذقنه ويحركه بأصابعه المبلله فى حركة شبه دائرية فيصنع رغوة كثيفة يكشطها بشفرة قديمة صدئة وينظف الشفرة بين الحين والآخر فى كوب الماء. راقبت جدى مراراً وهو يمارس عملية الحلاقة هذه. كان يستهوينى ذلك الكوب الشفاف الذى يحوى سائل أبيض تعكره بعض ذرات شعر جدى العائمة على سطح الكوب. الآن سأقدم على تذوق هذا المشروب الجبار, ترى كيف سيكون مذاقه؟! قام جدى بعد الإنتهاء من حلاقة ذقنه ليغير ملابسه استعدادا للخروج, فسارعت بالإمساك بالكوب, وارتشفت محتواه عن آخره.


- هاتفتنى زوجتى ألطاف لتبلغنى بموت ابنتنا فاطمة, فتركت دراستى وهرعت إلى العُُدََّّّيْْسََات كى أدفن صغيرتى التى لم تتجاوز بعد الثالثة من عمرها. مُُلئت بحزن مرير كمرارة العلقم, وصببت عظيم غضبى على زوجتى وأسرتها, فلولا إهمالهم فى رعاية فاطمتى لما آلت الى مثل هذه النهاية المؤلمة.. كنت كلما نظرت الى ألطاف أرى ابنتى المفقودة فى عينيها. كانت مشاعرى تجاهها قد ماتت فبسببها خسرت أهلى, وخسرت كل شئ, زاد من غضبى عليها أقاويل الناس فى العُُدََّّّيْْسََات, فقد كان الناس يتهامسون سرا بأنى ضحية عمل سفلى للشيخ محمود. ولكن لم يعد هناك ما يربطنى بها بعد الآن.. ماتت المشاعر.. وماتت إبنتى.. فطلقت ألطاف طلقة بائنة, وذهبت الى أمى لأدفن حزنى فى أحضانها.


- أنا فاطمة.. أخت سالم, فتحت عينى ببطئ لأجد نفسى ملقاة تحت السقيفة ممزقة الملابس, آخر ما أذكره هو إعتداء الشيخ محمود على بمساعدة زوجته وإبنته. لقد هتكوا عرضى كى يثأروا من أخى لطلاقه إبنتهم أرادوا أن ينجسوا سمعة عائلتى كى لا يستطيع أبى وأخى أن يرفعا رأسيهما مرة أخرى فى العُُدََّّّيْْسََات, تجمع الناس حولى.. كنت شبه مغشيا على.. سمعتهم يطالبون بدمى.. فجريت بكل ما أوتيت من قوة كى أختبأ عند مريم صديقتى فى درب النصارى. ولكنى لم أجد أحد بالدار.. هرعت إلى كنيسة العُُدََّّّيْْسََات التى بُنيت مؤخرا بدون تصريح. طرقت الباب الخشبى للكنيسة ففتح لى عم مرقص الحارس وأدخلنى على الفورعندما رأى ملابسى الممزقة وحالى الدال على مصيبتى, بالرغم من أن المسلمين غير مسموح لهم بتخطى السور الطينى المحيط بالكنيسة. كانت هذه هى المرة الأولى التى أرى فيها الكنيسة من الداخل. أجلسنى عم مرقص على أحد كراسي المصليين الموجودة فى صحن الكنيسة, مباشرة أمام الكرسي المخصص للأسقف, يغطي البلاط الأرضية, أما السقف فعبارة عن مجموعة من الألواح الخشبية, وجدت أمامى الهياكل الثلاثة (هيكل السيدة العذراء) و(هيكل الأنبا صموئيل المعترف)، و(هيكل الشهيد أبو سيفين) تماما كما حفرهم وصف مريم فى مخيلتى. رأيت مريم تجرى فى أتجاهى وعندما نظرت فى عينى احتضنتنى وبكت. بعد أن حكيت لها ما حدث خبأتنى في المََضْْيََفة الخاصة بالأقباط -باحة الكنيسة- والتى تقع مباشرةً أمام الكنيسة.


- أنا محمود ... يطلق على البعض لفظ دجال ... ويسمينى الجميع الشيخ محمود ... نعم أنا رجل مبروك لا يعنينى ألا يحبنى أهل العُُدََّّّيْْسََات ولكن ما يعنينى هو أن يهابنى الخلق .. يخشانى الجميع.. بل بمعنى أدق يتقى الجميع شرى لإعتقادهم بأنى على اتصال بعوالم الجن والأرواح. زوجت وحيدتى لأفندى بلا عمل وبلا دخل.. وهبته غرفة فى دارى وعلى مدار أربعة أعوام تكفلت بكافة مصاريفه هو وزوجته وإبنته, والنتيجة أن طلق هذا الحقير ابنتى!!! الطلاق فى الصعيد فضيحة ..اكتسبت ابنتى لقب مطلقة .. ولن يُُقدم أحد على الزواج من مطلقة ... ياللعار نعم فضحنى هذا الصرصور... سأنتقم لكرامتى.. سأنتقم لهيبتى التى فقدت فى العُُدََّّّيْْسََات .. سأهتك شرف أخته.. أعلم أنه يحبها بجنون.. سأدفن رأسه فى الطين.. ولن تعنينى النتائج فأهل القرية يخشون منى وسيعنيهم فقط العار الذى ستجلبه إليهم تلك الفاجرة –فاطمة- التى لم تقدر على صيانة شرفها ولن يقدر سالم على إبلاغ الحكومة فلأهل الصعيد قانونهم الخاص ولا يدخلون الشرطة فى نزاعاتهم الشخصية وحتى إن فعل سأنفى التهمة عنى بل سأصرح بأنها هى التى أغوتنى.


- بمجرد أن سمعت ما حدث لأختى قررت أن أهجر دراستى الجامعية سأرجع كى أحمى فاطمة من المصير الذى آلت اليه. أنا السبب.. فلولاى لما أغتصبت.. لولا بعدى عنها ما كانت الآن تحت رحمة أهل العُُدََّّّيْْسََات يطالبون بهدر دمها.. لولا زواجى من ألطاف ما قاست فاطمة كل هذه الآلام. أقنعت أبى – وأيدتنى أمى- بأنى الجانى الوحيد الذى يجب أن تكال إليه الإتهامات, ولكنى سأنتقم لشرفى سأقتل الشيخ محمود. وبالفعل ابتعت بكل ما أملك من نقود طبنجة وبضعة رصاصات وتربصت له فى مدخل القرية أنتظر مروره كى أسلبه حياته كما سلب أختى أعز ماتملك وسلب عائلتى كيانها وشرفها وسط أهالى القرية. قبعت بالساعات أنتظر مروره فقد كان يداوم على أداء الصلوات الخمس فى جامع القرية ولكن الكلب الخسيس كان يتوقع ردة فعلى فمكث فى داره وأغلق بابه ونوافذه. إلى أن رآنى قس الكنيسة وعلم بنيتى فأخذ يهدأ من روعى قائلا:
" لقد فقدت ابنتك وزوجتك ودراستك وفقدت أختك بكارتها وفقدت عائلتك بالكامل شرفها. وأختك لم تقتل فهى حتى الآن حية ترزق بفضل وجودك بجوارها. أتريدها أن تفقدك إلى الأبد عندما تسجن لتهمة قتل هذا الدجال؟!. قم يا بنى صلى للرب عسى أن يلهمك الصواب".


- بعد نصيحة القس.. وبعد صلاة الإستخارة عدل سالم عن قتل الشيخ محمود ولكنه قرر أن يهجر هو وأسرته العُُدََّّّيْْسََات إلى الأبد فلن يقدروا على مواجهة الناس من غير أن يقتل سالم أو والده فاطمة. فالجميع يراها عاهرة والجميع يطالب بدمها. حتى وإن تناسى أهل العُُدََّّّيْْسََات تلك الفضيحة فلن يقبل أى صعيدى على الزواج من فاطمة وهى بهذا الوضع. فهاجروا إلى قنا ورفض سالم استكمال دراسته كى لا يفارق أسرته ثانيةً ومرت سنوات عديدة عمل سالم خلالها موظفا باحدى الجهات الحكومية وسعى بكل طاقتة لإسعاد أسرته وخاصة صغيرته فاطمة وتعويضها عن الألم الذى لحق بها.
فى عام 1970 تزوج سالم من امرأة صعيدية من قنا حكى لها حكايته فاحتضنت فاطمة ووالديه اللذان بلغا من العمر أرذله. وحاولت زوجته أن تجد عريس لفاطمة ولكن لكونها بلا غشاء بكارة فقد كان الخطاب – بالرغم من جمالها الأخاذ - يرفضون الإستمرار فى الخطوبة بعد أن يخبرهم سالم بواقعة الإعتداء. الى أن جاء نصيب فاطمة اليها وقبل بها وأحبها من لم يراها يوما مذنبة.


- العُُدََّّّيْْسََات - 2006 : أنا مريم.. اليوم هو الأربعاء الموافق 18 يناير- ليلة عيد الغطاس - أنا الآن جدة .. أبلغ من العمر اثنتا وستون عاما.. كنت نائمة في الدار، وحوالي الساعة السابعة مساء انقطع التيار الكهربائي عن القرية، ثم سمعت صراخا في الخارج، وعندما خرجت لأرى ماذا يحدث، وجدت السيدات فى درب النصارى يصرخن قائلات: (الحقينا يا عدرا.. الحقينا يا عدرا). وكان هناك عساكر واقفين، وشاهدت النار تشتعل في أحد المنازل. وكان الجميع يصرخون والنار تزداد. وكان هناك مسلمين معهم جاز وبنزين في زجاجات، وقد عرفت ذلك لأن الجاز وصل إلى ملابسي. ورأيت غفيرين وعسكري يضربون نساء مسيحيات. وصرخت إحدى النساء لي أن المسلمين يحاولون إحراق الكنيسة لأنها حتى الآن بلا تصريح والعساكر فى صف المسلمين لأن الأوراق الرسمية بتقول أن المكان ده مضيفة مش دار عبادة. فجريت إلى الكنيسة التي وجدتها تشتعل وحولها أشخاص يرمون شعلات النار من اتجاه الغرب حيث بيوت المسلمين, وانشغلنا في محاولة إطفاء النيران، وهنا أتي شخصين وضرباني على ذراعي الأيسر، فوقعت وصرخت بهما أنني (مش هاسيب الكنيسة حتى لو مت). وبنت بنتي وهى راجعة من الدرس عاكسوها عيال مسلمين وقالولها (الكنيسة حرقناها)، ولما جه قرايبنا يعزوا في الواد ابن ابنى اللي مات فى الحريق – وما كملشى أربع سنين - طلعوهم مرتين من البلد وحاولوا يرجعوهم، وكمان بهايم ولادي الاتنين اتاخدت. الله يرحم أيام زمان لما ماكنش فى فرق بين قبطى ومسلم ... الله يمسيكى بالخير يا فاطمة
(إن عشنا فاللرب نعيش وإن متنا فاللرب نموت، إن عشنا أو متنا فاللرب نحن)


- قنا 2008 – باريس الصعيد كما يسمونها الآن- مازال سالم يواظب على زيارة قبر إبنته الراحلة. خاصةً بعد رحيل والديه اللذان طالبا بإصرار أن يدفنا فى نفس القبر مع فاطمة – حفيدتهم الأولى- فى مقابر العُُدََّّّيْْسََات. أما الشيخ محمود فوجد مقتولا تحت السقيفة عند عودته من صلاة الفجر ذات يوم ويشيع البعض أن سالم هو الفاعل وبعدها بعامين ماتت ألطاف محروقة ولم يعرف إن كانت قتلت نفسها بأن صبت لتر جاز على ملابسها وأشعلت النار أم أن وابور الجاز قد هب بها! أما أم ألطاف التى قاربت على المئة عام من العمر فيقال أنها الآن مجذوبة تتسول فى حوارى العُُدََّّّيْْسََات منذ أن فقدت زوجها وابنتها!.
أما العمة فاطمة فأنجبت ثلاثة فتيات أكبرهن مريم وأصرت على تعليمهن كى لا يواجهن نفس مصيرها. وبالمثل فعل سالم فقد بارك له الله فى زوجته وأنجب منها خمسة أبناء ثلاثة أولاد وإبنتين.. أنا أصغرهم.. إسمى فاطمة.