الأحد، 30 نوفمبر، 2008

رسائل - الجزء الأول




صباح السعادة
القاهرة فى الأول من أكتوبر 2008

«إن هذا العالم يمثّل وعداً بسعادة لا نظير لها
سعادة لسنا مُعدين بما يكفي للإمساك بها»

هكذا يصف «لورنس داريل» معرفته بالوجود في رائعته «رباعية الأسكندرية... لا أدرى أن كنتى قد قرأتيها أم لا.!!. ولكن أعتقد أنه لابد لكى من قراءتها.. ليس لكونها رواية أستثنائية كتبها شاعر وغيرت تاريخ الرواية فى الكون وفقط!!! ولكن أيضا لأوجه التشابه بينك وبين «جوستين» كما كتبها داريل وكما رأيتك أنا.. أو كما هُيأ الى... لا أدرى!!!

الأجزاء الأربع: «جوستين» و «بالتازار» و»ماونت أوليف» و»كليا».. كانت قد طبعتهم دار (سعاد الصباح) بترجمة (فخري لبيب) في التسعينات ومن الممكن أن تجديهم علي سور الازبكيه!! لأن الدار اختفت بعد فترة.. . أن لم تستطيعى العثور عليها أستطيع أن أهديها لكى.... يعني... لو تسمحين لي طبعاً..

دا بس عشان تعرفي انتي غاليه عندي قد أيه ووحشاني قد ايه.. والله..

وأصبحت حتى لا أستطيع استطلاع أخبارك أو الإطمئنان عليكِ... لأنى لا أتحدث الى الأستاذ فؤاد منذ أكثر من شهر... وأكتفى بأن أهاتفك على تليفونك المحمول وعندما لا تغلقين الخط فى وجهى أطمئن... لأنك - على الأقل- موجده وبخير.

متبقيش قاسيه كده بقي يا شيخه.. أنا مابقتش عارف اعتذر ازاي!!

أرجوكى سامحينى هذه المرة.. وبعدها لن تجدى منى سوى كل الود والأهتمام كأخوات وأصحاب
ليس هذا فقط هو كل ما أستطيع أن أقدمه لك بل أقسم بالله أنى مستعد -لو ترضى طبعاً- أن أذهب معكى الى أهلك فى الصعيد وأتزوجك شرعاً كى أصلح الغلطة الشنيعة التى أقترفتها فى حقك!!! وربما يصلح هذا الوضع الكثير من الأمور فى حياتك...

وبعد كده كل واحد يشوف طريقه، لأني بتركيبتي المزاجيه المعقدة مينفعنيش وميستحملنيش غير مراتي وانتي غالبا مينفعكيش حد!!

أيضا أنت تعلمين أن هدى -زوجتى- لن تستطيع الأنجاب بعد عملية الإستئصال الأخيرة.. وإن أصبح لى طفل منك سأكون أسعد البشر.. لأنى أؤمن بكى وأعلم علم اليقين أنك إن وهبك الله الولد ستحسنين تربيته.. ولكن أن أنجبتى بنتاً سنعطيها لهدى كى تربيها حتى تصبح متدينة وخوافة كى لا تشب على جنونك فتصير مثلك فى واقع لا يحتمل جنان البنات.. ليعاملهن بمنتهى العنف والغباء

-أعتقدأن هذا هو أغرب عرض جواز وصلك!!-

فكك بقي يا شيخه من الخصام ده وخلينا نعرف نتكلم مع بعض جد..

إمضاء

عرابى الشحات


أرجوكم قرائى الأعزاء لا تستعجلوا النهايات.. فما قرأتموه للتو هو النهاية أما ما سأرويه لكم فى المرات -القريبة- القادمة ربما يكون هو البداية...

تتبع

الأربعاء، 26 نوفمبر، 2008

سرير واسع



جلس وحيدا فى غرفته الوحيدة فى بيته الأوحد على طرف سريره الواسع.. بين بقايا أطعمة وزجاجات مياه فارغة وأخرى مملؤة.. وقشر موز وخبز عفن وبطانيته البالية .. بثيابه الرثة المليئة بالثقوب من فعل تساقط سجائره الملغومة وأخذ يحدث نفسه قائلاً:

- أبويا مات.. وأمى ماتت.. وجدى مات .. وجدتى ماتت.. وأخويا مات.. وأخويا مات.. وأختى ماتت.. وجدتى ماتت.. وجدى مات.. وعمى مات.. وعمى مات.. وعمى مات.. وعمتى ماتت.. وخالى مات.. وخالى مات.. وخالتى ماتت .. وخالتى ماتت

ونظر عاليا وضحكة طفولية تملأ وجهه لتكشف خلو فمه من الأسنان وقال:
- يعنى بقيت أنا كبير العيلة... وملأت جلجلة ضحكته فراغ الغرفة المظلمة
- بقيت الكبير لناس ما أعرفهمش ....قالها وهو يغلق عينيه الضيقتين ليفرد جسده على السرير الواسع

الأحد، 23 نوفمبر، 2008

القاهرة ليل داخلى (٤)


ف بحر الضلمة رأيت على بعد
شبح إنسان
حققت بعينى
لقيتها يمامة وكاسرة الطوق
كرابيج الليل
ناقشينها جراح
من تحت لفوق
والأسى فى عينيها
مصحى الشكوى تقول حواديت





حواديت .... حواديت ... قرب.... جرب ... خدلك كام حدوتة

ما أروع الإحساس بأن تملأنى «زوزو» فأرى بعيون محبة وأتنفس بعنفوان الصبا وأحلم بسذاجة الطفولة .. أرقص وكأن الموسيقى تعشش بصدرى ... أتمايل على نغمى الخاص.. لا يعنينى أحد ولا تشغل بالى الأشياء.. سواء أكنت أرقص وحيدة أو مع دعاء وأسماعيل -خطيب دعاء الذى انضم لنا منذ منتصف الليلة- أو معى إيهاب..أو معهم جميعاً... لا تغير هذه التفاصيل الصغيرة من إحساسى اللحظى بالسعادة.. وكأن هذا المكان وهؤلاء الأشخاص هم هدية السماء لى الليلة... لتكافأنى على شيمة الصبر .. فأنا عطشى للسعادة كما أنا عطشى الآن لأى شئ يبلل ريقى .. استأذنت الجميع على حلبة الرقص وأتجهت الى البار... ماذا أشرب الليلة؟ أأشرب بيرة كإيهاب أم أشرب نبيذ كدعاء وأسماعيل؟! ...أنا لا أحب طعم البيرة.. ولا أدرى كيف يستسيغها الناس.. ومعدتى الضعيفة لا تحتمل النبيذ....أم لا أشرب خمر على الإطلاق؟ أنا لست ضد الخمر ولكنها أيضاً ليست احدى متعى فى الحياة.. ولكنى أسمح لنفسى ببعض منها فى المناسبات المتفرقة.. وغدا عطلتى الأسبوعية.. فليذهب العقل الى الجحيم ..

ورفعت صوتى كى يصل الى النادل عبر الموسيقى الصاخبة:
- ID بطيخ بعد اذنك .. كانت دعاء قد تبعتنى الى البار لتسألنى عن رأيى فى أيهاب فقلت: والله مش بطال فردت بصعيديتها الدبش:
- مش بطال؟! ماشى يا إختى.. دا البنات هاتتهبل عليه فى الجورنال بس هو اللى مابيحبش الصحفيات بيقول عليهم ما بيستحموش... هانعمل ايه بقى على رأى المثل «عدوك ابن كارك»
ضحكت من قليى لضحك هذه الطفلة المتخفية فى جسد امرأة جميلة.. وأخبرتها عن رأيى فى إيهاب وأقررت أنه فعلاً وسيم وقد يكون حلماً للكثيرات ولكنه حقا لا يروقنى .. أقصد لا بشدنى اليه كرجل ... لا يستفذ الأنثى بداخلى ... فأنا لا أحب الرجال بيض البشرة.. ينفروننى منهم.. أشعر أن الرجل الأبيض ناقص الذكورة.. لا يستهوينى .. تماما مثل نفور بعض الرجال من الفتايات صاحبات الصدور الضامرة أو المؤخرات الصغيرة.. أنا أعشق الرجل الأسمر.. هنا تبدا أولى مراحل الإعجاب..

ولكن كل هذا لا يعنى أن لست معجبة بإيهاب .. بل أنا معجبة به جدا ولكن فقط على مستوى أنسانى... تعجبنى كتاباته الصحفية .. يعجبنى تواضعه.. يستوفقنى حبه للحياة ... أود لو نصبح أصدقاء .. ولا أرغب بالمزيد...
وتوقفت عن الكلام وسحبت دعاء من يدها لنواصل الرقص وطلبت منها أن نترك لغطنا هذا ليوم آخر يكون الجد شعاره... ورقصنا ورقصت ورقصم معى وكأنى أهرب من السكون والملل لأغمس نفسى فى سعادة مؤقتة أستشعر قرب زوالها.. وكان إيهاب فى غاية اللطف والإنطلاق .. حوالى الثالثة صباحا.. تعبت من الرقص.. فجلست بجواره لنكمل تجاذب أطراف الحديث الذى لم ينقطع طوال الليلة عن الأدب والشعر والسينما والصحافة والحب .. كانت له طرقه الخاصة فى التعبير عن أرائه ... تبدو غريبة بعض الشئ ولكن تنبئك دون مجهود بأنه شخص استثنائى جداً....الآن تبدو عليه بوادر السكر .. ناولنى سيجارة من علبته «الكنت».. وبالرغم من أنى غير مدخنة فقد قبلتها منه ومال ناحيتى كى يشعلها.. وبعد أن سحبت أول نفس.. زاد ميله فى اتجاهى الى أن أختفى من مجال رؤيتى وهمس فى أذنى:
- عارفة؟! أنا نفسى فيكى النهارده
وكأن يدا خفية قد ضغطت زرار «Pause» بداخلى بالرغم من صخب المكان من حولى.. وانا انظر اليه وشبح ابتسامة قديمة على شفتى.. أحاول جاهدة ألا تهرب منى.. وعينى تنظران فى بؤرة عينيه وكأنى أفتقر الى حاسة البصر.. وبعد ثانيتين استعدت وعى الكامل وقلت:
-عارف يا إيهاب أنا مش زعلانة منك.. لأن سلوكك دا طبيعى.. فى مكان طبيعى لشخص سكران.... بس للأسف للشخص غير المناسب.. أنا مش هاخد الموضوع بشكل شخصى لأن طلبك بمنتهى البساطة بيعكس حالك مش حالى.. وعلى فكرة أنا كمان مش زعلانة منك

فوجئت بنفسى هادئة وغير مستفذة.. ليس لأن طلب أيهاب طبيعى .. بل كانت هذه هى المرة الأولى التى يقتحمنى رجل بمثل هذه الطريقة.. فهو لم يلف أو يدور كحال كل الرجال.. ولم يتصنع حب لا أساس له من الصحة كى يجرجرنى الى فراشه.. بل كان مباشرا وصريحا فى تعبيره عن رغبته... ماذا تريد أنثى وحيدة فى ليل هذه المدينة العاهرة التى تباشرنا فى عقولنا قبل قلوبنا؟!!.. انثى قيلت دعوة صديقتها كى تعرفها على رجل.. ماذا تريد؟ تريد حبا وحنانا؟

لقد صنفنى أيهاب ك«فتاة متحررة» وتحت هذه اليافطة العريضة «الحرية» وقع فى خطأ التعميم.. فشملنى ضمن هؤلاء الفتايات الأتى يسمحن لأنفسهن ببعض العلاقات بهدف تنفيث الطاقة الجنسية المكبوتة لا أكثر ولا أقل وبالطبع لا أقصد هنا الفتايات والنساء فى حالات الحب.. فهذا أمر طبيعى أو فلنقل مبرر الآن.. أما العلاقات الجنسية الحرة فهى تقتصر على من يطلقون على أنفسهم اسم « المثققون» وتحت هذا الشعار الجميع بلا قيود.. وكأن القيد مرادفه الجهل أما الثفاقة فتعنى الحرية.. وحرية الجسد هى الأولى بين الحريات.. ويصيح إشباع الجسد واجب انسانى للفرد المثقف بغض النظر -فى بعض الأحيان- عن الشريك.

هذا البار مكان طبيعى لهؤلاء «المثقفون» و»المثقفات».. ووجودى فى هذا المكان ورقصى وشربى وبساطتى أوهم إيهاب بأنى متحررة من الكلاكيع.. فبالرغم من أنى أعيش نموذج أقرب ما يكون للفتاة الغربية الا أنى فى نهاية المطاف مازالت بداخلى بقايا فتاة شرقية... أنا لست شرقية أو غربية أنا مزيج من الإثنين معاً. أنا نفسى... أنا حياة..

لماذا تقسو هذه المدينة على إناثها ؟
أنثى وحيدة فى قلب ليل القاهرة ثارت عندما عرض عليها شاب استثنائى أشباع جسدها؟ هل تنتظر حبا حقيقيا يصادفها فى بار فى منتصف المدينة؟ هل سياتى اليها فارس أحلامها الليلة؟ هل وهى فى الخامسة والثلاثين من عمرها مازلت تؤمن بخرافة الحب من أول نظرة؟ هل بعد كل تجارب الحب الفاشلة مازالت تؤمن بالحب من أساسه؟ هل مازالت تحلم بالحب كما فى كشكول الأسرار؟ ماذا تريد هذه الأنثى الوحيدة الحائرة؟ حب؟ الله يرحم أيام السذاجة... زوج؟ أصبح الزواج موضة قديمة فى دنيا الحريات

الأربعاء، 12 نوفمبر، 2008

شجرة أم طارق


إنتهيت من إجتماع عمل فى أحد البنوك الحكومية فى منطقة وسط البلد, وخرجت الى شارع محمد فريد لأنتظر مديرى -الذى سيصل فى غصون عشر دقائق - كى نذهب سوياً الى إجتماع آخر فى مدينة السادس من أكتوبر. إتجهت الى شجرة ضخمة أمام البنك بجوار كشك مراقبة.. تجلس تحت هذه الشجرة -على الأرض- امرأة بيضاء بدينة بعض الشئ, تفترش أمامها مجموعة من علب المناديل مصفوفة بعناية.. مناديل جيب.. مناديل سفرة.. مناديل مطبخ.. تتفاوت ألوانها وأحجامها.. وكيس بلاستيك كبير مليء بحبات الليمون. أقتربت منها ووقفت أحتمى بظلال الشجرة من الحر.. بجوارها يوجد كرسى خشبى متهالك مدهون باللون الأبيض.. وأمامها مباشرة يقف عسكرى كشك المراقبة بجسده النحيل وبشرته المصبوغة بلون الفقر.. لاحظ العسكرى وقوفى دون حراك فى مكان ليس بالمناسب لأى شئ سوى الأنتظار.. فتقدم منى ببدلته البيضاء وحذائه وحزامه الأسودين وعرض على الجلوس على الكرسى .. فشكرته وأكدت عدم حاجتى له.. فسحب الكرسى من جوارى تاركاً صوت جرجرته على بلاط الرصيف.. ليزيل الحاجز بينى وبين المرأة تحت الشجرة.. لا أدرى لماذا تسمرت عندما شاهدتها عن قرب.. شيئا ما فى هذا الوجه السمح ينادينى.. أحتميت بنظارتى الشمسية ووقفت أرقبها بنظرات مستحية غير مباشرة ورحت أغوص فى تفاصيلها..
بدت لى فى أواخر الخمسينات من عمرها وربما كانت فى السبعينات وملامحها لا تعلن عن ذلك.. فليس بوجهها أيه تجاعيد.. هى جميلة.. سمحة.. كحيلة العينان.. وجهها بدر منور.. بعينيها بريق يرفض الموت ويعلن عن أنوثتها الماضية.. تخبرك عيناها سراً أنها كانت أنثى مشتهاه من كل من يقع أسير عينيها.. تعلن شفتاها الرفيعتان عن حزم واضح وكبرياء.. . تفرد قدماها «المتفيلتين» أمامها كدليل على عمرها الذى تخفيه ملامحها الشابة...

إقتربت امرأة محجبة منها, بدت كموظفة فى إحدى الهيئات الحكومية المحيطة وقالت:
-إزيك يا أم طارق؟ والله ليكى وحشة .. وليكى حق تزعلى منى علشان ما بسألشى عليكى.
ودار حوار طويل بينهما عن أسباب غياب المرآة المحجبة.. وكانت «أم طارق» تقاطعها -فقط- بوصلات من الدعاء لها براحة البال.. وقبل أن تهم بالذهاب أخرجت ورقة نقدية بخمسة جنيهات وطوتها فى يدها وناولتها لأم طارق التى تمنعت لفترة ثم قبلتها ولكن فى الحال التقت أصابعها أحد الأكياس البلاستكية وملأته عن آخره ببعض علب المناديل وثمرات الليمون (ربما تعدت قيمة محتويات الكيس عن الخمسة جنيهات) ورفضت المحجبة أن تأخذه وأصرت أم طارق.
فأيقنت أن لأم طارق موريديها ولست وحدى ضحية تأثير وحضور هذه المرأة. وعندما عادت وحدها هى وفرشتها أخذت تنادى بصوت مليح : اللمووووووون (تمط فى نطقها وكأنها ترفض أن تنهى الكلمة من على لسانها).. ثم تصمت لثوان قليلة وتعاود : يا مسهل يا رب... يا رزااااااق ...... (صمت) اللمووووووون..... يا رب

كنت أوجه زاوية جسدى بعيداً عنها -متظاهرة بالشرود- كى لا تشعر بأختراق لمساحتها الخاصة و لكن عندما خلى الرصيف من المارة وبدون أى مقدمات تذكر نظرت الى وقالت:
-آه لو يرجع بيا الزمن وابقى فى شبابك؟!!!
فاجأتنى جملتها التى وصلتنى صائبة ..طيبة..رقيقة ..متحسرة فاقتربت منها بتحفظ وجلست على كعبى مستندة على ركبتى ورفعت نظارتى الشمسية كى أزيح ظلالها عن وجهها المشرق وقلت:
-كنتى ها تعملى أيه؟
ردت وهى تتنهد : - يآآآآه دا أنا كنت مابطلشى جرى وتنطيط... عارفة؟ أنا كنت بنت حلوة زيك كده .. بس الزمن ما بيسيبش حد على حاله..
بالرغم من المرارة التى حملتها كلماتها الا انى كنت فرحة بقربى منها .. وشجعنى حديثها الذى رحب بى فى عالمها الصغير أن أسألها: - هو أنت منين؟
أجابتنى بأبتسامتها الدؤب التى ترفض أن تفارقها: أنا جيت من قويسنا وأنا بت عمرى 12 سنة.. جوزونى وجيت هنا معاه وجيبت منه ست عيال.. ومات وسابهم لى .. عارفة؟ أنا ياما إتعرض عليا أخدم فى البيوت. وكنت أقول لأ أبدا عمرى ما أخلى عيالى يستعروا إن أمهم خدامة.. أنا أشتغل على فرشتى حرة.. ولا الحوجة... وياما والله يا بنتى إتعرض على -ومن رُتَب هنا- «مشيرة بيديها الى البنك.. وناس عازت تتجوزنى .. بس أنا عمرى ما سيبت فرشتى ولا رضيت أذل نفسى ولا عيالى لحد
ومدت يدها ذات الأصابع المتورمة والتقطت طرف طرحتها التى أنزلقت بعض الشئ وأعادت وضعها على رأسها فوق الإيشارب الأزرق الفاتح الذى يقمط رأسها بإحكام. وأكملت الحكى وكنت أنا صامتة ..أنظر اليها بإبتسامة خفيفة مشجعة على الأسترسال.. شعرت وكأنها تقرأ أفكارى.. كانت تتحدث دون توقف وتجيب على أسئلة لم تطرح بعد فى عقلى ولكنها حتماً كانت موجودة
- الحمد لله أنا ربيت عيالى كويس ..بس حتى اللى إتخرج منهم من الجامعة قاعد عاطل لغاية دلوقتى.. بس الحمد لله جوزت البنات.. أهو ربك كريم يا بنتى
كانت كل كلمة تخرج من شفتيها تصل الى قلبى مباشرةً وكأنى فى حضرة ولى..رن هاتفى المحمول وكان مديرى يعلن عن وصوله ..رفعت رأسى لأجدنى مازلت فى شارع محمد فريد ورأيت مديرى فى سيارته خلف شجرة أم طارق.. وكان على الذهاب .أخرجت ورقة نقدية وحاولت أن أناولها لها فرمقتنى بنظرة قاسية .. فسارعت بالقول: - إحنا بقينا أصحاب يا أم طارق مش كده؟
ورَدَتْ يدى وإجتذبتنى اليها وإحتضنتنى وقالت: بجد؟! فأكدت لها صداقتنا فقبلتنى وحاولت أعطائى بعض الليمون والمناديل وهى تودعنى بأبتسامتها قائلة:- هاستناكى ماتتأخريش عليَّ .... وتبعنى سيل من الدعوات الصادقة.

السبت، 8 نوفمبر، 2008

القاهرة ليل داخلى (٣) - البار

فى ذات الممر الضيق فى وسط البلد الذى أمر به كل ليلة الى «أفتر إيت», ألقى بتحية المساء على «عبد المولى» بائع السجائر الذى تحتل بضاعته أرفف خشبية متآكله تبدو وكأنها حفرت فى داخل الجدار العتيق.. يمد الى يده بعلبتى «كنت 6» لترتطم ذراعى دائماً بثلاجة الكوكاكولا التى تحتل أكثر من نصف عرض الممرء وأنا أخرج له النقود من جيب بنطالونى.. يتلمظ ببضع كلمات غير مفهومة أعتقد أنها قد تحمل معنى ضرورة توخى الحظر.. فأومئ برأسى فى أشارة حيادية لا تحمل أى معنى متجها الى مدخل البار. أنظر الى الأرض كى أعد بلاطات الأرضية المتآكلة للممر الضيق وأيضا كى لا أتعثر .. تتفحصنى عيون الجالسين على القهوة - التى تحمل نفس اسم البار- فى آخر الممر كعادتهم فى عمل مسح يصرى لجميع المارة وبالأخص زوار «أفتر إيت» الذىن يمثلون لهم «أهل الخمر» أما رواد القهوة فهم عمال وصانيعية من أبناء الثقافة الشعبية أصحاب «مزاج الدخان» الأرخص والأقوى تأثيراً..

عبرت الممر قافزا كعادتى بين الأحجار و البلاطات المتناثرة ودلفت من باب البار مسرعاً... تفقدت المكان بحثا عن دعاء وصديقتها التى أخبرتنى عنها ولم أجدهما وكان المكان غير مزدحم بعد.. نفس البشر .. نفس العيون فى كل يوم ... نفس الروتين اليومى للسُكر والرقص ... جلست على البار.. وطلبت زجاجة بيرة «ستلا» من رأفت النادل.. أخرجت سجائرى وأشعلت سجارة الإنتظار.. وسرحت فى حالى .. لكى أكون صادقا فأنا سرحت فى ليلى.. «ياااااه أخيرا بقيت حر.. ما أنكرشى انى لسه بحبها.. بس الحرية لا تكيل بالباذنجان... ياه دا الواحد عمره ضاع يا جدع شويه ورا وهم الحب وشويه ورا وهم الوطن ... ياخى صظ... وكاسك يا أستاذ حب... وفى صحتك يا عم الوطن ... وتحيا الحرية»... كنت أطوح بكأسى لصورتى المنعكسة على المرآة المقابلة للبار... ولمحت فى الضوء الخافت شعر رأسى الخفيف الذى حال لونه الى الأبيض .. وعلقت مرارة البيرة بحلقى ... ومر بجوارى شابين «روشين» وسمعت أحدهم يقول للآخر:
- هو البار دا بقى للمجانين ولا أيه؟!! بص للأثنين اللى قاعدين كل واحد فيهم بيكلم روحه!!! إلحق!!!
وإنطلقا الى خارج البار , فى الركن الذى أشارا اليه لا يوجد سواى أنا ورجل خمسينى.. يجلس وحيداً.. يحرك يديه فى الهواء وكأنه يحدث شريكا وهمياً, أستدرت بمقعدى العالى بزاوية 45 درجة كى ألمحه بطرف عينى وأصغيت جيدا وعندما هدأت الموسيقى بعض الشئ سمعته يقول « كل يوم سكر وجنس!!! كل يوم !!! كل يوم!!! دا الواحد تعب...آآآآآه
ابتسمت من هذا الثعلب العجوز.. وحسدته على ممارسته اليومية لهوايتى المفضلتين السكر والجنس.. فبعد أن طلقت ليلى وأنا أستعيض بالسكر عن كل شئ.. ورفعت كأسى مجددا فى الهواء وهمست : فى صحة الحرية !!!

وفى الحال لمحت دعاء تزيح الستار الأسود فى مدخل البار ورأيت صديقتها التى أدوشتنى بها ..كانت رقيقة .. جذابة.. ترتدى بنطلون جينز وبلوزة فيروزية تزينها وردات صفراء صغيرة لامعة عند الصدر.. تكشف عن كتفيها .. لهما استدارة مثيرة.... خصلات شعرها المتموج تضفى عليها طابع غجرى.. تقترب منى أكثر.. ما هذا؟ عيناها فيروزيتين؟ أم أنهما عسلينيان يطبع ضى بلوزتها الفيرورية هذا اللون على عينتها؟ الإضاءة ضعيفة ولا أستطيع الحملقة أكثر من هذا.. قدمتنا دعاء الى بعضنا البعض فقالت حياة:
- طبعا أنا أعرفك كويس ومعجبة جدا بمقالاتك الجريئة فى «الحياة البيروتية»
حمدت الله أنها ليست كما تبدو.. فمظهرها يوحى بأنها بنت سطحية وتافهة ... ولكن ما هو العيب فى البنات التافهات؟ ربما هن الأفضل لى فى هذه المرحلة!! ... خلعت نفسى من أقكارى وتبادلت مع «حياة» بعض الحوار وبدت لى لطيفة ولكن بها درجة من الغرور وربما هى ثقة زائدة بالنفس... لم تكن حياة جميلة بالمعنى التقليدى.. ولكنها كانت مثيرة بدرجة أستثنائية... أو ربما يكون إحساسى هذا وليد الموقف.. فأنا مطلق.. شبه مخمور... لم أمسس إمرأة منذ ما يقرب من الشهرين.....فى البداية كانت حياة ترقص بتحفظ ولكن بمرور الوقت أطلقت لساقيها حرية الإختيار ... وانتشت بالرقص وكأن بداخلها مارد مسحور .. أخرجته الإيقاعات من قمقمه.. وظهرت أنوثتها عندما قامت «دينا ال DJ» بلعب أغنية «يا واد يا تقيل» وعند هذه اللحظة أدركت أنى أمام أنثى خطرة.. تشبه الفخ.. لا تراه فى البداية ولكنك لا تفيق الا وأنت بداخله ولا حيله لك... رأيت أنوثة حقيقية فى هذه المرأة الثلاثينية... وهجرت أفكارى عن «ليلى» التى أصبحت ذكرى لا وجود لها الا بداخل عقلى.. وطلبت زجاجة بيرة أخرى كى أستعد لهذه الأنثى الشهية.. ولمحت بعينى الرجل الخمسينى مازال يحدث نفسه على البار...