الاثنين، 19 مايو، 2008

مشروع مجرم (تحت التنفيذ)



أعشق يوم الجمعة.. فهو اليوم الذى أتحرر فيه من عبودية العمل.. أو بمعنى أكثر دقة من «عبودية أكل العيش».. التى تتمثل فى الأستيقاظ فى تمام السابعة والنصف صباحا.. لأسافر فى كل يوم من منطقة الهرم التى أسكن بها إلى مصر الجديدة حيث مقر عملى..متحملة زحام القاهرة الخانق فيما لا يقل عن ساعة كاملة..لأمارس وظيفتى التى يربطنى بها إستقلالى المادى.. لا تحققى الإنسانى.. لذا يوم الجمعة هو يومى المفضل عن سائر أيام الأسبوع.. فهو بالنسبة لى يوم الإستقلال.. توقظنى ساعتى البيولوجية فى ميعادى المقرر.. ولكنى أفتح عيونى كل جمعة وإبتسامة رضا ترتسم على وجهى عندما أتذكر أنى سأمارس اليوم رفاهية النوم حتى الشبع.. فأسقط فى مساحة نوم أساسها الرضا.. غالبا ما أحلم فى هذا الوقت بأحلام وردية هادئة لا تعكرها الزامية الاستيقاظ.. فأصحو كل جمعة قبيل الصلاة.. يأتينى صوت القرآن من المسجد المواجه.. فيزداد شعورى بالراحة والإسترخاء.. لأنعم بالمزيد من الكسل.. كم هو رائع وممتع إحساس البيوت الدافئة فى صباح الجمعة!!.. وبعد وقت لا بأس به من التثاءب والدلع.. أنهض من فراشى لأمارس طقوسى الخاصة بهذا اليوم الإستثنائى...
أرتدى ملابسى الرياضية وأنتعل حذاء خفيف (فاليوم لا مكان للكعب العالى أو الملابس الرسمية) وأنطلق الى الشارع لشراء مستلزمات البيت الأسبوعية من خضار وفاكهة ولحوم وبقالة ..وبالطبع لأشترى فطور الجمعة المخصوص..المتمثل فى الفول والطعمية والباذنجان المخلل.. لكم أستمتع بهذه الجولة الأسبوعية.. التى تشعرنى بأنى «ربة منزل» مسؤولة..
ذات جمعة.. فى طريقى لجولتى التسوقية.. مررت من أمام المدرسة الأعدادية المجاورة لمنزلى.. وكان بعض تلاميذ المدرسة مجتمعين للعب كرة القدم.. رأيتهم عن بعد ممتلئين بالحيوية والصخب.. وعندما تقلصت المسافة بينى وبين هؤلاء البراعم النابضة بالحياة.. أصابت أذناى الكثير من الألفاظ الخارجة التى لا تليق بأعمارهم.. طويت المسافة الفاصلة بيننا وانتهكنى سيل من المعاكسات البذيئة.. فأسرعت الخطى.. ووجدتنى أسير وأنا منكمشة بداخلى.. ولوهلة أصبت بالخوف.. فازداد اتساع خطواتى.. ووجهت نظرى الى أسفل قدمى.. متحاشية النظر إليهم.. واذا بأحدهم يقترب منى بخطوات متمهلة.. ولسانه لا يكف عن البذاءة المفتعلة.. فى محاولة طفولية لإثبات ذكورته أمام رفاقه.. تلعثمت خطواتى.. ونضح جبينى بذرات عرق مصدرها خوف حقيفى.. اقترب الطفل منى ومد ذراعه محاولا لمس جسدى.. وضبطت نفسى متلبسة بالرعب.. فجريت بكل ما أوتيت من قوة.. وسقط من يدى كيس العيش.. ولم أهتم بالتقاطه.. فقد صببت طاقتى لإلتقاط أنفاسى اللاهثة.. وصلت الى منزلى وأنا فى حالة ذهول ووجع.. لقد أفسد هؤلاء الصبية جمعتى المقدسة التى أتقوقع فبها داخل بيتى كى أستريح -ولو ليوم واحد فقط- من تشوهات القاهرة التى تطاردنا فى كل يوم. وبكيت من مرارة المشهد الذى مر بى منذ دقائق.. إن كان من تحرش بى رجل يافع.. كنت سأردعه.. أو ربما كنت نهرته.. أو وربما كنت اصطحبته الى قسم الشر طة.. أو ربما... أو ربما.... ولكن من فعل بى هذا مجرد طفل لم يبلغ العاشرة من عمره.. والأدهى من ذلك أنه كان متسلح بجمهوره الخاص من الأصدقاء المشجعين لسلوكه..
لماذا أبوح بهذه الواقعة الآن بالرغم من حدوثها منذ أكثر من عامين؟ للأسف لأنى أكتشفت أن هذا الطفل ليس حالة شاذة فى المجتمع.. تقص على صديقاتى حكايات كثيرة مشابهة .. أرى العديد من هؤلاء الأحداث فى الشوارع فى كل يوم ينتهكون الجميع بقاموس لغوى- خاص جداً- للبذاءة.. والضحايا غالباً من العجائز والفتايات.. والمؤسف حقا أنى لا ألوم هؤلاء الصبية.. فهم أيضا ضحايا.. هم نتاج طبيعى جدا لتشوه أمة بأكملها .. مجرد افراز متوقع لحال التعليم.. والتلوث بأشكاله المختلفة.. وغياب دور الأب المريوط فى ساقية رغيف العيش .. وأكداس القمامة التى تزين نواصى القاهرة..وإعلام فاقد للهوية -وجوده مثل عدمه- .. وفن رموزه: شعبان عبد الرحيم وهيفاء وهيى واللمبى.. وكأن هذه المنظومة المكتملة تهدف لإنشاء «مشروع انتاج مجرمين تحت التنفيذ» . هؤلاء الأطفال هم وجه آخر للقبح الذى يحاصرنا فى كل مكان.. مجرد صيغة جديدة لتشوهات القاهرة.

هناك تعليقان (2):

Tarek Elkhatib يقول...

كالعادة أسلوب رائع ,,لكن الأجمل هو التسلسل والربط بين الموضوعين (أبتزاز عاطفى,,مشروع مجرم)لأن السواق دة لازم ولاده يبقوا مشاريع مجرمين !!والعوض على الله فى المجتمع اللى أصبح بيفرض علينا نتشكك فى صوابعنا ونمنع نفسنا من الرحمة والتعاطف عشان منبقاش مغفلين !!خلاص أنتصر القبح والتدنى لدرجة تمنعنا أننا نكون على طبيعتنا النقية ...يا الف خسارة يا مصريين !!!!!!!!!!

مصري بالغربة يقول...

انا تقريبا اول مرة اعلق عندك

وعاجبني جدا اسلوبك

بس بالنسبة لموضوع مشروع مجرم لازم كلنا نعرف ان المسئولية الكبرى تقع على اهالي هؤلاء الاطفال , وكمان على اهالي البنات اللي بتطلع للشارع وكل واحدة فيهم عايزة تقلد هيفاء وهبي او نانسي عجرم في كل حاجة لبس ومياعة والي اخره وكلنا عارفيين طبعا

والبنات اللي بالشكل ده كتير جدا وهم اللي بيدوا فرصة للشباب المكبوت ده واللي بيشوف كل يوم الدش والفضائيات ولازم يطلع الكبت اللي عنده ده في الشارع او في اي مكان تاني